تذكرة بمشروع الثورة:

مرت الثورة السورية بأيام قاسيةٍ جدًا خلال أربع سنوات من عمرها، ونضالها المستمر، ضد النظام المستبد والظالم أو (السفاح)، ولكنها مع كل يوم تتقدم فيه وتكبر في عمرها، إذ هي تصبح أضعف، ليس من ضعف شبابها الذين حملوا على عاتقهم منذ أول يوم أن تستمر حتى النهاية وتنتصر، ليعود السوريون لديارهم، وشوارعهم، وحقولهم، إلى الماء الذي رواهم، ليعيشوا بأمان وحرية في أبسط حقٍ من حقوقهم البشرية، بل من الكم الهائل من الحصار المفروض عليها، والأخطاء الممارسة ضمنها.

كان مشروع الثورة السورية واضحًا منذ اليوم الأول، من عبارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي صرخها الشباب، لم يكن المشروع إقليميًا أو تمدديًا، ولا أيديولوجيًا، لم تكن حرب العالم فكرة أي ثائر يحب هذه البلد، ولم يكن الإسلام السياسي أو الدعوي مشكلة أو عقبة في طريقها، على العكس، ولا حتى المشاريع والأحزاب الأخرى، ولم يكن هناك أي مشكلة مع أقلية أو قومية، كان الهدف ثورة للجميع، تسترد الحقوق، وترفع المظالم، والهتافات تؤكد.

كان مشروع الثورة إسقاط النظام السوري الذي يقتل شعبه وينكل به بجيشه ذي التركيبة العقائدية والطائفية العجيبة، وتفكيك الأجهزة الأمنية التي تتحكم بأوكسجين السوريين، ونزع فتيل الفساد من جذوره، وبناء قضاء يكون في مؤسساته قضاة لا مرتزقة، بناء دولة العدل والقانون فما يحفظ حقوق الجميع، مع تقديم المجرم أيًا كان إلى قضاء عادل، هذا مشروع الثورة.

مشاريع دخيلة لها أسباب ونتائج:

استطاع نظام بشار الأسد بمساعدة حلفائه وتخطيطهم، مع الهجمة الكبيرة على الربيع العربي في كل بقعه ومحطاته، ومستوى العنف اللامحدود الذي وجهه تجاه الشعب السوري أن يشكل ردة فعل عنيفة عجيبة، لدى شريحة واسعة من السوريين.

إضافة إلى أنّ النظام أخرج من سجونه مئات الجهاديين الذين نالوا منه أشد أنواع العذاب، وامتهان الكرامة الإنسانية، ليخرجوا وفي نفوسهم الثأر منه، وقد خرج مع تلك الفئات، أفراد لها علاقات بجماعات تحمل الفكر الجهادي التكفيري مثل (داعش)، والتي ستؤثر على أي مشروع إسلامي آخر مهما كان شكله وأسلوبه، لأن البقعة السوداء سيراها كل العالم وينسى أي بياض من حولها.

يقول العالم الفيزيائي نيوتن: “لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه”.

ربما كلمات نيوتن دقيقة عن التركيبة الفيزيائية للمادة، ويمكننا إسقاط المقولة على الإنسان العادي، لما يلاقيه من أفعال فيرد بمثلها أو بأقل منها أو بأضعافها، حسب الحاجة النفسية التي تتكون منها – مادته – جسمه، فقد قام النظام السوري بجرائم بشعة للغاية، رآها المجتمع الدولي القائم بدساتيره على حقوق الإنسان، ومشروع الثورة يتوافق مع تلك القوانين، ولكنه شجب النظام القاتل، وواسى الشعب المقتول، فاستمر القاتل بقتله، والشعب بمقتوليه.

كما أنّ ردة الفعل العنيفة التي انطلقت لم تكن بسبب من خرج من السجن فقط! فهم قلة، ولكن من سياسات الأنظمة مع هذه الشعوب، ولا سيما المظلومية السياسية السنية على وجه أخص والفقر والحصار، والأهم هوالقتل والاعتقال والتهجير المستمر.

حيث انحصر التطرف في كل مكان بالإسلام السني، في حين أنّ التطرف السني، لم ينشأ من العدم خصوصًا في الوقت الحالي، ومجريات الثورة السورية، حيث أنّ أول سنة ونصف من الثورة لم يكن هناك مهاجرون في سوريا، ولا تكفيريون، فبدأت المليشيات الشيعية العراقية بالدخول تدريجيًا إلى سوريا بحجة حماية المراقد الشيعية، تلاها حزب الله اللبناني، وأعداد من الحرس الثوري الإيراني لمساندة الجيش السوري المتآكل.

فكان الرد تواجد مهاجرين آخرين من الطرف السني يناصرون المستضعفين السوريين، ويشكلون رد فعل عنيفًا وفكرًا مؤدلجًا، لعبت به الطبيعة الإسلامية المحافظة والتي قد تتحول لمتطرفة نفسيًا وجسديًا على شدة الأهوال التي تراها، من قتل الأطفال والنساء والقصف العشوائي بالبراميل والقتل تحت التعذيب، وهو شيء ليس مبررًا، لكنه ينتهي بحل وحيد هو وأد المسبب (إسقاط النظام، ومحاكمته مع المخالفين من كل الأطراف)، خصوصًا حين ننطلق من دين الإسلام (كمسلمين) والذي شكل رسوله (محمد صلى الله عليه وسلم) في كل حروبه أعلى درجات الرقي والأخلاق في العدل حتى مع أعتى أعدائه.

ظهر مشروع داعش في الربع الأول من سنة 2013، وأعلنت قيام دولتها في العراق والشام فهي لا تعترف بالحدود المصطنعة، ودخلت إلى المناطق المحررة، وبدأت تنفذ سياساتها التوسعية، شيئًا فشيئًا، فاعتقلت ناشطين ثوريين مخالفين لها، وإعلاميين، وأطباء، وقتلت صحفيين وعناصر من الجيش الحر والكتائب الإسلامية التي لها المنهج نفسه،.

ولكنها تختلف بالتعاطي مع الثورة السورية مثل جبهة النصرة، أو الطريقة البنائية والتشاركية للدولة ككل، مثل حركة أحرار الشام الإسلامية التي أجرت مراجعات كثيرة منطلقة من مشروع داعش الفاشل، وفصائل أخرى لها مشاريع لكنها غير مكتملة ترتكز على الإسلام “الشامي المحافظ” مثل الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام.

رغم كل الاختلاف العقدي بين مشروع النظام وحلفائه وتنظيم داعش، لكنهم متفقون تمامًا في إسقاط الثورة وبناء كل منهم لدولته، وهذا ما أثار حفيظة الناشطين في كل محفل دولي أنّ النظام لا يقصف مقرات داعش إلا نادرًا وحدث ذلك مؤخرًا. النظام يسعى جاهدًا لإبادة الثورة بمن فيها، ويظهر ذلك جليًا من تدمير أحياء من حمص، وحلب مع ريفها، والغوطتين ودرعا، ودير الزور، وريف إدلب.

بينما يقوم تنظيم داعش إضافة لحربه على العالم حيث هذا من أدبياته الأساسية، والتي حمّلها للثورة السورية منذ دخل إليها؛ بقتل الثورة عبر الجرائم البشعة التي سلكها في ذبح “المرتدين والكفار” من صحفيين أجانب وسوريين وجيش حر وإسلاميين، والذي نفخها العالم وكبرها بشكل عجيب عبر وسائل الإعلام العربية والعالمية.

رغم إن النظام نفسه استخدم أساليب أكثر بشاعة منها الذبح بالسكاكين عبر مليشياته الطائفية والمرتزقة، فاستخدموا السكاكين في ذبح أطفال تلبيسة والقبير، وكرم الزيتون، واستخدم غاز السارين الكيماوي ضد أطفال الغوطتين بريف دمشق، وعشرات الألوف من المعتقلين تحت التعذيب.

لم تستطع الثورة في العام الأخير المنصرم أن توقف مشروع داعش ولا مشروع “إيران” – مجازًا – أو النظام، فهي لا تمتلك القرار، وذلك مشروع آخر دخيل أصيبت به الثورة السورية منذ تسلحت تقريبًا.

فكل دولة ترسل لك السلاح، عربية أو إسلامية أو أجنبية، إن هي أرسلت، لا ترسل لنا السلاح إلا لمصلحتها أو مشروعها ضمن سوريا، وذلك من المبدأ السياسي العالمي القائم على المصلحة وليس الأخلاق أو القيم.
ما جعل الثورة السورية متفككة، وغير مترابطة، وذات مشاريع متعددة، طبعًا مع غياب الوعي لدى شرائح كبيرة منا نحن السوريين، بأن اتحادنا نحو مشروع واحد قد يوصلنا للمرام وهو إسقاط النظام، ما يعني إيقاف
قتل السوريين، وتهجيرهم، وإذلالهم.

محصلة:

لم يتحرك العالم الدولي بجدية إلا عندما تأثرت المصلحة، فتحرك في الثلث الأخير من العام الفائت تقريبًا للرد على مشروع داعش، فهو لم يدعم مشروع الثورة السورية إلا بالكلام، بل وعثّر من تقدمها، ولم يقف في وجه مشروع نظام الأسد “الفاقد للشرعية” رغم أنّ جرائم الأسد كما أسلفنا تفوق بكثير جرائم داعش.

حتى تحركه ضد التنظيم لم يكن بإستراتيجية تُنهي مشروعه، رغم قيادة أمريكا لتحالف دولي ضده، يستنزف أموالا طائلة جدًا، وسنوات غير معروفة الأجل، وهو ما يجعل النظام أكثر سعادة أنّه المرشح الأول لمحاربة الإرهاب في الشرق الأوسط، وكذلك هي دندنة الثورات المضادة على الربيع العربي كله.

فالمشروع الثوري الذي نادى به الشعب رغم أنه يتوافق مع كل دساتير العالم المتحضر، لكنه يختلف مع مصالحهم ونفوذهم وتوسعهم ولو على دموع الأمهات، فهو غير مهم. فتنظيم داعش رغم أنه عدو لدود للجميع، هو عدو لمشروع ثوري يقف في وجه مصالحنا مع الأسد حليفنا (الخفي)، ولذلك لا حرب على الأسد لا قضاء على داعش، لا حياة للشعب السوري.

إذن فمشروع الثورة ممنوع من الاكتمال، ولكنه سيستمر بدماء الشهداء – من كتب المشروع وسعى لتنفيذه -.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد