حين يضحك الناس بمآسيهم ويتلذذون بعذاب الاخرين

ما أن يطل علينا شهر رمضان من كل عام، حتى تتدفق علينا الأعمال التلفزية الرمضانية، ولعل ابرزها والأكثر متابعة من بين كل البرامج، هي برامج المقالب أو الكاميرا الخفية، فهذه الأخيرة كسياق عام تقوم بجلب شخصية، سواء مشهورة، أو مغمورة، ويتم عمل مقلب لها على شاكلة موقف واقعي، ويتم التصوير خفية عنها لحين تأزم الموقف وانفعال الشخص أو خروجه عن السيطرة، ليتم إعلامه للحظة الأخيرة أنه ضحية مقلب كاميرا خفية فيرضخ أخيرًا لأصحاب المقلب ويقبل ما حدث له موجهًا تحية للجمهور القابع خلف شاشات التلفاز.

لكن ماذا لو كانت هذه البرامج ستتجاوز الخطوط الحمراء، ضاربة في القيم الانسانية والمبادئ الاخلاقية؟ ماذا لو صار ضيف المقلب ضحية تمارس عليها مختلف أشكال العنف والتنمر والسخرية؟ وهل فعلًا الجمهور يتلذذ بهكذا برامج؟

تاريخ الكاميرا الخفية قديم جدًا ففي الأربعينات كان هناك برنامج أمريكي اسمه (candid camera)، أي الكاميرا الصريحة، بث سنة 1948 على قناة cbs الأمريكية واستمر حتى 2014 حيث كان يقوم بمقالب طريفة على ضيوفه [1]، ولعل الأشهر من بين برامج الكاميرا الخفية الذي تابعناه على قنواتنا هو برنامج فقط للضحك ( Just for Laughs: Gags)‏ الذي كنت ترى فيه مقالب طريفة للناس في الشارع.

أما في الوطن العربي فيعد أول برنامج كاميرا خفية قدمه الممثل الكوميدي فؤاد المهندس.

برامج الكاميرا الخفية قد تتخد منحى آخر حين تلعب دور جس النبض أو إيصال رسالة قوية للمجتمع كما رأينا منذ سنوات قليلة على شبكة mbc حين عرضت برنامح الصدمة، والذي كان عبارة عن أداء مشهد تمثيلي عبارة عن ظاهرة مجتمعية معاشة في بلادنا العربية، كضرب الوالدين أو التحرش بالبنات أو إهانة إنسان، ووقتها يتم رصد ردة فعل الناس تجاه الموقف، وفي الأخير يتدخل مقدم البرنامج لإخبار المتدخل أن المشهد مجرد تمثيل، ويهدئ من روعه، وبعدها يسأله عن شعوره حول ما وقع أمامه.

لكن مع الأسف الكاميرا الخفية اتخذت منحى آخر حيث صار العنف والترويع والسخرية عنوانها الأبرز، ولعله مباشرة يقع في أذهاننا اسم المصري رامز جلال الذي صار سوبر ستار كل رمضان بما يقدمه من فكرة جديدة عند كل رمضان، رامز جلال الفنان الكوميدي والممثل المصري الذي تعودنا أن نراه كل رمضان منذ 2011 في برنامج مقالب، كل سنة بفكرة مختلفة، لكن الرسالة واحدة هي إرعاب الضيف إلى أقصى الحدود، ظهر برنامج رامز جلال بأسماء مختلفة، مرة «قرش البحر» ومرة «واكل الجو» ومرة «تحت الأرض» وهكذا.

لكن هذه السنة ظهر لنا تحت مسمى «رامز مجنون رسمي»، وكأنه يقول إنه فعلًا بعد كل الرعب الذي عمله في ضيوفه منذ سنوات صار مجنون رسمي، له الشرعية والحق في أن يمارس التعذيب والرعب بدون أن يخفي وجهه كما كان يعمل سابقًا.

ففكرة هذا العام تقوم بإيهام الضيف الذي غالبًا ما يكون ممثلًا أو مغنيًا أو رياضيًا مشهورًا بأنه سيصور برنامج كرسي الحقيقة مع إحدى الإعلاميات وفعلًا يتم جلوس الضيف على الكرسي الذي ما أن يجلس عليه الضيف حتى يصير مقيدًا وتبدأ المذيعة بطرح عدة أسئلة على الضيف، وبعدها في الفقرة الموالية تعرض عليه صور، منها صورة رامز يظهر بشكل مرعب، صورة مستلهمة من سلسلة أفلام saw الشهيرة والمعروفة بممارسة التعذيب الوحشي الذي يصل لحد القتل على ضحاياه، ما أن يحملق الضيف في صورة رامز حتى يقفز الأخير أمام الضيف بطريقة مرعبة، وهنا يدرك الضيف أنه أمام مصير من العذاب أمام رامز، وفعلًا تحصل صنوف من العذاب وإهانة للضيف.

إن الأكثر إساءة من العذاب هو الرسائل التي يمررها رامز خلال كلامه، ففي الحلقة الأولى تحدث بعدة عبارات تهين المرأة وبالخصوص المرأة المطلقة، كون ضحيته كانت فنانة مطلقة، فهذا يعد صراحة ترسيخ لأفكار الانحطاط التي تقلل من شأن المرأة المطلقة في وطننا العربي، وخصوصًا على قنوات تابعة للمملكة السعودية التي بدأت تسير في طريق التنوير والرقي بمكانة المرأة على حد قول حكامها، والبرنامج يصور من الإمارات، تلك الدولة المعروفة بعدوانيتها للإسلام السياسي الذي يقلل من شأن المرأة، الدولة المعروفة بخطابها العلماني والتنويري ودعمها للإسلام السمح المعتدل.

صحيح هناك الكثير مما يقال حول برنامج رامز من أنه يدفع لضيوفه الكثير من الأموال، وأنهم يكونون على علم بالمقلب، وإن كثيرًا منهم خرج بتصريحات مصورة يعلن فيها أنه رفض المشاركة في برنامج رامز بما فيهم إخوه الممثل ياسر.

بعد عرض الحلقة الأولى من البرنامج تهاطلت العديد من الردود المنددة محذرة من مشاهدته ومدى خطورة محتواه على الأطفال، خصوصًا وأنه يشجعهم على العنف والتلذذ بتعذيب الآخرين والممارسات السادية شاع هاشتاغ #رامز_خطر_رسمي على «تويتر» للتنديد بكل محتوى البرنامج.

أما مستشفى الصحة النفسية بمصر فطالب بإيقاف البرنامج بعدما وصفه بالعنيف، السادي، المثير للسخرية، التنمر، والاستهانة بالضيف، الطلب ذاته تقدم به عدد من المحامين للنائب العام حماية للأطفال الذين يقلدون سلوك المشاهير.

في وقت عصيب كهذا والذي يمر به العالم جراء أزمة كورونا فنحن بحاجة إلى برامج تريح النفس وتزيل الغمة وليس برامج تثير الرعب وتحرض على العنف وتزيد الطين بلة.

أما في الشقيقة الجزائر فالكاميرا الخفية هي من نوع آخر، حيث يتم فيها السخرية من الإنسان ومن وضعه المادي والاجتماعي.

تقوم الفكرة على جلب المذيع لرجل أعزب ضعيف الحال اجتماعيًا ويسأله عن صفات المرأة التي يود الزواج منها، ليكافئه بعد لحظات بامرأة تلعب هذا الدور وتقول إنها معجبة بالضيف فعلًا.

لكن في النهاية يتم إخبار الضيف أن كل هذا مجرد كاميرا خفية، وأنه مقلب كله!

لا أدري أي ضمير يمتلمه هؤلاء أولًا يقومون بتسليع المرأة واعتبارها هدية (كادوو على لسان المذيع)، هذا البرنامج هو إهانة في حق الجزائريين والمرأة الجزائرية الحرة، هل المرأة سلعة نقوم بإهدائها؟

وأيضا هذا البرنامج هو إهانة في حق الفقراء، فالله وحده أعلم بنفسية الرجل المسكين ضحية المقلب الذي سيغادر وهو خالي الوفاض، سيزيد من تأزيمه بعدما منى نفسه بزوجة لم يستطع أن يكون معها لعوزه المادي والاجتماعي.

لا أدري كيف فكر مقدمو هذا البرنامج بإضحاك الجزائريين بهمومهم، ولا أدري كيف سيضحك الفرد بهمومه، ذاك الفرد المسكين الذي يعاني الآن من تبعات الحجر الصحي، تبعات دخله المحدود.

الجميل في الأمر أن السلطات المسؤولة عن الإعلام في الجزائر تدخلت لتوقف البرنامج بعد غضب كثير من الناس على مضمونه.

إننا فعلًا ونحن في زمن الرقمنة نجد أنفسنا أمام إعلام بدون ضمير، إعلام يريد أن يضحكنا ويدخل البهجة على قلوبنا بماذا؟ بتعذبينا والسخرية منا، التلذذ بآلامنا وقلة يدنا، إننا أمام إعلام استهلاكي همه الربح المادي ولو على حساب إنسانيتنا.

إننا نحتاج إلى تكاثف الضمائر الحية للحد من هذه التجاوزات التي تسيء إلى إنساننا، وفردنا، ونسائنا، نحتاج إلى نشر الوعي ونشر كل ما يعلي من قيمة الإنسان لا من يحط منها، ونحتاج إلى رقابة من السلطات تضرب بيد من حديد كل من شأنه يسخر أو يحط من قيمة المواطن.

فالإعلام هو واجهة كل مجتمع ومرآته التي تعبر عنه، فالإعلام ذو الضمير الحي هو صوت الإنسان وبوقه الذي يوصل به معاناته إلى الآخرين، الإعلام من المفروض أن يكون هو ضمير المجتمع الحي، الذي من المفروض أن يسعى إلى نشر كل قيم التسامح والتنوير، نشر الوعي بكل أطيافه، من الوعي السياسي إلى الوعي الثقافي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد