مع تعثر بعض المشروعات، وكثرة الحديث عن الخسائر في القطاعين العام والخاص ترتفع طلبات الاستغاثة كما لو كانت هذه الخسائر كارثة وطنية، وليس مجرد مؤشرات لاتخاذ القرارات المناسبة في ظل ضرورة الاعتراف بهذه الخسائر وعدم إنكارها.
كل مشروع يسعى لتحقيق مكسب، وتجنب الخسارة. فالخسائر أمر غير محبب للنفوس، ولكن ليس معناه خرابًا للاقتصاد، بينما يُعني أن هذه الأمور تحتاج لتعديل ولا يجوز ترك الأوضاع الاقتصادية كما هي. فهل للخسارة دور مهم فى الإدارة الاقتصادية؟ هل الخسارة مؤشر ضروري للتغير؟

كثرة الحديث عن الكفاءة الاقتصادية، وضرورة الاعتماد على حوافز الربح، ومؤشرات الربحية هنا يجب ذكر فكرة الخسارة، فلا فاعلية لمؤشر الأرباح إذا ظل مؤشر الخسارة معطلًا عن العمل عند تعديل الأوضاع الاقتصادية، فعندما يتوقف عن عمله يتوقف مؤشر من أهم المؤشرات لاتخاذ القرارات المناسبة لإنقاذ الأوضاع الاقتصادية.فعلى المستوى الفردى الربح شيء مفيد للغاية، والخسارة شيء غير محبب للإدارة، ولكن الأمر يختلف كثيرًا فى المستوى العام للدول لكل منهما دور لا يمكن إغفاله أو تهميشه أو تجاهله.

الربح مؤشر أساسي لحسن الإدارة الاقتصادية، والخسارة ليس أقل منها أهمية فى تحقيق الكفاءة الاقتصادية. فالربح والخسارة وجهان لحقيقة واحدة وهي الحكم الاقتصادي على كفاءة الاستخدام والدعوة للاستمرار على نفس المنوال أو تعديل وإعادة النظر فى الأمور. فعلى مستوى الاقتصاد القومي الربح والخسارة معًا نعمة لأنهما يساعدان على حسن اتخاذ القرارات الاقتصادية المناسبة.

فالإفلاس قد يكون نعمة كبيرة للاقتصاد، قد يكون تصفية قانونية للمشروع، ولكنه قطعًا ليس تصفية مادية. فأصول المشروع من رأس المال الثابت من آلات ومعدات ومنشآت تظل قائمة. كما أنها يمكن أن تنتقل ليد جديدة.
الإفلاس يؤدي لأمرين فى غاية الأهمية وهما تغير ملكية، وإدارة المشروع من ناحية أخرى، وتطهيره من الأعباء المالية. فالمشروع يمكن أن يعانى من سوء الإدارة وإدارة جديدة بإمكانيات أفضل تسطيع تشغيله بكفاءة ويمكنها إثبات فشل الإدارة السابقة، وبالمثل لا يرجع لسوء الإدارة، ولكن لارتفاع الأعباء المالية التى يتحملها المشروع والتى تحول دون إمكان استغلاله بنجاح.
فهذه الظاهرة منتشرة في مصر فالمشروعات تعاني من ارتفاع التكاليف الاستثمارية، وعبء الديون المرتفعة، وبالتالي يجعل أي ربح غير كافٍ لتغطية ارتفاع فوائد القروض واستهلاك الاستثمار، ولكن الأكثر غرابة وجود طاقة إنتاجية على أعلى مستوى فني، ولكنها معطلة؛ لأن تشغليها لن يكفي لتوفير عائد مناسب لتغطية كافة التكاليف، وخاصة الأعباء المالية.

بالرغم من المشقة التى يتعرض لها أصحاب المشروع، ولكن إعدام المشروع جزء هام من هذه الأعباء المالية وبالتالى التعرض للخسائر بصورة بشعة. ولكن الاقتصاد القومى سيحقق مكسبًا مستمرًا بإعادة هذه المشروعات للحياة والإنتاج، وبالتالي إضافة للطاقة الإنتاجية من فترة لأخرى.

ليس كل الحالات راجعة لاختلالات جوهرية مما يتطلب اتخاذ إجراءات جذرية كالإفلاس، فمثلًا الأمور الراجعة للإدارة وصعوبات المتعلقة بها ببعض القيود الإدارية أو ظروف وقتية للسوق أو الائتمان تحتاج فقط لبعض التعديلات الطفيفة واستثمارات مقبولة، وليس الاستدعاء لحلول جذرية كالإفلاس أو إعدام الديون.

وعلى النقيض الآخر هناك حالات لا تحتاج لعلاجات مسكنة، ولكن تحتاج لحل جذرى كالإفلاس، ولكن التنفيذ يكوت تدريجيًا مراعاة للظروف. فمن غير المقبول أن تتخذ سلسلة من الإجراءات العنيفة مرة واحدة لا بد من مراعاة أوضاع السوق.

ولكن الأهم هو إدراك أن وقوع الخسائر ليس كارثة، وأن إفلاس عدد من الشركات وتغير إدارتها وتطهير أموالها، وبالتالي إعدام ديونها ليست مصيبة، ولكنه خير يعم على الجميع. فالأنبياء أتوا مبشرين الناس بالآخرة ليس النار فقط، ولكن الوعد بالجنة أيضًا. وتشخيص لأمراض وأورام المشروعات وإعادتها للحياة والإنتاج مرة أخرى. بالرغم من أن الاستجابة لمؤشر الخسارة مؤلمة وقاسية، ولكن هذا لا يمنع أن فائدتها لا تقل عن مؤشر الربح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات