جاء النبي وكل هذه الحروب مشتعلة، فقد أرسل الرسول والبشرية عن بكرة أبيها قد ضربت فى صميم بشريتها، ولم يبق فيها حجر على حجر. جاء على قوم ألهتهم تجارتهم عن الرحمة والعفة، وصار كل شيء قابل للمساومة، ومنها المرأة، وكل ضعيف، وصار للأمر سوق، وهوى عام.

جاء النبي وفى الناس زواج الاستبضاع: وهو أن تطلب المرأة جماع الرجل (غير زوجها)، كان الرجل منهم إذا رأى ميزة فى رجل آخر يقول لأمَته أو امرأته: “اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها ـ أى الزوج ـ  فلا يمسها حتى يتبين حملها من الرجل الغريب.

ونكاح البدل: وفيه يتم تبادل الزوجات، بشكل مؤقت، لغرض المتعة والتغيير. قال ابن زيد كما عند القرطبي فى تفسيره: هذا شيء كانت العرب تفعله، يقول أحدهم: خذ زوجتي وأعطني زوجتك. أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة قوله: “إن البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك”.

وها هى الأيام تدور وتعود قصة تبادل الزوجات فى عصرنا الحديث (تكنلوجيا).

ونكاح المضامدة: وهو أن تتخذ المرأة زوجا إضافيا، زيادة على زوجها!

ونكاح الرهط:حيث يجتمع ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، حتى إذا حملت جمعتهم وسمت ولدها لواحد منهم!

ناهيك عن صاحبات الرايات الحمر، ثم عالم الإماء وتجارة البشر، بل وجد فى قبائل العرب من يقدم زوجته للضيف هدية!

ففي كتاب  تاريخ المستبصر ص 31  أثناء الحديث عن قوم من قبائل العرب: “فإذا نزل بهم ضيف يقول له صاحب البيت: بم تعشى؟ يقول: بكذا … فإذا تعشى يقول الرجل لزوجته: أكرمي الضيف فتجيء المرأة فتنام في حضن الضيف إلى الصباح بلا خوف، ولا حذر، ويقوم الصبح كل يغدو إلى شغله”!

“فإذا خطب زيد بنت عمرو … دخل زيد إلى بنت عمرو وإستفضها، وبات معها طول ليلته، فإذا أصبح خرج وترك نعليه في بيت بنت عمرو، فيعلم أنه رضي بها، فحينئذ يعقد عقد النكاح. وإن لبس حذاءه وغدا علم عمرو أن زيدا لم يرض ببنته، وهذا من أجاويد هؤلاء القوم! فتخيل سفهائهم.

وغير هذا الكثير فى العرب والعجم  قبل الإسلام، وبعد انحسار الإسلام فى بيئته الأولى، وبين أهله حتى صار بينهم غريبا  مما يحتاج إلى كتاب، وليس مقالا للوقوف على شأنه.

والفرق بين تجارة الجنس في وقتنا هذا وبين وقت بعث النبي هو التطور التكنولوجي  وسرعة الوصول وسرعة تغيير الأفكار.

جاء النبي والقلوب من حوله تهتف: هذا ما وجدنا عليه أباءنا وأجدادنا. جاء والناس على دين ملوكها قد تخلوا عن أصول الدين الحنيف، والإنسان بلا دين وحش يصعب التكهن بما يمكن أن يقوم به، بل إن وصفه بالوحش دعة وترفا؛ فالوحش أقصى أمانيه أن يقتل فريسته؛ ليأكلها وقت الجوع،  فقتله لغاية، وبعد الأكل، لا يرنو لشيء بخلاف بعض بني البشر الذين قد يقتل الواحد منهم الملايين بدم بارد لا لشيء إلا أنهم خالفوه أو لم يطيعوا له أمرا.

ولن يردع الإنسان القانون؛ فالقوانين تتغير، بل هى من صنعه ووضعه، والطبائع تتبدل، وأعراف الناس لا تدوم، وإلا فنحن كنا أهل مروءة وشهامة، فانظر إلى حالنا اليوم من تحرش واغتصاب.

والمادة والسلطة تكسر كل الحواجز والحوادث المشاهدات، وتوحش الإنسان ـ مع تحفظي على لفظ التوحش ـ لن يردعه قيمة أو مبدأ، أو حتى الجماهير، فحتى الجماهير يمكن أن تغير مبادئها إن أشعرتها بالخوف والتهديد، أو يمكن إسكاتها بقوة المدافع والصواريخ.

والإنسان لديه استعداد  لقبول أقصى درجات التشدد وأقصى درجات الانحلال، وسيعيش في أي منها مزهوا بما حقق في ذلك  سنوات، لكن كلا من التشدد والانحلال سيكون بداية الانهيار؛ لأنه كلا الطرفين ـ المتشدد والمنحل  ـ هو  ضد الفطرة وطبيعة البشر التى خلق الله الناس عليها، وسيشقى بها أصحابها ولو بعد حين.

إن ما يردع الإنسان هو الإيمان. الإيمان الذي يلامس القلب فتطوع فيه النفس قوتها وتكبح جماحها فتغلق أبواب الشر بداخلها وتعطي المفتاح للدين في ثوب الإيمان فينقاد الإنسان.

ولأن الدين “عندي” هو مصدر الأخلاق الوحيد؛ كان مع الإنسان منذ هبوطه إلى الأرض، وما يعيشه اليوم من إنسانية هي من بقايا الدين, الدين الحقيقي وليس الدين المزيف الذي صنعه البعض على عينه، أو زيفته التعصبات والأهواء فحرف عن مضمونه في بعضه، وحرف عن أصله وفصله فى البعض الآخر.

وإلا فما المانع من زنى المحارم أو الجنس الجماعي  أو زواج المثل أو قتل الأبرياء أوالظلم والفساد وأكل الحقوق؟

إنه الدين بما يطبقه المؤمنون ـ وليس المتمسحون باسمه ـ  على قواعده الصحيحة وأصوله؛ لأن تطبيق الدين على غير قواعده وأصوله سيجعل الدين ـ المحرف وقتها ـ نقمة، وليس نعمة أو سلاما يلقى على الأرض، والنبي أتى ليتمم مكارم الأخلاق.

 

إذا ماذا فعل النبي؟

الحب:

إن أول اللبنات التى وضعت كانت الحب. فالحب قوة عظيمة تغير ما لم يتكن يتخيل يوما أن يتغير. ولأنه لا يمكن أن تترك ما تألف وتريد، إلا بحب أقوى مما تألف وتريد، ترى فيه ما يستحق التضحية وقبول ما لم تكن تقبله من قبل أبدا.

فقيل:

أغرك مني أن حبك قاتلي … وأنك مهما تأمري القلب يفعل

وقيل:

ما لي  سِوَى روحي وباذِلُ نفسِهِ … فـي حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف
فلَئِنْ  رَضِـيتَ  بها فقد أسعَفْتَني … يا خَيبَة المَسْعَى إذا لم تُسْــعِفِ

وقيل : ما أقوى الحب ، فهو يجعل من الوحش إنساناً، وحيناً يجعل الإنسان وحشاً. ولابد أن يكون المحبوب جديرا أن تترك له كل هذا، فتخلع ماضيك في فرح وتموت من أجله في فرح، وإذا تعبت قال الجسد رغم التعب: لبيك.  فكان المحبوب هو “الله” مالك الملك خالق الناس جميعا خالق السماوات والأرض ومن فيهن، فهان أمام حب الله كل عسير، وبالحب تمتلك الرقاب، فلما قال الله: انتهوا! قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

 

التدرج:

وهي من سنن الله فلابد أن يتحلى القلب بالإيمان؛ حتى يتخلى عما سواه، ومانعه، فلا شك أن التحلي هنا قبل التخلي، وبالعكس، يصير التخلي عن أضداد الإيمان قبل التحلي فلا يدخل الإيمان على شك أو ريبة أو دخن؛ فالتحلي قبل التخلي، أو التخلي قبل التحلي، يصيران هنا فى معنى واحد. وفي هذا يقول تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً }الإسراء:106) ، يقول الفخر …. لا جرم نزلت التكاليف قليلا قليلا، فكان تحملها أسهل”.

ومنه قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: إنما نزل أوَّل ما نزل منه – أي القرآن – سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا) رواه البخاري .

وفي شرحه يقول الإمام  ابن حجر العسقلاني: “أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب النزول، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا لا ندعها، وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف” .

ووحده الحب والحب وحده هو ما يدفع المؤمنين إلى تنفيذ أوامر الله فى السر والعلن على أنفسهم وأهليهم، ومن أو ما يحبون، وما سوى ذلك إيمان منقوص.

 

الاستمرار:

إن هذا الدين وأوامره مستمرين إلى قيام الساعة، فلا يتغير بتغير الزمان أو المكان أو الحال ـ بخلاف الفتوى ـ غير قابل للتبديل أو التغيير لا يأخذ بعضه ويترك بعضه، بل يأخذه كله. فلا تنقطع الصلة فى زمن أو عصر أو موقف لهوى حاكم أو صاحب سلطة؛ فالكل تحت راية الشريعة سواء، رغم ما يحاول “علماء السلاطين والعملاء”  بثه بين الناس بخلاف هذا.

 

الحلال واسع:

فتعامل المرأة والرجل فى صدر الإسلام  تعامل فطري، رغم كل السوابق التى ذكرنا بعضها، لكن الإسلام أعاد ترتيب النظرة وتصحيح التعامل بينهما من جديد، فكانت فيه  النساء شقائق الرجال، وكان فيه الاختلاط المنضبط بالشرع الذي اجتمع فيه الرجال والنساء على عهد رسول الله في المسجد والجهاد والنصيحة بغير حاجز، إلا حاجز التقوى.

وكلمة اختلاط المقصود بها أن يجمع الرجال والنساء عمل واحد (مدني أو عسكري) أو بحث ـ ميداني أو مكتبي ـ أو دعوة ـ دينية أو اجتماعية ـ واحدة، أو لقاء أسري فيه غير المحارم، أو مع من يسمون بأصدقاء العائلة أو أي لقاء غير متكلف لحاجة مشروعة أو لضرورة، وهذا بخلاف الاختلاط الطبيعي، كإلقاء في الطريق والمواصلات وفلاحة الأرض وغيرها.

فالمقبول منه هو ما يكون فيه الطرفان ملتزمين بأداب الدين فى اللقاء، مثل عدم الخلوة أو التلامس الجسدي، وقد كتب فى هذا مؤلفات، لكن أبى الكثيرون إلا الانحطاط، حتى وصلنا إلى نموذج (سي السيد)، تلك الشخصية “القذرة” التي مهدت لصعود النداءات “المحرمة” بكسر كل الحواجز، حتى حاجز الدين نفسه، وطبيعي أنك لما تغلق أبواب المباح تفتح تلقائيا أبواب الحرام، والعكس بالعكس، ولذلك لم يتعامل الشرع بطريقة الإفراط في سد الذرائع، حتى غدا سد الذريعة أصلا، وصار الشرع أمام سد الذريعة غريبا، وأيضا لو منعت اختلاط الرجال بالنساء اختلاطا “منضبطا” لتشوف كل فريق إلى رؤية الفريق الآخر، وإذا فتحت اللقاء على “البحري”  انتهك فيه كل شيء، فلا يبقى، إلا الهوى والمجون، ولكن الدين ورسول الله، هو الممثل الوحيد له أوضح باللسان والفعل كيف يكون التعامل بين الرجال والنساء (اللهم إلا خصوصيات أمهات المؤمنين).

حتى إذا ضرب الحب قلب أحدهم من إحداهن أو العكس وسط هذا الاختلاط  كان قوله صلى الله عليه وسلم: “لم ير للمتحابين مثل النكاح” أي الزواج؛ لأنه لا سبيل لعلاقة عاطفية أو جنسية بين رجل وأمرأة فى الإسلام إلا عن طريق  الزواج.

 

التجربة (السنة):

مارس النبي بنفسه، وعلم المؤمنين من بعده، كيفية التعامل مع المحارم وغير المحارم من النساء تعاملا، امتزج فيه المزاح: كما كان مع سودة وعائشة وزينب والعجوز. والإعانة: كما كان مع الأرملة والأمة وأسماء بنت أبي بكر.  والإجارة: كما كان مع أم هانئ وزينب بنت رسول الله. والصلاة: كحديث صلاة الحسناء، وتأخر النساء في الرفع. والجهاد: كأم سليم وأم عطية وأم عمارة وأم حرام رضي الله عنهن. والفرح والغناء: كيوم بعاث وغناء الناذرة. والنصيحة: كأسماء بنت يزيد.

ولاشك عندي أن صعود شخصية مثل شخصية (سي السيد) كان ملازما لفتاوى “استحسانية” تصورت الستر والعفة بطريقتها ومزاجها، ثم روجت لها، وأقنعت العامة والبسطاء، وكشأن كل انحراف يبدأ بسيطا، لكن نهايته تكون كارثية، كذلك كان الأمر؛ فكثرة الضغط (خصوصا مع هذا الانفتاح) تولد الانفجار وخرجت علينا فتاوى منحطة كتلك التى قالت: إنه على الرجال منع النساء من التعليم؛ لأن المرأة إن تعلمت كتبت الجوابات الغرامية!

وقال آخر: يحرم ركوب المرأة قيادة السيارة؛ حتى لا تقابل العشيق، رغم أنها ركبت فى عهد رسول الله الجمال والبغال. وقال ثالث: إن فساد الزمان مانع (رغم أن فساد الزمان لا يستوجب العزلة وتحريم المباح، بل يستوجب التغيير مع الحيطة والحذر الذي لا خلاف عليه؛ لأنه لو سايرنا فساد الزمن سيتغير الدين، وليس الحال ورسول الله أتى والناس في فساد عظيم من كافة النواحي، فتعامل مع هذا الجيل الفاسد، حتى أصلحه بإذن الله، فأخرج لنا هذا الجيل الفريد.

 

الوسطية :

فالإسلام يحث على الشجاعة في غير تهور، وعلى الكرم في غير إسراف أو سفه، وكذا على إمتاع كلا الزوجين بعضهم بعضا بغير حد ولا سقف ولا تصور، إلا ما منع الله منه، وهو محدد فى القرأن والسنة الصحيحة، وأؤكد على (الصحيحة) مع التنوع والتجمل؛ لأن الإسلام لا يحب الرتابة، حتى في العبادة، فما بالك بالزواج، وكذا يمنع الرهبانية المزعومة.

 

التحريم:

فقد حرم الإسلام كل طريق يؤدي للزنا: فحرم النظرة الحرام، وأوجب الاستئذان قبل الدخول والتستر والتوبة، وعدم نشر تلك الفواحش لمن ابتلي ووقع، وحرم التجسس والخلوة ويجب التفريق في المحرمات  بين الزهد والورع الذي يحاول البعض تعميمه على الناس وبين الشرع الذي أنزل للناس كافة.

 

التحرر:

فلإنسان الذي يمتنع ويدفع بنفسه جماح شهواته لا يمكن أن يكون عبدا لها تحركه وتبيعه، بل هو فى حرب معها لما يراها تحركه نحو المهلكة، فهو عبد لله لا لشهوته أو الناس.

وإلا فانظر إلى جنون عمليات التجميل ووضع معايير للجمال، رغم أن الجمال نسبي، التي تعبر عن عبادة الجسد ونظرة الناس.

ولأن حالنا اليوم كما ترى، وانتشار الإباحية كما ترى، فوجب الدفع والتصحيح فى آن واحد، فيجب إعلان رفض الإباحية، والتعامل مع من يصيبه غبارها تعامل المريض مع المرض، لا تعامل الصديق مع الصديق تعامل من يرجو توبة، ويسعى لمحو كل صلة تقربه من هذا القذر، مع إيجاد طريقة مناسبة للعودة الصحيحة ومقاومة الإباحية حول العالم يكون الإنسان هو الرافض الذاتي لها،  وليس الممنوع بالقانون.

وكل نقطة من هذه تحتاج إلى كتيب لتوضيحها، ولكن أكتفي بهذا، وأقول أنه وجب من اليوم طرد الإباحية من حياتنا، وتطوير المواجهة، رغم أنه على الأرض صعوبات كثيرة، مثل واقع الحريات العامة وحقوق الإنسان في بلادنا، وتهميش الدين والعمل الاجتماعي والسياسي والحزبي مع الفقر واليأس، ولكن يبقى هناك  أشخاص يؤمنون ويفهون معنى القابضين على الجمر، والإباحية إحدى تلك الجمرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد