«أنا أشك إذن أنا أفكر؛ إذن أنا موجود».

عندما نتحدث عن مبدأ الشك فإن أول من يقفز إلى الذهن على الفور هو الفيلسوف الفرنسي «رينيه ديكارت» أبو الفلسفة الحديثة، الذي أسس في أوائل القرن السابع عشر منهجه الفلسفي الديكارتي الحديث القائم على مزج الرياضيات بالفلسفة في محاولته للوصول إلى المعرفة واليقين.

الحقيقة إنني كثيرًا ما تساءلت: لماذا لا ننسب الفضل لأصحابه؟ لماذا لا نعود بالتاريخ للوراء حين فجر التاريخ لنشهد معًا بدايات بزوغ علوم الشك الإنساني مع نظريات النبي إبراهيم الذي اعتمد الشك منهجًا أساسيًّا في تفكيره للوصول إلى المعرفة الخالصة من كل غرض، والمجردة من أي هوى. لقد استنبط إبراهيم وجود الإله والعالم وخلود النفس من خلال وجود الأنا التي تفكر، أي أنه أسس بالضبط المبدأ الذي استند إليه ديكارت بعد ذلك بأكثر من 3 آلاف عام! رفض إبراهيم أن يرضخ لأفكار قومه في عبادة الأصنام من خلال الشك في جدوى هذه الطقوس والممارسات، انظر معي إلى التشابه الغريب مع أفكار ديكارت الذي يقول في هذا الإطار: «إذا لم يكن في مقدوري الوصول إلى معرفة الحقيقة، فيتعين عليّ أن أفعل ما هو في مقدوري على الأقل، أي التوقف عن كل حكم، وتجنب إعطاء المصداقية لأي شيء باطل»، الغريب أن ديكارت المتهم بالمبالغة في الشك في كل ما حوله، وفي الشك حتى في ذاته ووجوده، هو نفسه لم يزد عما فعله النبي إبراهيم الذي وصل به الشك إلى مدارج لم يكن يجرؤ ديكارت نفسه على بلوغها!

لقد بحث إبراهيم بنفسه عن الإله الحاكم والمدبر لهذا الكون، وفي خلال رحلته للبحث عن الحقيقة اتخذ القمر إلهًا ومن بعده الشمس، ثم رفض كليهما باستخدام المنطق العقلي البحت من منطلق الشك في قدرتهما على التحكم والسيطرة على مقدرات الكون؛ بل إن إبراهيم في الحقيقة قد بلغ به الشك ما هو أصعب وأكبر من ذلك، فعندما استدل إبراهيم بعقله على وجود الله الخالق الأعظم بوصفه قوة كبرى مهيمنة على مقاليد الأمور في الكون، عاد مرة أخرى إلى منهجه الأساسي في الشك الذي لم يستطع أن يتخلى عنه؛ فتجرأ وسأل ربه أن يثبت له بالدليل العملي كيف يحيي الموتى؟ انظر معي إلى العبارة القرآنية الرقيقة التي تشير إلى إجابة الله عن سؤال إبراهيم بخصوص القدرة على إحياء الموتى: «قال أولم تؤمن»؟ مجرد سؤال استفهامي لعلام الغيوب ليس به أدنى قدر من العنف، أو التوبيخ. كان على إبراهيم في هذه اللحظة أن يوضح هدفه من السؤال، وهو أن يطمئن قلبه كما قال هو بنفسه في النص القرآني. حسنًا، الشكوك إذن لا تزال تساور إبراهيم، والأهم من ذلك أن الله لا يعاتبه على تلك الشكوك، ولا يطرده من رحمته؛ بل إنه سبحانه وتعالى يستجيب لرغبة نبيه، ويأمره بذبح الطيور كما في القصة المشهورة؛ ليطمئنه بالدليل العملي أنه بالفعل قادر على إحياء الموتى.

الشاهد هنا أن التساؤلات البشرية الطبيعية للعقل البشري عن ماهية وجود الله ومدى قدرته، هي في حقيقة الأمر تساؤلات مشروعة ولم يجرمها الله، أو يحاسب البشر عليها، وعلى الرغم من هذه الحرية الكبيرة التي منحها الله سبحانه وتعالى للعقل البشري، ما زال هناك الكثيرون الذين يرفضون ما سمح به الله من حرية في الاعتقاد والفكر، ويحرمون ما أحله الله من علوم إنسانية هدفها الوصول إلى صلب الحقيقة وعين المعرفة. لقد اختلط الأمر تمامًا على هؤلاء، ففي الوقت الذي اعتبروا فيه النبي إبراهيم رائدًا للحكمة والمعرفة، ومؤسسًا لعلوم الفطرة الإنسانية، فقد قاموا بتكفير الفلاسفة ومنهم ديكارت الذي سار على نفس النهج والأفكار في معرفة الله من منطلق الشك الذي يفضي إلى اليقين. للعلم فإن ديكارت نفسه كان قد أشار بعد ذلك في كتاباته إلى محدودية العقل البشري المجرد في الإحاطة بالكيان الإلهي غير المحدود.

إن هذا الاستنتاج الذي يضع العقل في منزلته الطبيعية، التي لا يجب أن يتعداها، يعتبر من وجهة نظري أهم نتيجة استطاع ديكارت الوصول إليها في نهايات مشواره الفلسفي الطويل.

يقول ديكارت نصًّا: «إنني أصبحت أدرك الآن بجلاء ووضوح وجود إله قدير وخير لدرجة لا حدود لها».

في الختام، فإنني لا أملك سوى الاندهاش من أن مذهب الشك الديكارتي الذي كان ذريعة لاتجاه البعض ممن أساؤوا فهمه إلى الإلحاد لم يصل بديكارت شخصيًّا إلا لزيادة اليقين بوجود الإله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد