دائمًا ما تؤرخ الأمم لنفسها بأحداثها العظام التي مرت بها والتي كان لها الفضل الأكبر في بناءحاضرها وصناعة مستقبلها، وأمتنا أمة الإسلام تاريخها مليء بالأحداث العظام التي لم تؤثر عليها وفقط بل تغير بها وجه العالم، وكل منها سيظل نبراسًا يضيء للأمة طريقها وتستشرف به مستقبلها، فميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثته، وهجرته، وانتصاراته، والفتح، ووفاته كلها أحداث عظام كان لها الأثر البالغ في حياة الأمة الإسلامية والجماعة الإنسانية، ولذا نتساءل: لماذا كانت الهجرة هي الحدث الأعظم من بين هذه الأحداث ليقع اختيار الصحب الكرام عليه ليؤرخوا به للأمة؟!

إن الصحابة كانوا يبحثون عن حدث اشتركت كل عناصر الأمة في صنعه، حدث لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بالفكرة، إذ إنهم يفهمون جيدًا أنهم جنود فكرة وعقيدة، ويفهمون كذلك أن فكرة الإسلام لا تقوم إلا من خلال الجماعة المسلمة، وأن كل فرد في هذه الجماعة إنما هو حارس على ثغر من ثغور هذه الفكرة، وأن جهد الفرد مهما عظم فهو قليل تجاه ما يتطلبه إقامة فكرة الإسلام في الأرض، فكان حدث الهجرة هو الرابح من بين كل هذه الأحداث العظام، إذ اشترك في صنعه كل عناصر الأمة، الرجل والمرأة،والطفل والشاب والشيخ، بل والمسلم وغير المسلم، فكان دليلهم في الهجرة عبد الله بن أريقط ولما يسلم بعد!

وكان أعظم حدث على الإطلاق إذ تحول به الإسلام من مجرد فلسفات ونظريات تسكن العقول إلى واقع معاش يتعامل به المسلمون، فأقيمت الدولة لتصون الأعراض، وتحفظ الدماء، وتحقق الأمن، وتنشر الوعي، وتنفذ القانون، واعترف العالم بهذا الكيان السياسي الجديد وهذه القوة الفاعلة على الأرض، يبرم معها المعاهدات، ويتبادل معها الرسائل، وتسارع القبائل بالدخول في حلفها لتنعم بالأمن في كنفها والاستقرار والرخاء تحت لوائها!

فهل لثورتنا المباركة أهداف غير هذه الأهداف؟! هل لنا طموح فوق امتلاكنا إرادتنا والتخلص من المجرمين وإقامة دولة القانون التي تصون الحريات وتحقق العدالة وتحقن الدماء وتحفظ الأموال والأعراض؟ هل لنا هدف أسمى من تحكيم شرعة الله فينا وإسعاد العالم بدين الله؟! وهذا الأمل العظيم والحلم الكبير لن يتحقق أيضًا على أرض الواقع إلا إذا تعاونت كل عناصر الأمة كيانات وأفرادًا، وعلى قدر تعاونها على قدر اقترابها من تحقيق حلمها وبلوغ أملها.
ولذا نستلهم من الهجرة ألا يغرد كل منا بعيدًا عن السرب الثوري، وأن نسارع إلى الاصطفاف الوطني، وأن نتلاقى على أكبر قدر من القواسم المشتركة بعيدًا عن دعاوى التخوين، وإلا فتفرقنا لن يزيدنا عن إنجاح ثورتنا إلا بعدًا، ويطول علينا الأمد حتى نمل ويملنا شعبنا الذي يستغيث بنا لتخليصه من ظلم الظالمين وإجرام المجرمين، فلنخلص النية لله ولنتجرد لفكرتنا ولنوحد الصف ولنعمل ولنترقب بعد ذلك النصر «وبشر المؤمنين».

والمتأمل في أحداث الهجرة النبوية يسترعيه الكثير من المعاني والقيم التي بعد أن غابت عنا وعن أمتنا أصبح حالنا على نحو ما نرى.

استوقفني كثيرًا ذلك الموقف لفرعون هذه الأمة عمرو بن هشام والذي ناصب هذه الدعوة العداء منذ أول أيامها ومنذ صدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأل جهدًا في صد الناس عنها وإلحاق الأذى بكل من انتسب إليها، حتى قاده شيطانه إلى التخطيط لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض فكرته الشيطانية على قومه فأجابوه بأن يجمعوا من كل قبيلة شابًا جلدًا ويحيطوا ببيت رسول الله (ص) حتى إذا ما خرج يضربونه ضربة رجل واحد فيتوزع دمه على القبائل فلا تستطيع بنو هاشم أن تثأر لدمه من كل العرب وتقبل فيه الدية.

وأحاط الشباب ببيت رسول الله منتظرين خروجه حتى أعياهم الوقوف، فذهب أحدهم إلى أبي جهل متسائلًا: يا أبا الحكم، أنحن قاتلو محمد قاتلوه قاتلوه؟!
فقال له أبو جهل: ويحك نعم فلم جئنا إلى هنا إذن؟! فقال له الشاب: فما الذي يمنعنا من أن نتسور عليه بيته؟!
فإذا بأبي جهل يقول له: أتريد أن يقول الناس إن أبا الحكم قد روع بنات محمد!
أبو جهل لا يريد أن يروع بنات رسول الله ولا يريد أن يفجعهن بقتل أبيهن أمام أعينهن! ولا يريد أن ينتهك حرمة البيت ولا أن يهتك ستره!

بل إنه كما روي لما تتبع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى بيت أبي بكر واستشاط غضبًا لما لم يجده وصاحبه حتى لطم أسماء فعاتبته نفسه وقال لمن حوله: اكتموا عني هذه الفعلة حتى لا يقول الناس إن أبا الحكم قد أخذ أسماء بذنب أبيها!

إن كان ذلك الخير (والذي يقصد به وجه الناس) كامنًا في قلب أبي جهل فرعون هذه الأمة فحتمًا هو كامن في قلوب الموحدين إلا أنه يحتاج إلى الداعية الصادق المخلص الذي يستثير هذا الخير الكامن في هذه القلوب ويوقظ إيمانها ذاك المخدر ويكون لخيرها عونًا على شرها!

إن الجاهلية التي بعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم والأذى الذي لحق به من قومه رغم الخير الذي حمله إليهم وتاريخه المشرف بينهم لا تبتعد تلك الصورة كثيرًا عن حقيقة الواقع الذي نعيش فيه، ومع ذلك صبر النبي على قومه ولم ينظر إلى نصف الكوب الفارغ بل كان نظره ممتدًا إلى نصف الكوب المملوء وأيقن أن الخير قد يكمن في الشر فكان الطبيب الحذق لأدواء أمته واستطاع بصبره وإيمانه وثقته في موعود ربه وعمله الدائب أن يحول شبه الجزيرة العربية من أمة استشرى فيها الفساد بكل ألوانه ومعانيه إلى خير أمة أخرجت للناس كل ذلك في ثلاث وعشرين سنة!

فلا نفقد الأمل في المجتمع أحبتي ولننقب عن الخير الذي فيه وهو كثير كثير كثير نراه بأعيننا في مسيراتنا المتواصلة منذ الانقلاب وحتى يومنا هذا، فليس كل من في هذه التظاهرات من الإخوان، وما جعلهم يعرضون أنفسهم للمهالك إلا حب الحق وبغض الباطل، ونراه على شاشات التلفاز فليس كل من ينافح عن الحق عليها من الإخوان، وأوقن أن الغالبية في هذا المجتمع يحب الحق ويبغض الباطل إلا أنهم يحتاجون إلى الداعية الصادق الصابر المحتسب الذي يحسن عرض قضيته ويحسن التواصل مع الناس ويكون في مقدمة الباذلين وطليعة المضحين، فتفاءلوا أحبتي وثقوا بالمجتمع حتى يثق بكم واعلموا أن رهانكم عليه ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.

ومن المواقف التي تستحق أن نتأملها أيضًا موقف علي بن أبي طالب عندما نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم مستعدًا أن تناله سيوف المشركين ولا أن يشاك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة! يقدم نفسه للموت فداءً لدعوته وانتصارًا لمبادئه. وكذلك موقف أبي بكر حين دخل الغار قبل رسول الله ليخلصه من أي آفة من الممكن أن تصيب رسول الله فيسد الجحور التي به حتى لم يبق إلا موضع جحرين فألقمهما قدميه ليدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وينام على فخذ أبي بكر الذي لم يسلم من اللدغ لتنزل دموعه من شدة الألم على وجه رسول الله، فتوقظه ليمسح بريقه الشريف على موضع اللدغ فيبرأ أبو بكر! بل إنه رضي الله عنه وأثناء المسير إلى المدينة رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة يمشي أمامه وتارة يمشي خلفه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله خشية أن يأتي سهم غادر من هنا أو هنالك ينال من رسول الله، يقدم نحره الكريم دون نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه يوقن أن الحفاظ على رسول الله حفاظ على الدين وانتصار لمبادئه وقيمه! وكأنهما رضي الله عنهما يقولان بلسان الحال قبل المقال: أموت وتحيا دعوتي.
إن رسالة المصلحين أحبتي في هذه الحياة هي الجهاد لإرساء المبادئ والقيم التي لا قوام للحياة إلا بها، ويشملها جميعها: لا إله إلا الله، ومن مفرداتها الحرية والعدالة، والمبدأ عندما يرسى تسعد به أجيال متعاقبة، وعندما يغيب يشقى الناس حتى يرجع بينهم ذلك المبدأ وقد يحتاج ذلك إلى الكثير من التضحيات.

وثورتنا وكل ثورات الربيع العربي لم تكن إلا لإرساء هذه المبادئ، من حرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية، من أجل أن تمتلك الأمة إرادتها وتختار بنفسها من يمثلها ويعبر عنها، من أجل أن يكون التغيير من خلالها، من أجل تحقيق الديمقراطية التي طالما تغنى الانقلابيون بها، وانقلبوا عليها عندما اختار الناس من يمثل هويتهم ويحكم شرعة الله فيهم ويذكرهم بعصور خلت سعد العالم فيها بدين الله ودان فيها لدولة الإسلام بالولاء والطاعة. فلا تستكثروا بذلكم وتضحياتكم ولا تعجبوا من أمر إخوانكم المهددين بشبح الإعدامات وهم يستطيعون أن ينجوا بأنفسهم وأن يبيعوا القضية ولكنه الإيمان ووضوح الرؤية وعهدهم الذي عاهدوا الله عليه ألا يخونوا الله في بلادهم وأمتهم. فالثبات الثبات والصبر الصبر والعمل العمل وقريبًا نفرح بنصر الله ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا.

واستوقفني كذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة وهو في طريق هجرته والمخاطر تحيط به من كل جانب، وغيره في هذا الموطن ربما لا يأمن على بولته، وهو المطارد والمهاجر الذي أخرج قسرًا من وطنه حيث بيته وأهله وماله إلى مجهول لا يعلم حقيقته إلا الله، يقول له: كيف بك إذا لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه؟ فقال سراقة: كسرى بن هرمز؟! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم!

ثقة وأمل امتلأ بهما قلب صاحب الدعوة الأول وأصحابه من بعده، ففتح الله لهم الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، واستطاع بإيمانه وعمله المتواصل في ثلاث وعشرين سنة فقط أن يحول شبه الجزيرة العربية من أمة استشرى فيها الفساد بكل ألوانه ومعانيه إلى خير أمة أخرجت للناس، فبدون الثقة في موعود الله، والأمل الذي لا يخالطه يأس، لا يمكن لسائر في طريق الله أن يصل، ولا لدعوته أن تنجح، فلنجدد أيها الأحباب إيماننا، ولنثق أن العزة لله، والنصر للمؤمنين، والعاقبة للمتقين، وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، جعل الله هذا العام عام زوال للظلم، وهلاك للظالمين، وفرج للمكروبين، ونصر للمؤمنين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد