تحيا أمتنا في تلك الآونة حالة من التيه والتخبط كالغريق تتخبطه أمواج البحر المتلاطمة وتلفحه أشعة الشمس بوهجها وذلك بفعل غياب المشروع الإسلامي الجامع والذي يشكل بدوره المظلة التي تنضوي تحتها الأمة بمختلف مكوناتها الفكرية وفصائلها التنظيمية، فغيابه شكل فراغًا ضخمًا استحوذت عليه مشاريع أخرى فاسدة وأصبحت هي المحرك والمسيطر على المشهد برمته الآن، أصبحنا محاطين بمشاريع تعمل بشكل دؤوب على حظر الدين ومنعه من الإطلال برأسه في أي مشهد حياتي وفرضت عليه الإقامة الجبرية فقد جعتله محصورًا ما بين عتبات المساجد وبعض الطقوس الشكلية عديمة التأثير، وجعلت من الدين متهمًا تلفق له كل الجرائم التي حدثت وتحدث وستحدث، فما يقومون به هو عملية تصفية للدين وتفريغه من محتواه وجعلوا من وجوده وجودًا شكليًا خاويًا من أي جوهر.

في بعض الأحيان قد تسمح تلك المشاريع الفاسدة المهيمنة بوجود بعض التنظيمات التي تصنف على أنها إسلامية وهذا من حيث الشكل فقط، يكون دور هذه التنظيمات محصورًا في إنتاج حالة من الجمود الفكري والحركي تحيط الجموع المنتمية إليها، كما يوضع على كاهلها أيضًا إخماد أي صحوة جديدة تنبئ بظهور مشروع جديد يعيد للفكرة الإسلامية تأثيرها ومكانتها، وفي أحيان أخرى يكون دور هذه التنظيمات تصدير صورة مغالطة للفكرة الإسلامية من خلال صور تطبيق تصنّف أحيانًا بالمغالاة والإفراط وأحيانًا أخرى بالتهاون والتفريط مما ينتج حالة من النفور من الفكرة الإسلامية داخل المجتمع المسلم ومما يضطره إلى اللجوء إلى مشاريع أخرى تطل عليه في ثوب المنقذ وما هي إلا الوهم بعينه.

في الحقيقة إن ما نحتاج إليه الآن هو مشروع جامع تتبناه الأمة بكل مكوناتها، مشروع لا يقيده تنظيم، أو دعنا نقل إننا بحاجة إلى مشروع تدعمه تنظيمات ومؤسسات وتجمعات لا العكس، مشروع لا يحكمه إطار تنظيمي أو جغرافي ولا تحبسه رؤية قاصرة لفئة مستقلة، مشروع قادر على إحداث حالة من التناغم بين المنتمين إليه على اختلاف مشاربهم ومناهلهم، مشروع يستوعب تحت مظلته العربي والفارسي والحبشي والغربي، هكذا يكون مشروع الإسلام الجامع.

والبداية دائمًا تكون برواد يمتلكون عقولًا ناضجة ومدارك واسعة ونفوسًا مطمئنة كما يمتلكون القدرة على التدشين والانطلاق وإنتاج وحدة فكرية فيما بينهم، ومن ثم ينطلق كل منهم في صعيده يوقظ من غلبه النوم أو استهوته أفكار شارة أو استقطبه تيار منحرف أو أغرقته الدنيا في تفاصيلها، ومن ثم يهرع الجميع إلى الانتساب لهذا المشروع والعمل على تمكينه ومن ثم يعاد الأمر إلى سيرته الأولى.

أتانا من الله شرع مبين ***وهَدْيٌ أضاء الليالي شهابا

وها اليوم يأتيكُمُ الحقُّ فتحًا *** كما البدر نورًا يحثُّ الرّكابا

أخيرًا نود أن نشير إلى أن هذا المشروع لا يقوم على فضل الأوقات ولا فتات المجهود ولا صدقات الأموال بل يقوم على البذل المطلق غير المحدود، فلا جهد يدخر ولا دعم شحيح، وأصبح من الواجب الآن الإسراع في الانطلاق بهذا المشروع لأن المشهد متجدد ومنعدم الديمومة والاحتياج كبير والطريق طويل والوقت لا يعرف الانتظار وأعمارنا تتلاشى وفي النهاية كل منا سيقف أمام الله ويسأل ووقتها لن نجد بابًا مفتوحًا للعودة؛ رفعت الأقلام وجفت الصحف.

يقول الشاعر محمد إقبال:

أرى التفكيرَ أدركَهُ خمولِي *** ولَمْ تَبْقَ العزائم في اشتعالِ
وأصبح وعظكمْ من غير نورٍ *** ولا سحرٍ يطلُّ من المقالِ
وعند الناس فلسفةٌ وفكرٌ *** ولكن أين تَلْقِينُ الغزالِي
وجلجلة الأذان بكلِّ حيٍّ *** ولكنْ أين صَوْتٌ مِنْ بلالِ
منائركمْ عَلَتْ في كلِّ ساحٍ *** ومسجدكمْ مِنَ العُبَّادِ خالِي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد