كان جمهور علماء المسلمين، وعندما نقول جمهورهم فإننا نعني الأغلبية منهم، أو ثلاثة من أئمة المذاهب الفقهية الأربعة مقابل واحد، قد اتفقوا على القول بحرمة الموسيقى. علمًا بأنهم فيما يتعلق بالموسيقى تحديدًا قد اتفقوا جميعهم، بما في ذلك الفقهاء الذين تلوهم من أتباع مذاهبهم، على تحريمها، أي أننا بصدد الحديث عما يشبه الإجماع. وبكل تأكيد، لم يخلصوا إلى تلك النتيجة بشكل عشوائي اعتباطي، وإنما وصلوا إليها في نهاية المطاف بعد دراسة متأنية متعمقة لكل النصوص والشواهد والأدلة الشرعية، من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وأقوال كبار الصحابة، التي قد تتعلق بالموسيقى من قريب أو بعيد. ما يعني أنهم توقفوا حتمًا عند بعض الأدلة التي قد توحي بتحليلها، إلا أنهم قرروا عدم الأخذ بها، لأنها فهمت من جانب البعض على نحو خاطئ، ولأنها لم تستطع الصمود أمام بقية الأدلة التي تغلّب القول بتحريمها.

لذلك، لا يستطيع أحدهم أن ينبري ويشهر مثل تلك الأدلة التي تفيد معنى التحليل، في معرض دفاعه عن إشاعة الموسيقى، لأن العلماء الثقات قد دحضوها ولم يأخذوا بها. يترتب عن ذلك القول إن هناك موقفًا رسميًا معتمدًا واحدًا بخصوص الموسيقى في الإسلام، وهو موقف جمهور العلماء الذي يقول بتحريمها. أما الزعم بأن هناك موقفًا آخر يمكن تبنيه يذهب إلى القول بتحليلها، فهو من باب المغالطة والتضليل واتباع الهوى. فهذا الموقف الآخر هو موقف منحرف ومعزول وشاذ عن موقف جمهور العلماء، وقد ظهر متأخرًا زمنيًا، وفي بيئة منحرفة، هي البيئة الأندلسية التي كانت تعج بمجالس الأنس والطرب. ومن شذ عن الجماعة الأقرب إلى الحق والتي يَحسُن الظن بها في الإسلام، فإنه على الأرجح يشذ في النار. لأن شذوذه، الذي يُحل الحرام، يشق كلمة المسلمين ويفسد عليهم دينهم ويفتح أبواب الفرقة والفتنة والشيطان.

الآن وقبل أن نتابع، عليك إذا كنت ممن يدعمون ذلك الموقف الشاذ من الموسيقى أن تقف مع نفسك وتتساءل بصدق وجرأة: لماذا قررت أن تضرب بعرض الحائط قول جمهور علماء المسلمين، واخترت أن تنحاز إلى رأي شاذ ليس فوق مستوى الشبهات! وما الذي يعنيه ذلك الانحياز الذي يصعب تبريره أو الدفاع عنه فيما يتصل بسلامة دينك وحرصك على اتباع صحيحه؟!

لقد جاء الإسلام ليصنع مجتمعًا نظيفًا فاضلًا متطهرًا من كل ما من شأنه أن يقود الناس إلى الزلل والانحراف. ولذلك فقد حرصت تشريعاته على سد الذرائع وإيصاد الأبواب التي قد ينفذ منها الشيطان، فعمد إلى تحريم الصغائر، لأنها ستفضي غالبًا إلى الانزلاق إلى الكبائر. ولذلك فإن من غير المتصور أن يكون الإسلام قد قال بتحليل الموسيقى، بالنظر إلى ما ارتبط ويرتبط بها تقريبًا في كل الأزمنة والأمكنة، ارتباطًا عضويًا حتميًا لا يمكن فك عُراه، بصور التهتك والفسق والفجور. ومن يلقي نظرة عاجلة على الأجواء التي تدور الموسيقى في فلكها في أيامنا، يدرك مدى سقوط تلك الأجواء واقترانها الصارخ بكثير من المحرمات والموبقات، من الميوعة والسفه والعري والاختلاط المنفلت والجنس والدعارة والشذوذ الجنسي وتعاطي الخمور والمخدرات والبلطجة والقمار… إلخ.

وفي حالتنا نحن المسلمين المعاصرين تحديدًا، يكتسب القول بتحريم الموسيقى مشروعية خاصة وقوية وضرورية. فنحن نغرق في حالة مزمنة من التخلف العميق، على سائر الأصعدة والمستويات، ونقف في ذيل أمم الأرض من ناحية كل ما هو إيجابي ومفيد، بينما نتقدمها في المقابل من ناحية كل ما هو متأخر وهدام. إضافة إلى أن أكثر بلداننا تخضع عمليًا للاستعمار والتبعية المهينة للقوى الأجنبية، ويتعرض الملايين منا في مشارق الأرض ومغاربها إلى القتل والحرق والأسر والاغتصاب والتعذيب والتشريد. لذلك فإننا نحتاج، بحكم الأخوّة الإسلامية باعتبارنا أبناء أمة واحدة، أن نسابق الزمن وأن نواصل الليل بالنهار وأن نستغل كل دقيقة من الوقت في العمل الجاد الدؤوب من أجل الخروج من الكابوس الذي نعيش فيه. فحتى وإن استبعدنا قضية الحلال والحرام، فإن الأمة المهزومة التي تعاني من بعض ما تعانيه أمتنا من انحطاط وذل وهوان وقهر، لا يحق لها من حيث المبدأ، إذا كانت لا تزال تتمتع ببقية من حس أو حياء، أن تفكر بالترفيه أو أن تلهي نفسها بشؤونه وأسبابه. وتستطيعون حتمًا أن تقدروا خطورة الدور الذي تلعبه الموسيقى اليوم في إلهاء شبابنا وإشغالهم في التفاهات، ناهيك عن إفساد أخلاقهم وترغيبهم بالمعاصي والرذائل، وإهدار وقتهم ومالهم، وإغراقهم في المزيد من صور الميوعة والعبثية والهوس بمتابعة صيحات الموسيقى وأخبار نجومها!

وقد يزعم زاعم أن من شأن الموسيقى العمل على الارتقاء بالروح والسمو بالنفس وتهذيبها! وهذا زعم ساذج لا علاقة له بالواقع وما يحدث فيه. وحتى وإن صح نظريًا إلى درجة ما، وهو غير صحيح على الأغلب، فإنه قد يتعلق بأنواع محددة وليست شعبية من الموسيقى، مثل الموسيقى الأوبرالية أو الكلاسيكية. إلا أن وحش الفساد قد طال أيضًا هذه الأنواع، فانظروا إلى حفلات الأوبرا مثلًا، وستجدون أنها لا تخلو من كثير من صور الانحراف عما يقره الدين!

والأهم من ذلك، أن تلك الأنواع من الموسيقى لا تحظى بشعبية تذكر في العالم الإسلامي، لتبقى محصورة في أوساط نخبوية ضيقة. وفي المقابل، نجد أن الأغلبية الساحقة من الناس تنهمك في متابعة أنواع مبتذلة من الموسيقى، تكتظ بما لا حصر له من أشكال الرخص والإغراء والتخنث وإثارة الغرائز، التي لا بد وأن تترك بصماتها السلبية في عقول المسلمين وقلوبهم!

ما تقدم من سطور، كان يناقش جملة من أهم الاعتبارات الشرعية والعقلية التي ينبغي أن توصل الإنسان الرشيد الذي يبحث حقًا عن الحق إلى القول بحرمة الموسيقى. أما الآن، فسنتوقف عند العلم، وسنرى كيف انضم بقوة ووجاهة إلى تلك الاعتبارات، مقدمًا مبررًا لا يمكن الطعن فيه لوجوب الجزم بتحريمها.

ففي دراسة أجريت في جامعة ماكجيل الكندية، وهي واحدة من أهم جامعات العالم، خلص فريق البحث كما يفيد الخبر الذي تناول الدراسة إلى القول إن التأثيرات التي تحدثها الموسيقى على كيمياء الدماغ تماثل التأثيرات الناجمة عن تعاطي الهيروين أو ممارسة الجنس!

وهذا رابط الخبر

من العسير جدًا الطعن في مثل تلك الدراسة ونتائجها، ليس فقط لأنها أجريت في جامعة غربية من أهم جامعات العالم، ولأنها نشرت في واحدة من أرقى الدوريات العلمية العالمية، بل لأن من الحمق أيضًا التشكيك في نتائجها والمجادلة بشأنها. لأن العلم بات اليوم يستطيع قياس التأثيرات الكيميائية التي تطول الدماغ عند تعرض الإنسان إلى المواقف والخبرات المختلفة، بدرجة عالية من الدقة، وليس هناك من مجال للعبث في تلك القياسات المحددة. وقد انتهى العلم، كما سلفت الإشارة، إلى القول إن الدماغ يتأثر عند سماع الموسيقى بالطريقة ذاتها التي يتأثر بها عند تناول المخدرات وممارسة الجنس.

وهذا قد يفسر النزعة الإدمانية في الإقبال على سماع الموسيقى، إذ غدت في حياتنا شيئًا طاغيًا لا يمكن للكثيرين منا التخلي عنه أو تصور الحياة واحتمالها بدونه، تمامًا كما يحدث للمدمنين على العقاقير المخدرة!

وإذا كان الإسلام، وهو دين الله الخالق الأعلم بعباده، قد قام بتحريم المسكرات والمخدرات وفق القاعدة التي وردت في الحديث النبوي الصحيح: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، فإنه قد قام بتحريم الموسيقى أيضًا دون شك، ما دام الاستماع إليها قد يفضي إلى عواقب شبيهة بعواقب اللجوء إلى المواد المغيبة للعقل. والواقع إنه من غير الصعب القطع بصحة هذه النتيجة، فمن يتأمل في وجوه من يحضرون الحفلات الموسيقية ويدقق في استجابتهم وردود أفعالهم، يدرك بسهولة أن الكثيرين منهم يدخلون في حالات من النشوة المفرطة المؤثرة سلبًا على الوعي، فنجد البعض يخرجون عن اتزانهم ويتصرفون بطريقة هستيرية، فيصرخون أو يبكون أو يصابون بالإغماء، كما نجد البعض يحلقون في حالة من الخدر والثقل والهذيان والابتعاد عن الواقع! ولذلك قيل إن أغنيات أم كلثوم كانت كالمخدر الذي كان من بين الأسباب التي قادت إلى هزيمة 67 المنكرة، وقد جاء العلم اليوم ليؤكد رسميًا صواب هذا القول!

وأخيرًا، تأسيسًا على ما تقدم، من الواضح أن الأسباب التي ترجح القول بحرمة الموسيقى هي أكثر وأقوى بكثير وبما لا يقاس من تلك التي تحاول الادعاء بأنها حلال. فإذا كنت ممن ابتلاهم الله بإدمان الموسيقى، فحاول أن تشفى وتتحرر من ذلك قدر المستطاع، واطلب من الله العون والثبات. وإذا لم تستطع، فأبقها على الأقل ضمن أضيق نطاق شخصي ممكن وبعيدًا عن التأثير في الآخرين، واطلب من الله المغفرة والبرء مما أنت فيه. وإياك أن تورط نفسك بالترويج لها والادعاء أنها حلال، فتكون قد فاقمت من خطاياك، فجاهرت بالمعصية من جهة، وحاولت من جهة أخرى أن تتلاعب بدينك وتضل الناس باسمه للدفاع عن صفقة مشبوهة، وصف سلفنا الصالح منتجاتها بأنها معازف الشيطان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الموسيقى
عرض التعليقات
تحميل المزيد