بعد قراءة هذا التقرير ستتعرف على القضايا التالية:

1.مشروع الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني.

2. البعد الإستراتيجي لمشروع الممر.

3. نكسة النفوذ الأمريكي في المنطقة بدخول الصين وبقوة إليها.

أنهت القيادات السياسية الباكستانية مشكلة تجاذباتها التي استمرت لشهر كامل منذ توقيع اتفاقية مشروع الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني يوم 20 أبريل، حصة كل ولاية من ولايات باكستان الخمسة من المشروع، فقد ترأس السيد نواز شريف رئيس الوزراء مؤتمرا عاما لكل الأحزاب الباكستانية، رافقه شرح مفصل لكل تفاصيل المشروع من قبل وزير التخطيط والتنمية السيد أحسن إقبال لكل زعماء الأحزاب.

انتهى المؤتمر بإجماع باكستاني على خطة مشروع الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني، وأزيل كل سوء الفهم الذي أحاط به حول إمكانية تغيير خارطة طرق المشاريع والخدمات التي تبدأ من الحدود الباكستانية الشمالية الشرقية من جهة الصين وتنتهي بمنياء جوادر في إقليم بلوجستان الواقعة على بحر العرب.

وبذلك أصبح القرار الباكستاني قرارا قوميا، ولا يوجد ما يعيق البدء بنفيذ المشروع الذي ينتظر أن يجعل من باكستان نمرا آسيويا جديدا. جاء هذا الحدث العظيم بمناسبة احتفال القيادة السياسية والشعب بيوم التفجير النووي الباكستاني الذي أطلقوا عليه “يوم التكبير”، حيث فجر باكستان أول تفجير نووي له يوم 28 مايو 1998، وامتلك بذلك ناصية العلوم والقنبلة الذرية،وصحح بذلك ميزان القوى في شبه القارة الهندية الذي مال لصالح الهند قبل التفجير.وقبل الخوض في تفاصيل المشروع أرى من المهم العودة إلى التاريخ والحديث عن ميناء جوادر نفسها التي ربما تصبح المنافس القوي لدبي وسنغافورة.

إذا أحسنت الباكستان لعب ورقتها الإستراتيجية. يذكر المؤرخون أن سلطان عمان(سلطان بن أحمد) التقى في عام 1783 بحاكم بلوجستان آنذاك (مير نصير خان) الذي أصبح صديقًا للسلطان، ومنحه بعد ذلك منطقة (جوادر) على ساحل مكران – الاسم القديم لبلوجستان – عام 1792م، لتصبح جوادر جزءًا من سلطنة عمان منذ ذلك العام وهو نفس العام الذي تم فيه تعين (سيف بن علي) من قبل السيد سلطان ليحكم جوادر وتشاهبار، ويبني قلعة فيها ويوسع النفوذ العماني في بلوشستان، لتصبح جوادر في ظل الحكم العماني قوة تنافس موانئ مكران الأخرى مثل بسني وجيوني.ثم حينما تولى السلطان سعيد بن تيمور حكم عمان (1932 – 1970 م ) – أبو السلطان قابوس- استمرت مكران تزود الجيش العماني بالجنود المخلصين للسلطان، إذ كان الكثير منهم حرسه الخاص.

وكانت جوادر تتبع مباشرة عمان، غير أن رئيس وزراء باكستان (لياقت علي خان) احتج على ذلك باعتبار أن جوادر جزء من باكستان ويجب استرجاعها عقب قيام دولة باكستان عام 1947م، فاقترحت بريطانيا أن تدفع الحكومة الباكستانية لعمان مبلغًا مقداره 4 ملايين جنيه إسترليني تعويضا لها على ممتلكاتها في جوادر، فتم ذلك بموجب اتفاقية بين البلدين لتنفصل جوادر عن عمان وتصبح جزءا من باكستان عام 1958؛ لتفقد عمان بهذا جزءا من ممتلكاتها في القارة الآسيوية والتي كانت تحت الحكم العماني منذ القرن الثامن عشر الميلادي.

حزمة مشاريع الممر الاقتصادي؛ أطلقت باكستان والصين، بتاريخ 23 أبريل، مشروعا للتنمية في باكستان بتكلفة تصل إلى 46 مليار دولار كجزء من مجموعة مشاريع لتعميق العلاقات الإستراتيجية بين البلدين. ويربط “الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني” بين غرب الصين وميناء جوادر الباكستاني العميق بطرق جديدة سريعة وخطوط سكك حديدية وأنابيب لنقل الغاز ومناطق تنمية اقتصادية.

كان الجانبان قد وقعا حزمة من الاتفاقيات بلغ عددها 50 اتفاقية أثناء زيارة الرئيس الصيني شي للبلاد، لتطوير ممر اقتصادي صيني باكستاني بتكلفة تصل إلى 46 مليار دولار. ففي تصريح لوزير التخطيط والتنمية الباكتساني أحسن إقبال قال: “سيتم تنفيذ المشروع على عدة مراحل حيث تصل تكلفة المرحلة الأولى إلى حوالي 28 مليار دولار”. وقد تم إطلاق المشروع، في أول أيام زيارة الرئيس الصيني شي جينبينج لباكستان20 أبريل في أول زيارة رسمية له إلى الجارة الإستراتيجية للصين، وعقد شي جلسة محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف كما شهد احتفالا بتوقيع 50 اتفاقية بشأن الاستثمارات الصينية في باكستان.

وقال شريف أن هذه الاتفاقيات تشمل 30 اتفاقية تتعلق بالممر الاقتصادي الذي سيفيد كل الأقاليم والمناطق الباكستانية، كما سيتيح للصين إقامة طريق أقصر وأرخص لتجارتها مع الدول الأخرى. وأضاف “اتخذنا قرارا ضخما سينقل العلاقات الباكستانية الصينية إلى مستويات جديدة”. وقال شريف: “إن زيارة شي لباكستان تمثل نقطة تحول في تاريخ العلاقة بين البلدين والصداقة مع الصين هي حجر الزاوية في السياسة الخارجية لباكستان”.

وقال شي أن الممر الاقتصادي سيوفر فرصا جديدة للتنمية في باكستان وتعهد بمواصلة دعم التنوع الاقتصادي في باكستان. من ناحية أخرى تعهد الجنرال راحيل رئيس أركان الجيش بالقضاء على التطرف الذي يمثل هاجسا رئيسيا لدى الصين، وأشاد شي بجهود الجيش الباكستاني لهزيمة الإرهاب. وكان الرئيس الباكستاني ممنون حسين ورئيس الوزراء نواز شريف وقادة القوات المسلحة الباكستانية في استقبال شي في القاعدة الجوية في مدينة روالبندي بالقرب من العاصمة إسلام آباد.

وقد رافقت طائرات باكستانية مقاتلة من طراز جيه.إف-17، طائرة الرئيس الصيني بعد دخولها الأجواء الباكستانية. كانت باكستان قد طورت هذه الطائرات المقاتلة بمشاركة مالية وفنية صينية. يذكر أن الصين وباكستان ترتبطان بعلاقات تعاون عسكري وثيقة وتطوران حاليا علاقاتهما الاقتصادية، وبحسب المسؤولين فإن حجم التبادل التجاري بين باكستان والصين يبلغ حاليا حوالي 12 مليار دولار سنويا مقابل 2 مليار دولار سنويا منذ 10 سنوات.

ويُنتظر أن يبدأ العمل بنفيذ المشروع من شهر جولاي / يوليو القادم ولمدة ثلاثة أعوام، وأغلب مشاريع الاستثمار الصيني في باكستان هي في مجال الطاقة؛ فقد خصصت الصين 36 مليار دولار من هذا الاستثمار للطاقة، كما أن هذا الاستثمار هو أكبر استثمار تخصصه بكين خارج الصين، وفي بلد باكستان البلد المسلم الكبير الذي يبلغ عدد سكانه نحو 200 مليون نسمة، ويعاني من نقص في الطاقة يعرقل نموه الاقتصادي الذي يتوقع أن يبلغ 4.3 بالمائة في 2015 حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.

تنوعت مشاريع الممر الاقتصادي ما بين مناجم المعادن مثل؛ الذهب والنحاس والمنغنيس والرصاص والفحم الحجري والحديد والكرومات، وبين مشاريع الطاقة التي تتراوح بين الطاقة الشمسية وطاقة الفحم والطاقة المائية التي تصل مجموع قدرتها إلى 3000 ميغا واط. وأما مشاريع الطرق فهي تطوير الشبكة الحالية من الطرق وإنشاء طريق (موتوروي) بشاور- كراجي، وتتنوع شبكة الطرق بعد تطويرها وربطها؛ ليتمكن من يريد السفر إلى كاشغر في الصين من لاهور يستطيع يسلك طريقا مختصرا غير الطريق الذي يسلكه من يريد الذهاب إلى نفس المدينة من كراجي، وغير طريق الذي يريد السفر إلى كاشغر من كويته وبشاور. وضمن مشاريع الطرق استكمال ربط ميناء جوادر بشبكة طريق أندس التي تسير بمحاذاة نهر أندس الذي يصب في خليج كراجي في بحر العرب.

أما سكك الحديد فيبدو أنها ستكون مخصصة لنقل البضائع والحاويات فسيتم تطوير الخط الموجود إلى مدينة حويليان التي تبعد حوالي مائة كيلومتر عن إسلام آباد ليصل إلى مدينة كاشغر الصينية وقد أسندت دراسة الخط إلى شركة السكك الحديدية الصينيةعام 2007، أما بقية أجزاء الخط فهي موجودة وتصل إلى جوادر، وهناك خطة لتطويرها ضمن هذا المشروع. أما المشاريع الصناعية فهي عديدة وتجمعها إقامة شبكة من المناطق الصناعية في كل مناطق باكستان. أما مشاريع صاحبة الشأن عروس بحر العرب “ميناء جوادر” فهي استكمال البنية التحتية لها كميناء عالمي، وإنشاء مطار دولي، وإنشاء مناطق صناعية فيها، وإنشاء مصفاة نفط، ومحطة توليد الطاقة الكهربائية بقدرة 660 ميغا واط.

الأبعاد الإستراتيجية لمشروع الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني إن العدد الهائل من البشر الذين يفيدهم المشروع يظهر وبوضوح أهميته؛ فقد قال رئيس جمهورية باكستان حسين ممنون أن ما يقرب من 3 مليار من البشر سوف يستفيدون من المشروع، أما أهميته الإستراتيجية والجيوسياسية في المنطقة فيمكن بيانها حسب التالي:

1. تطور اقتصادي ونسبة نمو مرتفعة تجعل من باكستان نمرا اقتصاديا آسيويا خلال سنوات.

2. سوف تكون باكستان بؤرة ومركزا اقتصاديا لأنها محاطة بعدة دول لا تملك منافذ بحرية مثل أفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى.

3. منطقة المشروع منطقة صراع قوميات وأديان ومذاهب، لذا فالمشروع يساهم في تخفيف الصراع، ويهيء فرصًا للعيش بسلام واقتسام الفرص.

4. ازدهار اقتصاد باكستان يؤدي بالتالي إلى استقرار سياسي في البلد، كما أن انشغال الشعب الباكستاني في قضايا التنمية والمشاريع يبعد شبح التطرف الذي تعتبر البطالة أحد أسبابه.

5. المشروع ضربة قوية للنفوذ الأمريكي في المنطقة ونقلة قوية للنفوذ الصيني الذي بدأ يملأ الفراغ الأمريكي ولكن ليس على شكل صراع عسكري كما يفعل الكاوبوي الأمريكي، وإنما غزو اقتصادي ناعم.
6. منطقة المشروع منطقة تمرد وقلاقل محلية، وهذا جعل باكستان تخصص قوات خاصة لتأمين هذه المنطقة بدأتها ب 10000 عسكري ورجل أمن ومخابرات.

7. مشروع عملاق واستثمار هائل بهذا الحجم من دولة واحدة عظمى مثل الصين سوف يجعل باكستان في مأمن من الأخطار الدولية والإقليمية؛ لأن الصين وببساطة لن تفرط بأمن استثماراتها في باكستان.

8. العلاقات الصينية الباكستانيةكانت ولازالت علاقات وطيدة وإستراتيجية، عزز هذا المشروع من مركزها وجعلها كما وصفت علاقة الفصول الأربعة، أي لا تؤثر فيها تقلبات السياسة.

9. تعزيز أهمية باكستان الإستراتيجية الإقليمية في شبه القارة الهندية وفي الشرق الأوسط.

10. نقل مركز الخدمات وتجارة إعادة التصدير من دبي وسنغافورة إلى ميناء جوادر لقربها من خطوط استيراد وتصدير البضائع وخطوط السفن، كما يمكن أن يجعل من إنشاء خط غاز باكستاني قطري وربط الصين به في المستقبل حقيقة ممكنة التطبيق.

11. هذا المشروع سوف يعجل من حيازة الصين وتربعها على عرش أكبر قوة اقتصادية عالمية والتي يتوقع أن تبلغه في عام 2017.
نواف العباسي (كاتب وباحث في الشؤون الباكستانية).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد