فتح الابواب، وعملية سحب استمارات الترشّح متواصلة.

بعد جدال واسع، وغموض كبير في المشهد السياسي الجزائري، صدر أخيرًا قرار استدعاء الهيئة الناخبة من طرف رئيس الجمهورية، وتحديد موعد الثامن عشر من شهر أبريل المقبل (نسيان) موعدًا لإجراء الانتخابات الرئاسية في البلاد، لتتّضح الرؤية نسبيًا حول هذا الموعد الهام، والذي كان قد سبقه العديد من الشكوك، كان أبرزها سيناريو التمديد في العهدة الحالية لرئيس الدولة، وما أثير حول ذلك من نقاشات وآراء منها من تنادي بضرورة تطبيق الإجراء، وأخرى معارضة لذلك، رغم أنّ الدستور واضح تمامًا، وقد فصلت مواده مسبقًا في هذه القضية، ليأتي التأكيد من أعلى هرم السلطة، ويرسّم الاستحقاق الانتخابي، ويفتح مجال الترشّح أمام الطامحين في خدمة البلاد والعباد، وفقًا لما تنص عليه القوانين واللوائح الدستورية، المتعارف عليها، والمعمول بها في هذا الشأن.

إقبال كبير على سحب استمارات الترشّح من مختلف فئات الشعب وبدون استثناء!

شهد مقر المجلس الدستوري بالعاصمة الجزائر إقبالًا غير مسبوق لمرشحي الانتخابات الرئاسية القادمة؛ حيث أبدى العشرات من مختلف فئات الشعب مبدئيًا نيّتهم خوض مغامرة الترشح للاستحقاق الرئاسي، صانعين بذلك مشاهد كوميدية ومسرحيات، عنوانها «أنا رئيس الجزائر» حيث إن أغلبية المتقدمين والطامحين لهذا المنصب ليس لهم صلة من قريب أو من بعيد بالمجال السياسي، أو النشاط الحزبي، أو حتى الجمعوي، وكثيرًا منهم دون المستوى، ولا يمتلك حتى شهادة علمية، أو كفاءة مهنية في مجال معيّن.

وقد سادت العملية العديد من المشاهد الطريفة والتصريحات الغريبة لهؤلاء، خاصة بعد أن قامت قنوات تلفزيونية باعتراضهم، وأخذ تصريحاتهم عقب إقبالهم على المجلس الدستوري، لسحب استمارات الترشّح، بل منهم من تم استدعاؤه في حصص متلفزة في إطار تغطية فعاليات، وأحداث الموعد الانتخابي، وكل ما يمت له بصلة، والجدير بالذكر أنه إلى الآن لم يتم استضافة أو تقديم أسماء ثقيلة على الساحة السياسية من شأنها خلق جو انتخابي حقيقي، يحرّك مشهد المنافسة بعيدًا عن العشوائية، والمستوى المتدني الذي يسود العملية، سواء من ناحية الشخصيات، وكذلك من ناحية التغطية الإعلامية الرديئة، والتي ابتعدت عن الاحترافية في مواكبة مثل هذا الحدث الهام، وخلقت موجة من الانتقادات اللاذعة لمهنية ومستوى هذه القنوات والإعلاميين بصفة خاصة.

هل العملية مقصودة؟ والهدف منها تهيئة الأرضية لتقديم مرشّح السلطة ليحظى بالقبول لدى الشعب!

الكثير من المحلّلين والعارفين بشؤون السياسة يؤكّدون أن هذه الممارسات والتغطيات الإعلامية لمختلف الشخصيات المنعدمة الوزن في الساحة السياسية والضعيفة المستوى؛ الهدف منها خلق انطباع سلبي وصورة ذهنية عن المرشحين، مفادها أنه لا وجود لرجل المرحلة القادمة، ولا كفاءة من شأنها تحسين الأوضاع، وتقديم حلول للوضع المتدهور والحرج الذي تعيشه البلاد، وهو ما تعكسه التغطيات الإعلامية لمختلف القنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية لمرشحين غابت عنهم البرامج أو المقترحات، بل غابت عنهم في كثير من الأحيان الجُمل واللغة السليمة في النطق، وعدم إتقانهم حتى لأبجديات الحوار وطرح الأفكار، كل هذا حسب رأي مختصين هو عملية ممنهجة وهادفة تسعى من خلالها أطراف معينة إلى خلق جو من الاستياء واللاثقة من جميع المرشّحين، إلى غاية تقديم اسم معروف سواء من داخل السلطة، أو من خارجها يرى فيه الشعب بأنّه الأصلح لمواصلة المسيرة رغم عدم اقتناعهم به.

وذلك بالرجوع لما تم تداوله من قبل والصورة الذهنية السلبية التي كوّنتها وسائل الإعلام لديهم عن طريق تناولها لشخصيات عبّرت عن نيتها في الترشح، أقل ما يقال عنها إنها لا تستطيع أن تحل معادلة حسابية بسيطة، فما بالك بحل مشاكل بلاد بأكملها أو تسيير شئونها؟! وهذا ما يعطي نقاطًا إيجابية تحسب لصالح المرشّح الذي يكون في موضع قوة، ويكون ذلك بمثابة حلًا لا بديلًا عنه، في ظل غياب منافسين لهم خبرة، أو حنكة سياسة، وإنجازات تسمح لهم بمجاراة مرشّح السلطة المفروض على الشعب بطريقة غير مباشرة في ظل غياب البديـــل، ونتيجة حتمية بالنظر للمعطيات المطروحة سابقًا.

بعد تأكيد فشل اقتراح التمديد.. هل ستقابله حتمية العهدة الخامسة؟

قبل شهور قليلة من إصدار الرئيس الأمر باستدعاء الهيئة الناخبة، وتحديد الموعد الانتخابي في آجاله القانونية، كانت عدة أطراف محسوبة على السلطة الحاكمة، وحتى أحزاب موالية، والعديد من الشخصيات السياسية، وحتى رجال أعمال معروفين، ينادون بضرورة تمديد الولاية الحالية للرئيس «عبد العزيز بوتفليقة» بالنظر إلى الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، خاصة الوضع الاقتصادي السيئ، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، والغليان الذي تشهده الجبهة الاجتماعية، والعديد من الملفات الأخرى لعلّ أبرزها الانسداد الذي تشهده الساحة السياسية لما يقارب السنة والنصف، وهو ما عكسته أزمة البرلمان الأخيرة في سابقة لم تشهدها الجزائر المستقلة من قبل، والمعلوم أيضًا أن طلب التمديد لا يتوافق مع مواد الدستور، والذي يعتبر الوثيقة المرجعية الأولى للدولة، حيث إن العملية غير شرعية من الناحية القانونية أو الدستورية، إلا أن الوضع بقي غامضًا والأصوات المنادية بالتمديد زاد صخبها إلى حد الفصل في الأمر، والإبقاء على الموعد الانتخابي؛ ليندثر حلم التمديد، ويزال الستار على أحداث الاستحقاق الرئاسي في الموعد المحدد، لتتحوّل مباشرة الأصوات المنادية للتمديد إلى أصوات منادية بعهدة خامسة، ومطالبة الرئيس الحالي بالترشّح لولاية رئاسية أخرى، وميلاد تنسيقيات وتجمعات مطالبة بذلك، بالمقابل الطرف الآخر لم يفصل في قضية الترشّح من عدمها فاتحًا المجال للتأويل والانتظار، وراسمًا مزيدًا من الغموض حول هذا الطرح، والذي سيكون الحدث الأبرز في مسار انتخابات الثامن عشر من أبريل، سواء عن طريق إعلان الترشّح لعهدة خامسة، أو عدم الترشّح وفتح الباب على مصراعيه لشخصيات أخرى ربطت ترشّحها بقرار الرئيس الحالي، بالترشّح من عدمه، والمتفق عليه أنه في حالة قيام الرئيس في الترشّح فإن حظوظه كبيرة في الاستمرار في الحكم بالنظر إلى التأييد الكبير الذي يحظى به من قِبل أحزاب السلطة، والموالاة، ومختلف الشخصيات، وخاصة رجال الأعمال، وأصحاب النفوذ، لكن يبقى الملف الصحي للرجل، الرهان الصعب، وأكبر عقبة تواجه هؤلاء في سبيل إقناع الرأي العام بضرورة استمرار الرئيس في تسيير البلاد.

فالجميع يعلم الوضع الصحي للرئيس، وغيابه عن مخاطبة الشعب لفترة طويلة، بالإضافة إلى شرعية العهدة الخامسة من عدمها، كل هذا يضاف إليه الفشل الكبير للحكومة الحالية في إدارة العديد من الملفات والقضايا، أبرزها الفشل الذريع على المستوى الاقتصادي، ودخول البلاد في أزمة خانقة أفقدت الشعب الثقة في أغلبية المسئولين، وجعلته يطالب بحلول جذرية وميدانية بعيدًا عن الخطابات والوعود الكاذبة.

إلى حين الإعلان النهائي لقائمة المرشّحين للموعد الانتخابي، وفي انتظار ما ستحمله الأيام القادمة من مستجدات لا يزال المشهد السياسي على حاله، ويكاد يخلو من جو الممارسة والمنافسة، وتقديم الحلول والبرامج الانتخابية، فلا شخصيات بارزة قدمت ترشّحها، ولا تغطيات إعلامية تحظى بالاحترافية، وترتقي لمستوى التطلعات، ليواصل المواطن الجزائري الترقّب وانتظار الساعات والأيام القليلة القادمة، في سبيل معرفة الجديد، وظهور الشخصية المنتظرة التي يتمنى أن يراها على كرسي الرئاسة، كلٌّ حسب قناعاته وأفكاره، وتبقى الكلمة الأولى والأخيرة لما سيحمله صندوق الاقتراع، حيث إن الشعب هو السيّد، والرئيس يستمد شرعيته من الشعب، وهو ما ينص عليه الدستور الجزائري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد