توطئة

عند الحديث عن التطرف ينصرف الفهم مباشرة إلى التطرف الإسلامي، على اعتبار خاطئ وهو أن الإسلام هو مصدر إلهام للمتطرفين، وأن المسلمين المتمسكين بدينهم وقيمهم هم متطرفون بأفكارهم ورؤيتهم إلى الحياة.

وأحببت في هذه الورقة أن أضع هذا الحكم على المحكّ، وانطلقت من فهم سابق لم يتأصّل بعد، بأن الغرب وسوء تصرفه تجاه العرب والمسلمين، دفع بعض الأشخاص إلى اعتماد مواقف متشددة تجاه كل ما له علاقة بغير المسلمين، وعند البحث والتنقيب توصلت إلى قناعة أن الغرب له الدور الأكبر في إيجاد حالة – أو ظاهرة – من التطرف، دفع بها للعمل داخل المجتمعات العربية والإسلامية، سواء أكان ذلك بإدراك وتخطيط استخباري، أو نتيجةً لمدى الكراهية والعنصرية التي برزت من خلال سياساته ومواقفه.

وبداية لا بد عن تحديد المصطلحات المتعلقة بموضوع الورقة.

فالمقصود بالواجهات الغربية: المؤسسات والأشخاص الذين لا يرتبطون بمؤسسات الدولة الرسمية، وإن حملت مواقف الدولة عبر سواتر علمية، أو سياسية، أو إنسانية، أو اجتماعية.

والمقصود بـالتطرف: أنه تجاوز لحدّ الاعتدال، ومقياس عدالة هذا الحدّ: هو ما شاع وتعارف عليه المجتمع من قيم ومعايير.

أما مصطلح قيم التطرف فأقصد به: البواعث الرئيسة لدفع أفراد للتطرف ضد غير المنتسبين إلى نفس الهوية الفكرية أو الوطنية، الذي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد «المتطرفون».

وتعتبر القيم السائدة في أي مجتمع بمثابة المعايير التي على أساسها تُقاس السلوكيات والتصورات، وهي محلّ توافق من الأغلبية في ذلك المجتمع.

لذلك فإن مفهوم التطرف نسبي، فما يراه الغرب أنه تطرف لدى العرب هو غير كذلك في ميزان العرب، وكذلك فإن العرب يرون في كثير مما لدى الغرب تطرفًا مما لا يُعتبر تطرفًا في موازين الغرب، وفكّ هذه العقدة، بأن كل مجتمع له الحقّ في اعتماد مؤشر التطرف لأبنائه حسب منظومة القيم المعتمدة، ولا اعتبار لقياس المواقف والآراء لأي جهة بمقاييس الجهة الأخرى، وأن للغربي حياته الخاصة حال تواجد في المجتمع العربي، دون مساس بالقيم العربية، كما أن للعربي والمسلم حياته الخاصة متى تواجد في دول الغرب دون أن يمس القيم الغربية.

وتعيش الجاليات الإسلامية في الغرب حالة من الغربة والتعارض بين القيم التي ينتمون إليها وقيم المجتمع الذي يعيشون فيه؛ مما يُولِّد لدى كثير من أبناء الجاليات المسلمة حالة من الصراع, وأزمة ازدواجية الهوية واللغة ورؤية العالم، وفي مثل هذا المناخ يتحرك المتطرفون نحو تعزيز ثقافة الكراهية والتمييز والنظرة الطائفية وازدراء الآخر.

أولًا: القيم المؤسّسة للتطرف

قيم الصراع والسيطرة: العالم في حالة صراع بين الحقّ والباطل، والصراع بينهما مستمر حتى يسيطر أحدهما على الآخر، ويرى المتطرف أنه هو من يمثل «الحق»، وأن الآخرين هم «الباطل».

وقد أكّد الخبير الأمريكي جي إم بيرغر في كتابه «التطرف» بأنّ المصدر الرئيس للتطرف يبرز من رؤيتنا الخاصة لــ(نحن/ الآخر/ هم)، التي تُترجَم إلى قناعة بأنّ نجاحنا (نحن) يتلازم بإفشال الآخر، ولا يمكن أن ينفصل عن أفعال عدائية ضدّ هذا (الآخر).

وقد ساهمت الإصدارات الفكرية لمفكري الغرب في تهيئة البيئة الانفصالية والعنصرية، ما بين الغرب وبقية العالم وتحديدًا دول العالم الإسلامي، وكان من أكثر هذه الإصدارات أثرًا كتاب صدام الحضارات لصامويل هنتنجتون، الذي يرى أن الاختلافات الثقافية ستكون المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في سنوات ما بعد الحرب الباردة، وأنها لن تكون على خلفية الاختلافات السياسية والاقتصادية.

قيم حب السلطة والحكم: فلكل شخص رغبة تشدّه نحو التسلط والتحكم في الآخرين، وتتحول هذه الرغبة إلى قولبة أيديولوجية تساعده في إلزام الآخرين وانصياعهم إليه، وفي سبيل ذلك يعمل على التنقيب في تراث جماعته الخاصة، فيقتبس منها الشواهد الكفيلة بإحكام سلطته وزعامته.

قيمة الريادة: فالمتطرف يرى نفسه رائدًا في جماعته، وأنه صاحب رسالة سامية وعليه يقع عبء إيصالها والترويج لها، ويبالغ المتطرف بمستوى هذه الرسالة الطاهرة، وبقدر سمو هذه الرسالة يعلو هو كقيمة في نظر أتباعه ومريديه.

الطهارة والملائكية: فهو ينسب إلى نفسه الخيرية والملائكية في الأخلاق والطهارة في المواقف، في نفس الوقت ينفيها عن الآخرين، ولذلك تتعزز لديه النرجسية بإسقاط النظرة السوداوية على الجماعة المستهدفة «الآخر»، ويؤسس مشروعه المتكامل من البرامج والإجراءات على هذه النظرة المريضة، وبها سيرى ضرورة القتل والتدمير من أجل إقامة المجتمع الذي ينادي له، «مجتمع الطهارة والنقاء».

ثانيًا: ما هي أدوار الواجهات الغربية العاملة في المنطقة؟

سنعمد هنا إلى سرد العديد من الشواهد التي تشير بقوة إلى مواقف صدرت عن «الواجهات الغربية»، وكان لها أثر في تعزيز قيم التطرف الإسلامي تجاه الغرب وتجاه كل ما له علاقة بالغرب، بسبب استهداف تلك الواجهات للهوية الإسلامية.

· أدوار إعلامية

لعل المتتبع لما تقدمه بعض وسائل الإعلام الغربية عن الإسلام والمسلمين، يقف على ملامح خطيرة لخلق صورة نمطية سلبية عن الإسلام في الذهنية الغربية، وغرس قيم العداء والحقد في نفس الإنسان الغربي، تجاه كل ما هو عربي أو إسلامي، ومن أهم هذه الملامح:

الإسلام دين العنف والإرهاب والقتل.

المجتمع الإسلامي متخلف وبربري.

الإسلام لا يحترم العقل, ويهين المرأة، ويحرّم الفنّ، ويدمغ الآخرين بصفة الكافر الواجب قتله… إلخ.

وكما يقول محمد الدرداري في مقاله ( الإعلام الغربي وصورة العرب والمسلمين): «إن جميع وسائل الإعلام الغربي قد اشتركت في صنع وترويج الصورة النمطية السيئة للعرب والمسلمين؛ لا فرق في ذلك بين الصحافة المكتوبة، والإذاعة المسموعة، والتلفزيون والسينما والإنترنت».

وتحت عنوان «الربيع العربي» والغرب.. سبعة دروس من التاريخ، كتب الصحافي بـ«الإندبندنت» شاوماس ميلن مقالًا نشرته صحيفته, جاء خلاصة لتنقيبه في أرشيف إذاعة باثي نيوز البريطانية (التي كانت في حينه الصوت الاستعماري لبريطانيا العظمى إبان الحقبة الاستعمارية)، وقد عثر شاوماس على عدة موضوعات مكتوبة وسمعية وبصرية عن الجهود الاستعمارية للسيطرة على الشرق الأوسط, وهذه الدروس من تاريخ التدخل الغربي في الشرق الأوسط هي:

1. أن الغرب لا يكلّ ولا يمل أبدًا في سعيه للسيطرة على الشرق الأوسط، مهما كانت العقبات.

2. عادةً ما تخدع القوى الاستعمارية أنفسها بشأن حقيقة ما يفكر به العرب.

3. القوى العظمى هي أيادٍ خبيرة في تجميل الأنظمة العميلة لإبقاء تدفق البترول.

4. لا تنسى شعوب الشرق الأوسط تاريخها حتى لو نسيت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ذلك.

5. يُقدِّم الغرب دائمًا العرب الذين يصرون على إدارة شئونهم الخاصة كمتعصبين.

6. التدخل العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط يأتي بالموت والدمار والتقسيم والتحكم.

7. الرعاية الغربية للاحتلال الصهيوني لفلسطين عقبة دائمة في وجه العلاقات الطبيعية مع العالم العربي.

وتعتبر التغطية الإعلامية التي تقوم بها وسائل الإعلام الغربي لخطاب التطرف مشجعة على التطرف، كما يرى ذلك الدكتور ياسر عبد العزيز، كاتب ومستشار في مجال الاتصالات والإعلام: (بأن غالبية تناول وسائل الإعلام لما يحدث بشأن داعش يذهب إلى تقديم الصورة كما ترد من منظومات «داعش» الإعلامية من دون عناية بتفكيك محتواها لبناء الرسائل المضادة، ومن دون النفاذ إلى عمق تأثيرها ولا عمق حواملها الرسالية وغالبًا ما يُكتفى بنقل الخبر الأسطوري)ـ

مع الجدير ذكره هنا، وحسب ما نشر إحصاء (EUROPOL) أن نسبة الهجمات الإرهابية التي نفذها المسلمون في أوروبا سنة 2013 لم تتجاوز 2% بدوافع عرقية أو قومية أو انفصالية. كما نشرت دراسة إحصائية لجامعة كارولينا أن هجمات المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2014، وصلت إلى 37 حالة مقابل 190) ألف من طرف غير المسلمين، ولكن الإعلام الغربي أبرز وبشكل متعمد الصورة المروعة عن إرهاب المسلمين في دول الغرب!

· أدوار ثقافية وفنية

لعل الدراسة التي قام بها الكاتب الأمريكي جاك شاهين، هي أوسع الدراسات في هذا الباب، حيث أخضع أكثر من ألف فيلم أمريكي للدراسة، وخلص إلى أن صورة العرب في السينما الأمريكية لا تخرج عن كونهم: شيوخًا مترفين، ذوي بطون منتفخة، وسمنة مفرطة، وهم إرهابيون عديمو الضمائر، ذوو لحى طويلة، قاذفو قنابل، ولا يتورعون عن قتل الأبرياء.

وهو ما يشير إلى ما ذهب إليه البعض بأن معظم العمليات الإجرامية ضد المسلمين في الغرب كانت نتيجة بيئة حاضنة تغذي الحقد والكراهية ضد كل من هو مسلم، فكان القتل على الهوية.

وقد انتشرت العديد من الأفلام التي تسيء للمسلمين ورموزهم الدينية والوطنية، دون أن يعيد الغرب النظر في هذه الإساءات على ضوء الاحتجاجات الشعبية التي خرجت ضد هذه الأفلام، وقد شارك العديد من التونسيين في احتجاجات ضد سينما «أفريك آرت (Afric’Art)» بسبب عرضها الفيلم المثير للجدل لا ربي لا سيدي في 26 يونيو (حزيران) 2011، و كذلك توجهت مظاهرات إلى السفارة الأمريكية في تونس للاحتجاج على فيلم أمريكي مسيء للنبي محمد في14 سبتمبر (أيلول) 2012.

عاشت الجاليات المسلمة في الغرب أزمة الهوية، في أشد تجلياتها، إذ إنهم ينتمون إلى هوية إسلامية داخل أنفسهم وبيوتهم وتجمعاتهم الصغيرة، وفي ذات الوقت يعيشون في المجتمع الغربي خلال أعمالهم وتفاصيل حياتهم، وقد نجح معظم المسلمين في التكيّف بين قيمهم الذاتية وقيم المجتمع الغربي الذي يعيشون فيه، إلا أن بعض الشباب لم يستطع أن يتكيّف مع هذه الحالة، والتي تحولت إلى صراع ضاغط عليه، وكانت النتيجة أن ذهب البعض في خطوة متطرفة للاحتواء داخل هويته الإسلامية رافضًا كل أشكال الحياة الغربية، في حين ذهبت قلّة أخرى إلى الاندماج التام في الحياة الغربية، تاركةً هويتها الإسلامية بلا رجعة.

يقول تقرير راند , وهي مؤسسة أمريكية تعرّف الإسلام والمسلمين بأنهم يعيشون في أزمة, وتعريفهم لتلك الأزمة: أن أزمة الإسلام الحالية تتشكل من مكونين أساسيين هما حسب تقريرهم: فشل في التواصل مع الاتجاه العالمي السائد، وفشل في الازدهار والنجاح.

ويتساءل المفكر القطري د. محمد صالح المسفر: هل ترَكَنَا الغرب نحن العرب خاصة والمسلمين عامة لكي ننجح في بناء دولنا واختيار حكامنا وازدهار أوطاننا؟ ثم يجيب: إنهم لم يتركونا في حالنا، نحن نعيش حربًا لتلد حربًا أخرى بفعلهم وتسليط عملائهم الذين نصّبوهم علينا بقوة السلاح، فرنسا وعملاؤها ماذا يفعلون في ليبيا اليوم؟ أمريكا ماذا تعمل في تركيا واليمن اليوم؟ وروسيا ماذا تصنع في سورية؟ إسرائيل ماذا تعمل في فلسطين ولبنان؟ إنهم يريدون إسلامًا تؤمُّ فيه المرأة الصلاة بالرجال والنساء، ويسمح فيه بالزواج المثلي.. وقس على ذلك.

· أدوار تعليمية

حاولت دول الغرب أن تؤثر بشكل كبير في تشكيل الوعي والمعرفة وطريقة التفكير لدى العديد من أبناء الأمة العربية والإسلامية، وسواء كان ذلك عبر الطلبة المتفوقين خلال تنفيذ زيارات أو منح لهم إلى دول الغرب، أو من خلال الطلبة الوافدين إلى دول الغرب بهدف الدراسة في الجامعات والمعاهد الغربية.

وفي دراسة تحليلية قام خلالها معهد جورج إيكيرت الألماني بتحليل أبحاث الكتب المدرسية، 27 كتابًا) في مدارس خمس دول أوروبية (بريطانيا، وفرنسا، والنمسا، وإسبانيا، وألمانيا) وكان من نتائجها أن هذه الكتب تقدم عن الإسلام أفكارًا مشوهة تعكس ما أسمته الدراسة بالعنصرية الثقافية.

ولعل الصورة الأكثر وضوحًا، هي ما يتم في مدارس «وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA)»، ففي مخالفة واضحة لسياسة الوكالة الذي يفترض أن تكون محايدة في الجانب السياسي، قامت بالتدخل في إعادة تعريف: مَنْ العدو ومَنْ الصديق؟ وسعت إلى تحشيد العاطفة مع اليهود المحتلين لأرض فلسطين، باعتماد زاوية النظر تجاه المحتل الإسرائيلي، من منظور اليهودي الضحية، عبر تدريس طلاب مدارس وكالة الغوث موضوعًا عن الهولوكوست – المحرقة في مادة حقوق الإنسان، وقامت رئاسة الوكالة بتسيير الرحلات الطلابية إلى أمريكا ودول أوروبية شملت اصطحابهم إلى متحف للهولوكوست اليهودي، دون مراعاة لقيم وأخلاق المجتمع الفلسطيني.

ومن القيم الأصيلة التي تمتاز بها الشعوب العربية، التقدير الكبير الذي ينظر من خلاله الطلبة إلى معلميهم، وهو أمر مهم لهيبة المعلم كونه معلمًا ومرشدًا وقدوةً لطلبته، وقد قامت الوكالة في المدارس الفلسطينية بتجريم المعلمين الذين يقومون بمحاسبة الطلاب المشاغبين والمخالفين بما يتناسب مع تقاليدنا وقيمنا؛ مما جعل الطلبة يتجرؤون على معلميهم ويفرضون واقعًا اجتماعيًا مخالفًا بشكل صارخ للقيم الفلسطينية.

· أدوار سياسية

ينطلق الغرب في نظرته إلى القضية الفلسطينية- والتي هي محلّ تقدير قيمي وديني للأمة الإسلامية- من اعتبار أن اسرائيل جزء من الحضارة الغربية، وأنها الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي تلتزم بقيم الديمقراطية، وقد ترتب بناءًا على هذه النظرة وصْم المقاومة بالإرهاب واعتماد سياسة ثابتة برفض مبدئي للرواية الوطنية الفلسطينية.

ولعل ما تحدث به فرانسوا بورغا مدير الأبحاث في معهد البحوث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي، وهو من أبرز الخبراء المختصين في دراسة الإسلام السياسي، يعتبر حديثه شهادة دامغة على الانحياز الغربي الواضح ضد الدول العربية وقضاياها السياسية، وجاء قوله في سياق مقابلة مع الكاتب الصحفي رافايل كامبيون جرت في يونيو (حزيران) 2016: إضافة إلى دعمنا النشِط طيلة التسعينات للسياسة الاستئصالية للنظام الجزائري وفيالق الموت في حربها ضد المعارضة الإسلامية، التي انتخبها الشعب، دون أن ننسى بطبيعة الحال دعم باريس غير المشروط للسياسة الإسرائيلية أو حلفائها الإقليميين، مثل مصر السيسي، ودون أن يتحرج قادتنا من بعض الأعمال غير المقبولة على الإطلاق، مثل حصار غزة وانتشار المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية. (مقتبس من كتاب مقابلة مع رافايل كامبيون).

وتنظر الشعوب العربية إلى العديد من الأنظمة الحاكمة في المنطقة، من زاوية أنها أنظمة تتعامل لصالح الغرب وتعمل ضد المصلحة الوطنية، وزادت هذه النظرة حدّةً وعمقًا بعد ثورات الربيع العربي وموقف الغرب المنحاز إلى الأنظمة ضد خيارات الشعوب العربية.

ومن أحد الدروس التاريخية السبعة التي ذكرها سابقًا الصحافي بـ«الإندبندنت» «شاوماس ميلن»: القوى العظمى هي أيادٍ خبيرة في تجميل الأنظمة العميلة لإبقاء تدفق البترول.

وهذا الموقف السياسي للمجتمع الغربي يُعدّ تَعدٍّ صارخ على حقوق المسلمين، دون توفير ما يبرر هذا الموقف، بل وفي مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي يتغنّى فيه الغرب ، فالموقف الغربي من القضية الفلسطينية يتناقض تمامًا مع المركز القانوني لإسرائيل، وحسب نتيجة بحث أعده د. عبد الرحمن أبو النصر، تحت عنوان: (مسئوليــة إسرائيـل الجنائيـة عـن حصـار قطــاع غـزة)، جاء فيه: وقد أثار المركز القانوني لإسرائيل في الأراضي الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو جدلًا قانونيًا، وهل تم تغيير المركز القانوني لدى المحافل الدولية ولدى فقهاء القانون كذلك. إلا أن المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية قد أكدت على موقفها والذي تمثل في أن إسرائيل في الأراضي الفلسطينية هي دولة احتلال تحكمها اتفاقيات جنيف لعام 1999، وكذلك عام 2001، وتم تأكيده في الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الخاص بالجدار عام 2004.

وظل الغرب دائمًا يُقدِّم العرب الذين يصرون على إدارة شئونهم بأنفسهم كمتعصبين ومتطرفين وإرهابيين، في حين نجد الغرب يدعم الدول البوليسية الفاسدة التي يدعي أنها نماذج للقيادة الرشيدة وواحة من «الاعتدال» و«الحكم الديمقراطي الرشيد»، والشاهد الواضح هنا موقف الغرب من المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي.

· أدوار أمنية

ولعل أبرزها كان اغتيال القائد الفلسطيني أبو حسن سلامة على يد عملاء الموساد نتيجة عملية رصد ومراقبة قامت بها عميلة الموساد تحت غطاء جمعية عمل إنساني:

جاء في كتاب (الموساد أكبر مهام): في أوائل سنة 1978 وصلت عميلة الموساد إريكا تشامبرز إلى بيروت الغربية، تحت غطاء ناشطة في العمل الإنساني ورعاية الطفولة، وتمكنت من رصد تحركات أبو حسن سلامة بسهولة من شرفة شقة استأجرتها تطل على الشارع العام الذي يقطعه سلامة أربع مرات على الأقل يوميًا، وفي نفس التوقيت.

وما كشفت عنه الصحيفة الأمريكية في تقرير لآدم غولدمان وإيريك سميت عن ضلوع منسّق المعونات الإنْسَانية في اليمن والمدير القُطْري لمجموعة التنمية عبر المحيطات، سكوت داردن، بمهام أساسية تجسُّسية تحت مظلة إنْسَانية قبل أن تقبضَ عليه الأجهزة الأمنية اليمنية، بحسب الصحيفة.

وتضيفُ الصحيفةُ: يعمل داردن تحت غطاء منظمة اليونسف والصليب الأحمر، لكن عمله الرئيس والسري كان يتمثل في إرسال مواد لقوات النخبة العسكرية الأمريكية، والترتيب مع القوات الخَاصَّـة الأمريكية، بالإضَافَة إلى الإشراف على شحنات الكوماندو، بموجب عقد سري مع البنتاغون، والحديث هنا للصحيفة الأمريكية.

وهذه شواهد دامغة على تستر أجهزة استخبارية إسرائيلية وغربية بسواتر إنسانية أو دولية للعمل ضد قيادات وطنية في المجتمعات المحلية.

· أدوار إغاثية تمويل المشاريع

مارست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (UNRWA)، خلال ما يقرب من سبعين عامًا أعمالها الإنسانية بهدف مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وتزويدهم بما يلزمهم من خدمات صحية، وتعليمية، واجتماعية، وسط دعم دولي لأنشطة الوكالة، لاسيما من الولايات المتحدة الأميركية التي تتحمل الجزء الأكبر من الدعم المالي لهذه المؤسسة غير مُسيّسة النشاط؛ مما دفع الوكالة لوضع قيود جائرة على الفلسطينيين بهدف المحافظة على الدعم الأمريكي المشروط.

وفي هذا الإطار خضع تعيين الموظفين بالوكالة إلى عدة شروط أهمها: عدم ممارسة الموظف التابع لها لأي نشاط سياسي يتناقض مع حيادية الوكالة، واستقلاليتها، ومنع أي تعارضٍ أو تأثيرٍ على السياسيات الداخلية والخارجية للوكالة من خلال انتماءات موظفيها السياسية والأيديولوجية.

ومع كل هذه السياسات الجائرة ضد الموظفين الفلسطينيين في دوائر الـUNRWA، إلا أن خطوة أمريكا في 31 أغسطس (آب) 2018 والتي أوقفت دعمها المالي للأونروا، بهدف الضغط السياسي على السلطة الفلسطينية لإرغامها بقبول الرؤية الأمريكية لحل القضية الفلسطينية والتي اشتهر على تسميتها بـصفقة القرن، تعتبر هذه الخطوة مؤشرًا واضحًا على الأجندة السياسية وغير الإنسانية لتمويل مشاريع الأمم المتحدة.

كما أن بعض قوات حفظ السلام الدولية التي تعمل في العديد من الأماكن الساخنة، قد اتهمت بارتكاب جرائم، والقيام بأدوار سياسية معادية تحت غطاء عملها الإنساني.

فقد أكد الدكتور (علي حامد) المدير التنفيذي لمنظمة تراث الإنسانية العاملة في جنوب السودان أن منظمات الإغاثة أخفقت في ترسيخ السلام بالجنوب وبنائه وتنمية المجتمع الجنوبي، معتبرًا أن هذه المنظمات مهدت طريق الانفصال.

وأكد (حامد) أن هذا ما يحدث بالفعل فهذه المنظمات تجاوزت دورها المناط بها من إقامة تنمية ومحاربة الفقر ومساعدة المحتاجين وإقرار السلام بين المجتمعات ورفاهيتها، إلى أدوار أخرى كثير منها مشبوه.

· أدوار الحريات وحقوق الانسان ودعم الديمقراطية

في حين تنادي المجتمعات الغربية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنها لا تراعي حقوق العرب والمسلمين، وقد ظهر ذلك جليًا في مواقف الغرب تجاه ثورات الربيع العربي، والتدخل السافر لحماية الأنظمة الفاسدة.

رفعت الثورات العربية شعاراتها ضد الفساد وانعدام الحريات كمدخل إلى تغيير النظام الحاكم الفاسد، وليس على الهيمنة الغربية أو الاحتلال (الإسرائيلي)، غير أن الحقيقة – كما يراها «شاوماس ميلن» – هي أنهم إنما ثاروا ضد الديكتاتوريات المدعومة من الغرب وهذا يعني أنَّهم يشكلون تهديدًا فعليًّا ومباشرًا للنظام الدولي في إستراتيجيته كما تم رسمه لما بعد الاستعمار من طرف الاستعمار نفسه.

ونطرح هنا علامة استفهام واستغراب تجاه موقف الغرب المتناقض لقيم الحريات والتطرف، حيث يعيش العديد من المتطرفين المسلمين في دول الغرب، ويتبنّون المواقف المتطرفة التي تدعو إلى القتل والإرهاب الموجّه للمجتمعات الإسلامية، دون أن تتخذ السلطات الغربية أي موقفٍ لتمنع أنشطتهم، تحت زعم قيم الحريات وحقوق الإنسان، وهو الأمر الذي لم تجده المرأة المسلمة في حقها الخاص بارتداء الحجاب، فكيف يمكن لنا أن نفسر وجود قانون لحظر الحجاب والنقاب في فرنسا، مع القيم الديمقراطية وحماية حقوق الآخرين، التي تستهجن منع المسلمين لزواج المثليين في بلادهم بلاد المسلمين، وتعتبر ذلك تعديًا على الحرية الشخصية، وكيف يستقيم ذلك مع السماح لمن يتهكّم على نبينا محمد بالرسوم المتحركة.

كذلك موقف الغرب الرافض للتعامل مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، والتي فازت في الانتخابات التشريعية، فقط لكونها معادية لإسرائيل، في نفس الوقت الذي يعترف الغرب بإسرائيل كدولة ديمقراطية، رغم عنصريتها وإرهابها.

ثالثًا: الأدوار الغربية في ميزان الهوية والرواية الوطنية

كتبت المُدوِّنة الفلسطينية (لينا الشريف) على «تويتر» في يوم عيد استقلال الولايات المتحدة الأمريكية في العام الماضي 2011: «إنَّ الدليل على أن الحرب العالمية الأولى لم تنتهِ حتى الآن، هو أننا في الشرق الأوسط ما زلنا نعيش عواقبها وتبعاتها».

وأكد الدكتور (علي حامد) المدير التنفيذي لمنظمة تراث الإنسانية العاملة في جنوب السودان: أن منظمات الإغاثة في كثيرٍ من الأحيان تقوم بتدخلٍ سافرٍ في الشئون الداخلية للدولة، والتلاعب في قيم المجتمع وعقائده وتوجيه المجتمعات والعمل على إخراجها من منظومتها المحلية بحججٍ مختلفة، وبما يُسمَّى حقوق الإنسان والمرأة والطفل، كما أنه للإنصاف هناك مَن يقوم بخدماتٍ جيدة، ولكنهم في النهاية قلة غير منظورة.

وهو ما أكدته المشاريع الغربية في المنطقة العربية، من خلال التمويل المشروط لمؤسسات المجتمع المدني، والتي يتم جدولة برامجها حسب رؤية الممول الغربي ومدى اتفاقها مع القيم الغربية، وليس حسب الاحتياجات والأولويات للمجتمع المحلي، ودون مراعاة تلك البرامج للقيم المحلية، بل الذي يبدو أن الممول الغربي يعتمد المشاريع التي تسوق القيم الغربية المتعارضة مع القيم العربية والإسلامية بصورة متعمدة.

رابعًا: إثبات العلاقة بين تلك الأدوار وقيم التطرف

فيما سبق عرضه من أدوار مختلفة قامت بها الواجهات الغربية استفزت المسلمين والعرب في هويتهم وقيمهم وذواتهم، مما دفع العديد منهم إلى التحرك ضد المصالح الغربية تعبيرًا عن رفض القيم الغربية التي تصادم قيمنا الإسلامية.

ومع تحرّك تلك الواجهات الغربية وتنفيذ برامجها في المجتمع المحلي، ثارت حفيظة بعض الشباب ووجهوا غضبهم إلى السلطات الحاكمة، والتي في نظرهم باتت متواطئة مع الغرب ضد الإسلام، كونها سمحت لتلك الواجهات الغربية بأن تقوم بفعاليات مسيئة للقيم الإسلامية داخل المجتمع المسلم، خاصة أن نتيجة تلك البرامج والأنشطة لا تصبّ في خدمة المواطن والمجتمع، وهي إنما تخدم ماديًا شخصيات محلية تدير لهم أعمالهم، حيث يُشْترط على المؤسسات المحلية بأن الأولوية ستكون للمشاريع الاستهلاكية غير التنموية، مما يزيد الوضع تعقيدًا، بإبقاء الأفراد المستفيدين من تلك المشاريع في حالة العوز والاحتياج.

وزادت دائرة المغضوب عليهم من قبل هؤلاء الشباب المتطرف، لتشمل كل من يعمل أو يقبل بوجود الأشخاص الأجانب في بلادهم العربية والإسلامية.

وعمد هؤلاء الشباب إلى ترسيم دوائر الأنا المسلمة- المعتزة بهويتها المستهدفة، وفصلها عن دائرة المتخاذلين الذي يتعاونون مع الأجانب، فبدأت بتسمية كل جهة عبر منظور تأصيلي للهوية العقيدة الإسلامية، فبدأت بإطلاق اسم الكفار على الأجانب، والمرتدين على من يمتلك القرار في البلاد العربية ويسمح للكفار بتنفيذ مشاريعهم، وصفة الخونة على الأفراد الذين يتعاونون مع الأجانب في تنفيذ تلك الفعاليات.

ومن هنا زاد تعميق تأصيل الهوية لدى أولئك الشباب، فرأوا أنفسهم أهل الحقّ وما دونهم هم أهل الباطل.

خامسًا: الرؤية والمعالجات

لا شكّ أن الغرب بالعموم ما فتئ يستهدف الأمة العربية، وأن هذا جزء من طبيعة التدافع الحضاري والإنساني، وهو صراع مستمر, ومن منظور أيديولوجي وقيمي، مع الاستثناء المتواضع لبعض الأفراد الذين ينطلقون من قيم إنسانية أصيلة ويكون دفاعهم عن القضايا العربية من منطلق أنها قضايا عادلة.

والمطلوب من النخب العربية أن تتشرب هويتها العربية والإسلامية التي تنتمي إليها، وتسعى إلى تعزيزها والالتزام بها في أماكن تواجدها أينما حلّت أو ارتحلت، لتمثل بذلك صورًا ناجحة تكسر من خلالها الصورة النمطية التي رسمها الغرب عن الإسلام والمسلمين، بل العمل على أخذ زمام المبادرة برسم الصورة الحقيقية عن الإسلام التي تعبر بصدق عن الهوية الإسلامية.

كذلك أن تقوم النخب العربية بتوظيف المشاعر السلبية تجاه تفوق الغرب الحالي على العالم الإسلامي بجعلها مشاريع استنهاض للأمة الإسلامية واستئناف عمل الحضارة الإسلامية والتنافس مع الحضارة الغربية، وبهذه الرؤية تتحول المشاعر السلبية من قيم كراهية وتطرف إلى قيم ناهضة تهدف إلى تعزيز التنمية المجتمعية في بلادنا العربية.

ثم أمر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في وجوب إعادة النظر في سياسة التمويل الأجنبي وشروط قبوله لدى مؤسسات المجتمع المدني العربي، والفوائد المرجوة من الفعاليات الممولة من جهات أجنبية على ضوء أولويات وحاجات وقيم المجتمع العربي المحلي.

وحينها فقط يستطيع العالم العربي والإسلامي أن يفرض احترام الجميع لهويته وقيمه الخاصة به، وأن يبني المجتمع الإسلامي كما يحلم به جميع المسلمين، وتكون صياغة هذا المجتمع برؤية إسلامية خالصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد