لا بد أنك تعرف النذر اليسير عن برنامج (قصص الأنبياء)، ذلك البرنامج الرمضاني الشهير الذي كانت كل شخصياته تُشكَّل من الصلصال، وكان يتناول في كل حلقة شخصية أحد الأنبياء.

 

 

 

 

ربما يكون الارتباط بالنسبة إليك رمضانيًا خالصًا، وربما هو بدافع النوستالجيا على اعتبار أنك قد تربيت على مشاهدتها في سنين طفولتك، لكن هذا لا يهم الآن. فبعد أن كبرنا بدأنا نرى قصص الأنبياء على الطريقة الهوليودية، التي تتم غالبًا دون الارتكاز الكلي على أية عقيدة من العقائد الثلاث فيتم الإضافة أو الحذف والمبالغة لخدمة السياق الدرامي، مما يثيرُ جدلًا واسعًا عن صحة تلك الأفلام، ومشروعية صناعتها من الأساس.

 

 

 
يقول “الحاخام ستيفن ويل” نائب الرئيس التنفيذي للاتحاد الأرثوذوكسي: “إن أجندات هوليود هي أن تبيع أفلاما وتجعلها جديرة بالإعجاب، وليس بالضرورة أن تقنع بحقائق تاريخية أو بدقتها أو بقيم ثيولوجية.”

 

 

 

 
في هذا التقرير ثلاثة أفلام سببت ردود أفعال كثيرة ومتنوعة على الصعيدين العربي والعالمي.

 

 

  ( آلام المسيح ) The Passion Of The Christ

تدور أحداث الفيلم في الناصرة بفلسطين في العام 30م ، عن آخر 12 ساعة في حياة المسيح،  الذي كان قد بدأ يبشر بديانة غير اليهودية والوثنية، فلسطين وقتها كانت واحدة من المقاطعات التابعة للإمبراطورية الرومانية التي كانت تمارس مظالم كثيرة على اليهود في ذلك الوقت، وفي العقيدة اليهودية نبوءة(انتظار المسيا  أو المسيح ) وهو شخص من نسل داوود عليه السلام، سيخلصهم من الويلات ويخلص الأرض المقدسة من الشرور.

 

 

 

 

 

لكن المجلس اليهودي الحاكم قد قرر التخلص من يسوع بالقبض عليه وتسليمه للسلطات الرومانية بتهمة الخيانة، وقد ساعدهم على ذلك أحد تلاميذه وهو يهوذا الإسخريوطي. يتطرق الفيلم إلى كيفية قتله وتعذيبه. الفيلم من إنتاج عام 2004م ، من إخراج وكتابة ميل جيبسون.

 

 

 
أثار الفيلم جدلًا واسعًا وقت عرضه، واتُهِم صناعه بمعاداتهم للسامية، كما أُخذ على الفيلم مشاهد الدم والتعذيب الكثيرة، إلا أنه حقق نجاحًا ماديًا كبيرًا. بينما على الصعيد العربي كان هناك فريقان:

 
فريق اهتم بمتابعة الفيلم وهم الأقليات المسيحية في لبنان وسوريا وبعض البلدان، نظرًا لأن الفيلم كان مكتوبًا باللغة الآرامية، كما أنه لم يسبق لفيلم أن تطرق لهذه الحقبة بتلك الدقة والجودة في الإخراج.

 

 

 

 
وفريق آخر انتابه الغضب إزاء الفيلم فتمت إصدار الفتاوى بتحريم مشاهدته، وعدم مشروعية تجسيد الأنبياء، فأصدرت المملكة العربية السعودية، ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف فتوى بعدم عرض الفيلم. لكنه عُرض في النهاية في خمس صالات فقط في مصر.

 

 

 

   ( نوح ) Noah

يقول المخرج دارين أرونوفسكي الذي يقدم نفسه على أنه مُلحد، أن الفيلم “مستلهم من قصة نوح” كي يغلق الباب أمام التأويلات الدينية للقصة، وأنه مجرد استلهام من قصة الطوفان وليس تناولًا لحياة نوح عليه السلام.

 

 

 

 

 

 

الجدير بالذكر هنا أن قصة الطوفان لم ترد في عقائد الديانات الإبراهيمية الثلاث فقط، وإنما لها جانب أسطوري أيضًا. فقد تم العثور على الألواح الطينية الإثنى عشر الخاصة بمعركة جلجامش (أقدم قصة كتبها الإنسان) في أحد المواقع الأثرية في عام 1853م وعليها قصة الطوفان. كما تم التطرق إلى قصة الطوفان وصناعة السفينة في مرويات ومأثورات الحضارة السومرية. كل هذا قبل الديانات الإبراهيمية جميعها.

 

 

 

 

 

كالعادة رفض الأزهر الشريف عرض أي أفلام تجسد الأنبياء، فتم منعه في الكثير من الدول العربية، ووُوجه بالنقد الشديد بين الأوساط الدينية في الولايات المُتحدة، إلا أنه قد عُرض في النهاية وحقق انتشارًا واسعًا. الفيلم من إنتاج عام 2014م.

 

 

 

 

 

 

  (سفر الخروج : آلهة وملوك) Exodus: Gods and Kings


آخر الأفلام التي تناولت قصة نبي من الأنبياء، من بطولة كريستيان بيل، وإخراج رايدلي سكوت. تدور أحداث الفيلم في مصر القديمة، تحكي قصة موسى وتخليص اليهود من ظُلم الفرعون، وتحريره لأكثر من 600.000 عبد يهودي، ومعجزة شق البحر إلى الأرض المقدسة، أرض كنعان. تم توجيه انتقادات للمخرج على إسناد الدور لممثلين أصحاب بشرة بيضاء، رغم أنه من المعروف أن غالبية الفراعنة كانوا أصحاب بشرة سمراء.

 

 

 

 

 

 

 

 

الفيلم أثار جدلًا واسعًا حول دقة تناوله للقصة. فقد تم إصدار بيان من وزارة الثقافة المصرية حول أسباب منع عرض الفيلم، أن هناك مغالطات فادحة في العديد من مشاهد الفيلم، حيث يظهر طفل صغير عدة مرات على أنه الوحى الإلهي، الذي يرشد موسى إلى الطريق القويم ، ويملى عليه وصاياه وعقائده ، وكأنه الذات الإلهية الذي تجلى لموسى في طور سيناء، والفيلم يقدم صورة في غاية العنصرية ليهود موسى على أنهم الطبقة القادرة على المقاومة المسلحة.

 

 

 

 

 

 

وأن الفيلم أظهر المصريين على أنهم متوحشون ، يقتلون يهود موسى ويشنقونهم، وينكلون بهم ويمثلون بجثثهم في الشوارع، بصورة بشعة، وهذا يتنافى مع الحقائق التاريخية، حيث إن المصريين القدماء لم يعرفوا عملية الشنق وهذه الأحداث ليس لها أي سند تاريخي، فهذه المشاهد لم تحدث نهائيا ولم يثبت تاريخيا أنها حدثت. هذا البيان أيضًا قوبل بالرفض من جبهة الإبداع وتم إصدار بيان آخر للرد.

 

 

 

 
إلا أن موقف الأزهر ظل كما هو “نرفض تمامًا أي عمل فني يجسد نبيا من الأنبياء”.
 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

ما بين المغالطات التاريخية، والمبالغات السينيمائية تتوه حكاياتنا التي كانت لا بُد أن تروى لكن .. بصِدق. بعيدًا عن الإضافات والحذف أو تبني هذه الرؤى أو تلك.

 

 

 
إن الجرائم التي ارتكبناها بحق تراثنا كثيرة، لم تقتصر فقط على إخفاء الكثير من كتب التراث التي هي ملك للبشرية كلها وعدم الاهتمام بإظهارها، بل وصل بنا الأمر أن نُنتج أفلامًا تقدَّم لشبابنا بها من المغالطات ما لا يصح السكوت عليه بحال من الأحوال، فالصورة تصل إلى الكثيرين على عكس الكتُب في هذه الأيام. خُذ على سبيل المثال لا الحصر فيلم الرسالة، والشيماء، وفجر الإسلام، وصلاح الدين الأيوبي. كلها أفلام حققت انتشارًا واسعًا. إلا أنها مليئة بالأخطاء.

 

 

 

 

 

 

فور الإعلان عن صدور أي فيلم أجنبي يتناول جانبًا من تاريخنا أو من عقيدتنا بصورة نراها غير مناسبة، نقضي شهورًا في انتقاد (الغربيين) على تزوريهم في تاريخنا، وحكاياتنا _التي فشلنا أن نرويها_ دون حتى أن نواجه الصورة بالصورة فنُعدِّل على القصة ونضيف الحقائق التي حذفوها، ونحذف ما قد أضافوا من أحداث لا أصل لها. بل إننا نصدر قرارات بمنع هذه الفيلم أو ذاك من العرض في صالات بلادنا المسلمة المتدينة التي لا تقبل تزويرًا ولا تلفيقًا في الأمور! في انتظار الفيلم القادم.

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد