ترتبط الأحزاب في نضالها السياسي ببرامج تمثل وجهة نظرها من أجل خدمة الشعب الذي تقدم نفسها له، وتسعى من خلال الإقناع به للوصول إلى السلطة وترجمة وعودها بما يضمن لها تجديد الثقة بإعادة انتخابها لدورات لاحقة، وفي الديمقراطيات العريقة تشكل الأحزاب لنفسها خطًا واضحًا يميز خطابها عن غيره، فتحسب على توجهات فكرية محددة تتعلق بالرؤية السياسية أو التوجه الاقتصادي أو القضايا الأخلاقية ذات المرجعية الدينية أو الفلسفية، وغالبًا ما يكون لكل حزب مواقف واضحة من مختلف هذه القضايا يرفعها يافطة مبينة لتوجهاته، وتنجح هذه الأحزاب من خلال جهازها التنظيري المستند إلى الكتابات والخطابات الإعلامية في تشكيل نواة صلبة من المناضلين المنتمين إلى الحزب، والذين تحولهم عبر آلية الترشح والانتخاب الداخلي إلى كوادر حقيقية تمارس نضالها الحزبي والاجتماعي والوطني، وتؤسس لاستمرارية الحزب وتحسين أدائه عبر المنافسة الحرة وتحسيس الأعضاء بوزنهم السياسي وفاعليتهم في رسم التوجهات واختيار القيادة والمترشحين في مختلف المحطات الانتخابية.

إن هذا العمل السياسي الواضح والمستند إلى برامج حقيقية ورؤى فكرية يعبر عن تطور تدريجي للوعي السياسي، وعن استيعاب القواعد الشعبية لهذه الأحزاب لطبيعة الخلافات السياسية وعمقها، ورغم حضور الأبعاد المناطقية والجهوية والإثنية فإن الممارسة السياسية لا تقدمها إلا باعتبارها وعاءً انتخابيًا، وليست شكلًا من أشكال الانقسام الاجتماعي أو الاصطفاف العرقي، ليكون خطاب البرامج دومًا هو الخطاب السائد، وخطاب الأفكار هو السبيل للإقناع واكتساب الدعم والرد على المنافسين، مع العمل دومًا على محاصرة الآراء المتطرفة، ومعالجة ضررها عبر التنبيه لأخطارها ومآل سياساتها، ومن خلال عقد التحالفات التي تمنعها من التفرد بصناعة القرار وتنفيذه.

لا شك أن الصورة السابقة ليست نزوعًا نحو المثالية، لأن الممارسة الديمقراطية ما زالت تكشف كل يوم عن جوانب عديدة من القصور، وعن ثغرات تبين الدور الكبير للمال في صناعة الرأي العام وتوجيهه، وفاعلية الإعلام في تزوير الحقائق وتشكيل قناعات «وهمية» عبر مصادرة مراكز التوجيه، وتسخير «باعة الكلمة والحرف» في تغليط المتابعين وتوجيههم نحو الوجهة التي تريدها الشركات الكبرى واللوبيات النافذة، لكن الشرعية في الأخير تكتسب عبر الدعم الشعبي المستند إلى تنظيم حزبي ودعم جماهيري عليه أن يتحمل مسؤولية «تلاعب» المخاطبين بعقله ووعيه.

أما في الأنظمة الشمولية فإن الأحزاب السياسية ليست سوى دكاكين منفعية، وجمعيات مصلحية، ذلك أن الديمقراطية ذاتها لم تنبع من فلسفة حكم وتطور تدريجي لعملية الإصلاح الناتجة عن التصادم بين مصالح السلطة الحاكمة وجماعات الضغط والفئات الاجتماعية المتوسطة والهشة على السواء، بل إن الديمقراطية «الوهمية» مجرد ديكور للاستغلال الخارجي، عبر تقديم نموذج من نماذج «الحداثة» على مستوى الشكل، بينما تستمر مضامين الحكم الفردي والتسلط المطلق فاعلة كأنها في نموذج من نماذج الملكيات المطلقة التي لا تزال تتعامل مع الشعوب ومقدراتها على أنها ملكية خاصة للاستغلال!

في هذه الأنظمة الشمولية لا تستحضر الخطابات السياسية للأحزاب النفعية قضايا المشاريع والأفكار، بل تمارس المنافسة في البرهنة على الولاء للسلطة الحاكمة، وتتنافس في إظهار علامات الانقياد والاتباع الأعمى، وتختزل البرامج في سياسات الزعماء والرؤساء والملوك، ويتحول الجدل السياسي إلى مجرد تراشق بالشتائم، وتبادل للدسيسة والوقيعة عند «أهل الحل والعقد»، فلا يمكنك في هذه الحالة أن تفهم انتماء الحزب النفعي يمينًا ويسارًا ووسطًا، ولا أن تميز بين الخلفيات الفكرية في خطابه بسبب سيادة المزايدات الشعبوية، بل إنك لتسمع أن المتخاصمين والمتنافسين يطبقون مشروعًا واحدًا، وقد تتغير بوصلة الحزب تبعًا لتغير بوصلة السلطة، فهذه الأحزاب لا تمانع من الدفاع عن البرامج المتناقضة والمشاريع المتباعدة، وتستعمل في كل الحالات خطابًا غوغائيًا قائمًا على الصياح والصراخ والمزايدة في الوطنية والولاء والوفاء، واستثارات النعرات والأحقاد واستغلال التاريخ القريب والبعيد للتأليب ضد المنافس السياسي الذي تصوره خصمًا لا مواطنًا شريكًا في الواقع والمصير.

إن الأحزاب النفعية هي أحزاب قائمة أساسًا على حسابات الربح والخسارة، والتموقع والنفوذ والوصولية، وعلاقاتها بمناضليها لا تعدو كونها بالنسبة للطامعين سلّمًا للوصول، ولغيرهم مظلة للولاء، ولذلك لا تجد التأطير الحزبي أو التنظيم النضالي إلا إذا اقتربت مواعيد اقتسام الريع السلطوي، وتبادل الأدوار في المسؤوليات، ولا تجد في هذه الحالة حديثًا عن تصورات وأفكار وبرامج ومشاريع لأن كل ذلك محكوم بما تقرره السلطة، فيتم إعادة إنتاجه وتدويره و«عجنه» وإحاطته بــ«الإكسسوارات» اللفظية ليبدو جميلًا جذابًا، وعلى المستوى المحلي تنخرط هذه الأحزاب في بيع الوهم للناس عبر تمرير الأكاذيب الجميلة، وبناء الأوهام في العقول مرحليًا من أجل ضمان استمرار دعم يقوم أساسًا من التخويف من الآخر المنافس أكثر من الإقناع بأحقية الحكم عن استحقاق وكفاءة، وهو ما حوّل الممارسة السياسية إلى مجرد تجميع نفعي أو تدجين قصدي، يسمح باستمرار الوضع القائم.

ومما يؤسف له أن نعترف أن هذه الصورة ليست مسؤولية السلطة الحاكمة في الدول الشمولية المتخلفة وحدها، بل هي انعكاس أيضًا لنموذج «المواطن» الذي تم إنتاجه تدريجيًا بسبب سياسات التجهيل، حيث يصبح من المسلمات عند المنتخِبين إعطاء أصواتهم بناء على ثقافة القبيلة والعرش والمنطقة، بصرف النظر عن صلاحية الشخص أو فساده، لأن الانتصار لا ينظر له من منظور وطني في سياق خدمة برنامج بديل، بل هو التفوق على العرش أو القبيلة أو الجهة المعارضة، وهو ما يجعل المجتمع المعارض لسياسات الدولة يصوت لصالح رجالها باعتبارهم أبنائه، ويدعم المتنفذين المستفيدين من الريع باعتبارهم من «جهته»، دون أن يرى في ذلك أي تناقض وعملًا ضد قناعاته وطموحاته، وهكذا تستمر صيغ التضامن التقليدية فاعلة في إعادة إنتاج نفس النظام السياسي الذي يمس فشله كل الفئات، وتستمر هذه الفئات في الشكوى والتذمر، ولكن أيضًا في مبايعة المسؤولين عن الفشل والفساد في كل محطة انتخابية.

إن نجاح هذا الخطاب الغوغائي يدل على دراية كبيرة من النظم الشمولية الحاكمة بطبيعة الشعب الذي أفلحت في إنتاجه، وقدرتها على استغلال قنوات التواصل المختلفة لتخويفه من التغيير باعتباره يمثل قفزة نحو المجهول، وأيأست هذه الممارسات الطامعين في التغيير الإيجابي من الوصول لمرامهم، فغلب الكثير منهم حب السلطة والتشوق لها إلى بيع مبادئه وتحويل وجهته ليكون مرشح السلطة أو حليفًا لها، وليكون انقلابه حجة جديدة للخطابات النفعية تستثمر فيه لتحافظ على وعائها، وتنتج به خطابات جديدة قائمة على التأكيد بأنها الخيار الوحيد الذي يمكنه أن يحقق يومًا نقلة حضارية عبر تحول آمن دون فتن واضطرابات وحروب.

لقد أثبتت الأحزاب في البلدان الشمولية المتخلفة أنها أداة فاشلة للحكم، وطريقة تنظيم عاجزة عن تأطير المجتمع وهيكلته، لأنها تشكلت في أغلبها وفق أهداف لا علاقة لها بالممارسة السياسية بل بفنون التسلق والوصولية، وقبل أن نصل إلى ممارسة سياسية قائمة على البرامج والأفكار ينبغي لنا أن نحدد أولًا مفهومنا للسلطة والحكم وإدارة شؤون الناس، لننقل من اعتبار الحكم تسلطًا على الشعب، إلى اعتباره وظيفة تقوم على خدمته مقابل أجر كغيرها من الوظائف، ويبدو أن ذلك لا يزال بعيدًا بسبب احتكار الدول الشمولية لمقدرات إنتاج العقول، ولن تتورط هذه النظم في تشكيل عقول لا تأمنها على عروشها، ليبقى التطور البسيط والتدريجي الناتج عن ملاحظات الفشل وآثاره هو السبيل الوحيد نحو تشكل مناخ فكري جديد ينظر إلى المصلحة العامة وليس إلى النزوات العابرة وردود الفعل المتسرعة والاصطفاف الأعمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد