سنوات ونحن نبحث عن القيادة أو القائد الذي يستطيع أن ينتشلنا من براثن اليأس و يضع لنا موطنًا بين الأمم أو يمهد لنا طريقًا نحو صناعة مجدٍ جديد. لكن ما إن نبدأ بالاستبشار بشخصية قيادية أو رئيس دولة حتى يفاجئنا بقرارات تثبت لنا أنه غير ما توقعنا وأن توجهاته لا تختلف عن سابقيه ممن خيبوا آمالنا ووقفوا بوجه أحلامنا.

حتى بعد أحداث 2011 التي أظهرت وعيًا من قبل الشعوب بحقهم في العيش والحرية والكرامة، ومع ذلك ظهرت شخصيات نصبت نفسها متحدثًا رسميًا باسم الثورة والشعب قمنا نحن بصناعتها وتلميعها وكان الأثر الأسوأ حين جاءت الثورات المضادة استغل نفوذ بعض الشخصيات التي تحولت عن مسار الثورة أدوات الطغاة في الثورات المضادة وهكذا شاركنا في تقويض مسار ثوراتنا.

ولا يقتصر الأمر على الأشخاص بل كذلك سياسة بعض الدول الكبرى التي نصفق لما تقوله على لسان خارجيتها أو في موقفها من قضية تتعلق بنا، لكنها تتغير وفق ما تراه مناسبًا لمصالحها فيتناقض ذلك غالبًا مع ما نريد منها.               وبرغم كل ما سبق من النتائج فإننا كثيرًا ما نُخدع ونعيد صناعة صنم جديد أو شخصية جديدة لا تتجاوز إنجازاتها نطاق طموحاتها الخاصة وضيقة تمامًا عن استيعابنا. لماذا لا نتعلم؟ لماذا نخدع في كل مرة؟

ربما لأننا لا نملك إجابة حقيقية للسؤال أو أننا مع التحطيم المستمر وتتابع الصدمات التي نتعرض لها نبحث عن أية أمل حتى لو كان تصريحًا فارغًا لوسائل الإعلام لا يغير من الواقع ولا يرفع عنا معاناة.                                                                 في أوروبا أو أمريكا أنجز وينجز الرؤساء الكثير من المهام ويطبقون ما جاء في برامجهم الانتخابية، أما في بلادنا العربية لا نقف عند التزوير أو شراء الأصوات بل يكون تأريخ انتهاء صلاحية الوعود والبرامج الانتخابية عند أول يوم في قصر الحكم. وهنا الفرق بين وضعنا البائس وأوضاعهم التي تشهد نموًا في شتى المجالات كل يوم.

إن ما يحدث لنا في حاضرنا وما حدث لنا في ماضينا من الثقة بالأشخاص ثم رؤية نتيجة مغايرة لما نطمح أو لم تفِ حتى ببعض تطلعاتنا يعطينا درسًا في عدم التسرع وتلميع الأشخاص ثم الإصابة بخيبة الأمل ويدفعنا إلى خدمة المشروع الذي يستوعب تطلعاتنا في البناء والنهضة وبث روح العمل وأننا جميعًا مطالبون بتقديم أو فعل شيء ما لأجلنا جميعًا أو لأجل أوطاننا وأمتنا أما أن نؤمل في الأشخاص ثم نصاب بالصدمة فذلك لم يعد مجديًا ولن يقدمنا خطوة إلى الأمام وسنظل نندب حظنا العاثر في القادة ونتجاهل قدرتنا على العمل وطاقاتنا المعطلة بسبب تفكيرنا على هذا النحو وتعليق مستقبلنا بأفراد.

لتكن السلطات تحت رقابتنا والحكومات تحظى بنقد دائم يجعلها تلتفت لمطالبنا، ولا تثنينا الأحداث المضطربة في المنطقة عن المراجعة والتصحيح المستمر فهما سر البقاء وطريق النهوض. حتى في حالة الحرب من أخذوا على عاتقهم إكمال مسيرات الثورات من هذا الباب لا يُعني إعفاءهم من النقد وتصحيح المسار. سنرى المستقبل مثلما صنعناه في الحاضر وبنينا أسسه إن كنا نسمح للفاسدين أن يستمروا فمستقلبنا سيكون مليء بالفساد وإن كنا نصحح المسار وننتقد الفساد في زمانه ومكانه فمستقبلنا سيكون مختلفًا.

لا ننتظر.. يمكننا أن نقوم بالكثير من الأشياء، حتى ولو كان احتجاجًا يُشعر الحاكم بوجودنا وبالخطرِ على بقائه حاكمًا علينا. يمكننا أن نساهم في وضع الرجل المناسب بالمكان المناسب. الرهان على الأفكار الحية والمشروعات الحقيقية التي تلبي طموحات الناس ويشعرون أنهم جزءًا منها ويشاركون فيها هي سبيل المضي نحو التقدم وتجديد أمل النهوض.

ما ذكرته لا يعني إلغاء دور الأشخاص باعتبارهم حملة للفكرة والمشروع وكما يقول د. جاسم سلطان في كتابه قوانين النهضة «الجمهور بحاجة إلى قائد يجسد الفكرة ويرى فيه الأمل». ونحن بحاجة إلى قادة يؤمنون بالمشروع والمصلحة العامة ولشعوب تؤمن بحقها في العيش بكرامة وتجعل حكامها وقياداتها تحت طائلة المساءلة ومجهر النقد.

وأيما قائد عمل بإخلاص وتجرد من مصلحته الخاصة لأجل العامة فالناس سيدعمونه بلا تردد فالحروب والأحداث المؤلمة التي نمر بها قد أفقدت الكثيرين الأمل بوجود قادة يمكن الوثوق بهم في إعادة الأمل وبناء الأوطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد