ها قد وَصلنا إلى أسوأ مَرحلةٍ يُمكِن أن تَمُر بها «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»، وهي المَرحلة الرَّابِعة وقَبل الأخيرة الَّتي أخبَرنا بها رَسولُ الله -صَلَّى الله عليه وسَلَّم-، فقد اِنْحَدَرت الأُمَّةُ مِن النُّبوَّة والخِلافة الرَّاشِدة، إلى المُلك العاض، ثُم المُلك الجَبري، وهي بوَعد الله ورَسوله في طَريقِها إلى الاِرْتقاء مِن جَديدٍ إلى خِلافة على مِنهاج النُّبوَّة.

إنَّنا نَلمحُ في سُقوط الخِلافة الإسلاميَّة لأوَّل مَرَّة مُنذ أن قامت دَوْلَة الإسلام في المَدينة نِهاية مَرحَلَة وبِداية أُخرى؛ أمَّا الَّتي مَضت فهي المُلك العاض، وأمَّا الَّتي تَليها فلا شَك أنَّها المُلك الجَبري كَما أخبَر رَسول الله.

يَقول ابن الأثير: «ثُم يَكون مُلك عَضوض؛ أي يُصيب الرَّعيَّة فيه عَسف وظُلم، كأنَّهم يعضون فيه عَضًّا، والعَضوض مِن أبنية المُبالغة. وفي رِواية: ثُم يَكون مُلوك عُضوض، وهو جَمع عِض -بالكَسر- وهو الخَبيث الشَّرس»[1].

و«العَضُّ: الشَّد بالأَسنان على الشَّيء… وفي حَديث العِرْباض: وعَضُّوا عَليها بالنَّواجِذ؛ هَذا مَثَل في شِدَّة الاِسْتِمْساك بأَمر الدِّين»[2].

«ثُم يَكون مُلك وجَبروت؛ أي: عُتو وقَهر، يُقال: جَبَّار مِن الجَبَروَّة، والجَبَريَّة والجَبَروت.»[3]

فالمُلك العاض إذًا هو الَّذي فيه حِرص شَديد على المُلك، وهذا شأن تَوارُث المُلك في بَني أُميَّة وبَني العَبَّاس والعُثمانيين وغَيرهم، فقد كانوا حَريصين حَتَّى أن يَستمرَ المُلك في ذُريَّتهم مِن بَعدهم، وإن كانوا غير صالِحين لذَلِك. بل قد يَقتُل الأخ أخاه كَما فَعَل المَأمون بالأمين مِن أجل السُّلطان.

أمَّا المُلك الجَبري فهو الحُكم بالإكراه والقَهر، وهذا شأن الاِنْقِلابات العَسْكَريَّة الَّتي شَهدتها البِلاد الإسلاميَّة مُنذ سُقوط الخِلافة الإسلاميَّة (راجع مَقال: الاِنْقِلابات العَسْكَريَّة في دُوَل العالَم الإسْلامي)، فقد وَصَل هؤلاء الحُكَّام على ظُهور الدَّبابات، وعن غير رِضا مِن الشُّعوب.

غير أن سِمَة أُخرى أكثر خُطورة تَتَميَّز بها مَرْحَلَةُ المُلكِ الجَبري عن العاض، وهي الحُكم بغير ما أنزل الله. ولذَلِك فإن المُلكَ العاض قد قَبِله العُلماءُ والعَوام على مَضَض، اِسْتِنادًا إلى نُصوصٍ شَرعيَّةٍ، وخَوفًا مِن مَفاسِد أكبر في حالة الخُروج على الحاكِم. أمَّا المُلك الجَبري ففيه إكراه؛ لَيس في فَرض الحاكِم فَقَط، بل وفي فَرض نِظام الحُكم، فالشُّعوب لم تَخرُج في ثَورةٍ اِشْتِراكيَّةٍ، ولم تُناد بقَوانين ليبراليَّة، بل تَدين بالإسلام الَّذي قام الاِنْقِلابيُّون بتَنحيته عن كُل شَيء.

—————————-

[1] النِّهاية في غَريب الحَديث والأثر، دار ابن الجَوزي – الطَّبعة الأُولى: 1421 هـ، ص 622.

[2] لِسان العَرَب، دار صادِر: بَيروت – الطَّبعة الثَّالِثة: 1414 هـ، الجُزء السَّابع، ص 188.

[3] النِّهاية، ص 137.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مُلكًا
عرض التعليقات
تحميل المزيد