ما الذي يجري؟

غني عن القول إن المشروع الإسرائيلي– الأمريكي من جهة، والإيراني من جهة أخرى هما الأكثر حضورًا في ساحة الصراع، قبل التدخل الروسي، وقد أوجد ذلك خلفية انطلق منها كثير من المحللين لقراءة ما يجري هناك. ينطوي التحليل الذي ينطلق من ثنائية الفواعل (النظام وداعميه/ أعداء النظام) على معضلة واضحة لا تساعد على فهم تفاعلات الصراع كما هي. صحيح أن علاقة التناقض القائمة بين المشروعين المشار إليهما هي الأكثر وضوحًا، لكن هناك ثمة فواعل أخرى في المعادلة أبرزها الشعب السوري الذي ثار على الظلم الواقع عليه، وبعض الأطراف التي تدعم حركته لأسباب جوهرية لا عابرة، حتى وإن كان هذا الفاعل الأكثر ضعفًا، أو أن بعض داعميه (تركيا تحديدًا) لم يستطع حتى اللحظة تصدير مواقف تتمايز عن توجهات كثير من أعداء النظام، أو تتناقض مع توجهات داعميه، إلا أنه لا يمكن بحال صياغة عملية تحليلية لما يجري على الأرض السورية بمعزل عن كل من هذا الفاعل وذاك الداعم.

وما يؤكد وجود هذه المعضلة أن وعي الكثيرين منا لا يزال يتردد في استيعاب قدرة الشعوب على التغيير، فيما لا يزال مقتنعًا بقدرة الآخر على التحكم في كل شيء، وقد تجسدت حالة الوعي السلبية هذه من خلال إدانة حركة الشعوب العربية عندما تحركت في مواجهة الظلم الواقع عليها، معتبرين أن هذا الحراك يأتي في سياق الاستجابة لتوجيهات القوى الخارجية لتحقيق مصالحها حصرًا، بيد أنه من المهم التفريق بين سعي هذه القوى للنفاذ إلى حالة الصراع والاستثمار فيها، وهي حقيقة واقعة، وبين ثبوت أصالة توجهات الشعوب وحقها في المطالبة بالحرية وحياة أفضل.

إن ما يساعد على ترسيخ المعضلة مرة أخرى، والقصور عن رؤية دور المشروع الثالث بوصفه مغايرًا للمشروعين الأبرز الإسرائيلي– الإيراني، يتعلق بكون تركيا لا تزال عضوًا في الناتو، وهي تخوض مرحلة انتقالية حساسة تحاول من خلالها إعادة تعريف ذاتها، واكتشاف فرص جديدة للتموضع على الخريطة السياسية الإقليمية، وذلك إثر عقود طويلة حاولت خلالها القوى الغربية سلخها عن محيطها الطبيعي، وربطها بالغرب سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا. وهي حالة تعفي كثير من المحللين عناء البحث عن حقيقة الدور التركي في المنطقة، وتهيء فرصة مناسبة لتشويه هذا الدور طالما أن ظواهر علاقات تركيا ووضعها تساعد على ذلك من جهة، وطالما أن هناك خلافًا في التوجهات مع تركيا أصلًا من جهة أخرى.

وهكذا تتم قراءة أدوار تركيا الراهنة بالاستناد إلى معطيات تعود للوراء عقودًا من الزمن، ما يعني أن آليات تحليل الأحداث التي يعتمدها كثير من المراقبين تبدو متخلفة عن حركة تطورها الطبيعية سنين عددًا، ونتيجة لذلك تراهم عاجزين عن رؤية الدور التركي بوصفه تعبيرًا عن مشروع جديد يتهيأ للانبثاق، لا بوصفه نشاطًا يدور في أفلاك الناتو. إن الفواعل الكبرى هي من تدرك حقيقة الفاعل/ المشروع الثالث، وتعمل جاهدة على وضع العراقيل في وجهه، في محاولة لوأده بطريقة مبكرة، وهذا يقع في صلب الأهداف التي تسعى تلك الفواعل إلى تحقيقها عبر إدارة الصراع في سوريا.

من الواضح أن التدخل الإسرائيلي- الأمريكي في الصراع السوري لم يكن عابرًا، أو محكومًا بحدود الصراع الجغرافية، ولم تنبني خططه على أساس أنه صراع بين نظام لهما عليه تحفظات، وشعب بادر بالثورة عليه، بل إنهما اعتبرتا أن هذا الصراع يمثل فرصة مواتية ليس فقط لإضعاف سوريا وتدميرها دولة وشعبًا؛ بل لإشغال الإقليم الواسع أيضًا وإنهاكه في ذات الصراع. ولذلك فإن التدخل الإسرائيلي الأمريكي لم يكن يهدف لإسقاط النظام كما لم يكن يهدف لانتصار الثورة سواء بسواء؛ لأن تحقيق مثل هذا الهدف يقطع الطريق على تحقيق الهدف الاستراتيجي المشار إليه. لقد عمد هذا الفاعل لإدارة الصراع بالاستناد إلى استراتيجية تقوم على عدة محاور يخدم كل منها الآخر، وصولًا إلى هدف إضعاف القوى الإقليمية الناهضة، وتتمثل بإطالة أمد الصراع، وتعميمه على الإقليم، واستهداف المشروع قيد التشكل في المنطقة.

وفي سبيل إنجاح هذه الاستراتيجية يمكن فهم سبب سكوت هذا الفاعل على التدخل الإيراني المباشر في الصراع، واستيعاب غضه الطرف عن إرسالها قواتها وأسلحتها إلى سوريا، بحيث تصبح على الحدود الإسرائيلية مباشرة، وهي التي تدعو لتدمير إسرائيل ليل نهار، بطريقة تشير إلى أن التغاضي عن قدوم إيران إلى سوريا كان محسوبًا، ويتناغم مع الأهداف المطلوب تحقيقها من وجهة نظر ذلك الفاعل. الملاحظ أن التدخل الإيراني جاء في لحظة تقدمت فيها الثورة السورية، وكادت أن تحسم الصراع بالضربة القاضية، ولو كان الفاعل الرئيس في الصراع معنيًا بسقوط النظام لما سمح لإيران بالتدخل. من ناحية أخرى فإن رغبة الفاعل الرئيس في الصراع بتعميم النار السورية على الإقليم يبقى بعيد المنال، ما لم تقم دولة إقليمية بالتدخل المباشر في الصراع، وهكذا بدا التدخل الإيراني وكأنه يقرب هدف الفاعل الرئيس بإشعال الإقليم مرة أخرى، وبغض النظر عن حسابات إيران الخاصة من وراء هذا التدخل. كان من المتوقع أو المرغوب فيه من وجهة نظر هذا الفاعل أن يستفز التدخل الإيراني قوة إقليمية أخرى وهي تركيا، ويدعوها إلى التدخل المضاد، وهي التي تتناقض مواقفها مع إيران بصورة واضحة في ما يتصل بالصراع السوري، عندها فقط ينجح هدف ضرب القوتين الناهضتين والأكثر أهمية في المنطقة (إيران وتركيا) بحجر سوري واحد.

هناك سببان كفيلان بسكوت الطرف الإسرائيلي– الأمريكي على التدخل الإيراني في سوريا، أن تكون إيران قوة عظمى، فتحجمان عن مواجهتها! وأن لا يتناقض هذا التدخل مع الحسابات الإسرائيلية الأمريكية، وطالما أن إيران ليست كذلك، فإن السكوت عن تدخلها يعني أنه لا يتناقض مع الحسابات والرغبات الإسرائيلية الأمريكية، وإلا لكان بإمكانهما إيقافها عند حدها بصورة مبكرة، وبالتالي فقد ساعد هذا التدخل على تحقيق الهدف الإسرائيلي الأمريكي المحدد مسبقًا، والقاضي بأقلمة الصراع السوري. لكن من ناحية أخرى كيف تبدى لإيران أن الفاعل الإسرائيلي الأمريكي لا يمانع بتدخلها في سوريا؟ وكيف استطاعت تقدير موقف هذا الفاعل طالما أنه لا يفصح عنه صراحة؟ هل يعني هذا أن التدخل الإيراني قد تم بعد حصولها على إشارة خضراء إسرائيلية- أمريكية تقضي بعدم معارضتهما لهذا التدخل؟ أم أنها قد تفاهمت معهما حول تدخلها بطريقة ما ووفقًا لمحددات وشروط معينة؟ ربما حمل المستقبل الإجابة عن ذلك، إذ لا يوجد قواعد مرجعية لتفسير وتحليل سياقات التدخل الإيراني والسكوت الإسرائيلي الأمريكي بمعزل عن كون هذا التدخل لا يتناقض مع رغبات الأخيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد