في المقالة السابقة  كنت قد – طرحت أسباب أزمة التعليم الطبي السبعة- وإن كنت قد أغفلت شيئًا منها فذلك لقصر نظرتي البشرية إلى الأمور. ولكن المشكلات لا تعرض لغاية العرض في حد ذاته، وإنما لنبحث لها عن حلول، وفي هذه المقالة أطرح بين أيديكم بعضَ الرؤى التي قد تساهم في الحل.

الحلول لا بد وأن تبدأ من تحديد فكرة أساسية يقوم عليها التعليم الطبي بدلاً من أن تسير العملية بمبدأ (يوم بيوم) وهذه الفكرة تعرف في علوم الإدارة بالرؤية. رأيت رُؤىً كثيرة لمؤسسات تعليمية لكنها لا تتعدى كونها (أي كلام وخلاص) من باب: حتى لا تكون المؤسسة بلا رؤية، ولذلك تكتب في عجالة حتى دون معرفة ماهية الرؤية، أو كما يقال (دي دباجة أي حد يكتبها).

الرؤية هي – كما يقول السويدان في كتابه كيف تكتب خطة استراتيجية– صورة ذهنية للمستقبل المنشود للمؤسسة ويتم تحديدها من خلال الطريقة التالية:

يجتمع فريق التخطيط ليسأل نفسه:

كم هي مدة الخطة؟ ثم يطلب قائد الفريق من باقي الأعضاء أن يكتب كلٌ منهم توقعاته عما قد تنجزه المؤسسة خلال تلك الفترة في كل مجالٍ من مجالات العمل من خلال معرفته بالمؤسسة وإمكاناتها، ثم تطرح الآراء حتى يتم الوصول إلى اتفاق، تتم صياغته فيما بعد في صورة جملة واحدة تعبر عن الصورة المنشودة للمؤسسة بعد انتهاء فترة الخطة، ثم يكتب الفريق شرحًا تفصيليًّا لطموحاته تلك، يحدد من خلاله مقياسًا عمليًّا يمكن به الحكم على تحقق الرؤية من عدمه.

ثم تأتي الخطوة التالية وهي كتابة الرسالة، والتي تعد شعارًا للمؤسسة (الجامعة) خلال فترة الخطة، بحيث تكون: واضحة، مختصرة، سهلة الحفظ، تصف بدقة ماهية المؤسسة، تركز على تميز المؤسسة عن غيرها، وتنطق بقيم المؤسسة المطلوب تحقيقيها في الرؤية. هذه الخطوة لا تقل أهمية عن خطوة الرؤية حيث إن المرجو منها هو اقتناع كل فرد في المؤسسة أن هناك ما يجب التركيز عليه باستمرار وعدم الحياد عنه إلى مسائل جانبية، هذه هي الرسالة التي ستطبع على منتجات الجامعة وبطاقاتها وكتبها وأفلامها المرئية.

 

لندخل إذًا في المرحلة التالية وهي مرحلة تفتيت الرؤية إلى أجزاء أصغر، أو مرحلة صناعة الأهداف وتنبع من دراسة محايدة للواقع لتخرج لنا عناصره الأربعة (نقاط القوة، نقاط الضعف، الفرص، المخاطر).

نقاط القوة هي ما تمتلكه المؤسسة (الجامعة) بالفعل من إيجابيات محققة وتقوم باستغلالها حتى وإن لم يكن استغلالاً أمثل، فتقوية كل نقطة من تلك النقاط ومد الاستفادة منها إلى أقصى مدى متاح = هدف.

وأما نقاط الضعف فهي ما تعانيه المؤسسة (الجامعة) بالفعل من سلبيات محققة تؤثر عليها بالفعل، وإن كان ذلك الأثر طفيفًا، والتخلص من كل نقطة من تلك النقاط = هدف.

وأما الفرص فهي ما يمكن استغلاله من إيجابيات غير موجودة حاليًا لكنها واردة الحدوث خلال فترة الخطة، واستغلال كل نقطة من تلك الفرص = هدف. وأما المخاطر فهي ما يمكنه إيقاع الضرر بالمؤسسة مما ليس موجود حاليًا، لكنه وارد الحدوث خلال فترة الخطة، وتجنب كل خطر من تلك المخاطر = هدف.

 

بعد الانتهاء من دراسة الواقع وإعداد الأهداف، يجب أن تعاد صياغة كل هدف من تلك الأهداف بحيث يكون (قابلاً للقياس، محددًا بزمن، واقعيًّا، متفقًا عليه بين الجميع، محددَ الأبعاد) ثم يتم حساب الفجوة في الأهداف بين الرؤية المأمولة وبين الواقع الموجود حتى لا نضع قفزات بدلاً من أن نضع أهدافًا.

ما ذكرته للتو، نموذجًا مصغرًا لتفكير علمي لوضع خطة، يمكن الاعتماد عليه في التخطيط للنهوض بالتعليم الطبي، وأدعو من خلال كلماتي تلك إلى أن تجتمع مجالس إدارات الكليات الطبية في مصر للتعاون من خلال منظومة واحدة في تحقيق ذلك، ليستفيد منه أبناء تلك المؤسسات؛ بحيث يتم وضعه في صورة عامة ثم تحققه كل جامعة بالطريقة التي تتناسب وإمكانياتها، لكن يجب أن تحقق الرؤية المنشودة حتى لا يكون ذلك إهدارًا للوقت والجهد في وضع خطة، ثم تذهب أدراج الرياح أثناء التنفيذ. ولا مانع من أن تتبنى أقسام الجودة على مستوى القطر ذلك التوجه.

 

ومن الأفكار التي راودتني للمشكلات السبعة الأساسية والتي يمكن إدراجها ضمن تلك الخطة ما يلي:

 

(1) معيار واضح:

وضع معيار علمي واضح لخريج الطب المصري، بحيث تتوافر فيه شروط معينة كدراسة عدد معين من الأمراض المحددة و إجراء عدد معين من الفحوصات أو الاختبارات الطبية المحددة كذلك (والتي لا يمكن تخرجه بدون إتمامها) بحيث يكون ذلك المعيار معلومًا لدى الطالب والجامعة والمجتمع العلمي. وبالتالي تصبح مهمة كل من الطالب و الجامعة هي استكمال ذلك المعيار العلمي من خلال كراسة خاصة بالطالب ولا مانع من جعلها سجلاً إلكترونيًّا أو الاثنين معًا.

(2) كتب علمية:

عمل سلسلة من الكتب تحتوي المنهج المطلوب من طالب الطب في مراحله المختلفة، تكون مُعتَمَدة من أساتذة الجامعات المصرية، وتعد منهجًا للطب في مصر يشمل الآراء المختلفة في المسائل المختلف عليها، ويا حبذا لو اتفقتم في تلك المسائل على رأيٍ واحد.

لا أرى حرجًا في ذلك (صدقوني)، بدل أن تعج الكتب بالخرافات والخزعبلات وما عفي عليه الزمن ونحو ذلك. تكتب تلك الكتب بمعرفة متخصصين في إعداد الكتب الدراسية تحت إشراف أساتذة الجامعة بصورة جميلة جذابة تحتوي رسومًا إيضاحية و صورًا حقيقية للحالات والاختبارات، بل وتضم – أيضًا– نماذجًا تدريبية أيضًا تيسيرًا على الطالب.

 

تعد تلك الكتب بمقاييس مختلفة لتشمل Hand-book ، والحجم المتوسط، وتطبع طبعات فاخرة مدعمة للطالب لتكون دلالة على ما هو مرجو منها من التقدم وحتى لا تتحول إلى وسيلة جديدة لانهاك الطالب ماديًّا، بدلاً من طباعة المذكرات (الصفراء) والكتب (الكارتونية) الجوفاء، بدلاً من أن تمعنوا في تسفيه ما نقرأه من كتب! اصنعوا لنا بديلاً ملائمًا لقدر المؤسسة الطبية المصرية (المنشودة).

(3) محاضرات أرقى:

هل سألتم أنفسكم يومًا لماذا لا يحضر الطلبة معظم المحاضرات، ويلتزمون بشدة بالمحاضرات السابقة للامتحانات والتي يتقرر فيها المطلوب من غير المطلوب؟!

 

هل سألتم أنفسكم لماذا ينفق الطالب 4 ساعات يوميًا يستمع فيها إلى محاضرة واحدة في الكورس الخاص ولا ينفق ربع ذلك الوقت في الكلية!!

 

إنها طبيعة برجماتية يمتاز بها الطلبة: حيثما كانت مصلحتي سأكون.

 

إن المحاضرة يمكن أن تصبح مكانًا شيقًا ما دام المحاضر لا يلتزم بنصٍ تم تحديده مسبقًا مما يضطره إلى قراءته لنا (فإننا نحسن القراءة بأنفسنا)، وما دام الطالب يحضر فقط من أجل جمع الخبرات.

أحضروا لنا رجلاً خبيرًا يحكى لنا قصته مع الحالة التي يتوجب علينا دراستها وليترك لنا جمع شتات أجزائها الصغيرة المتبقية.

 

من خلال تلك الكتب والمحاضرات ونحوها يجب مراعاة إعداد الطالب لسوق العمل بإكسابه مهارات محددة كما أسلفنا تؤهله للتعامل مع الأوضاع الحقيقية للحالات، وكنت هنا أود الإشارة إلى صعوبة استكمال المنظومة الطبية بدون ضبط المنظومة الصيدلانية المكملة لها وهذا مما يطول الحديث عنه وليس هذا مقامه.

 

(4) نظام تقييم عادل

لا يمكن تقييم الطالب من خلال 3 ساعات في يومٍ من أيام السنة قد يمرض خلاله، أو حتى يتعثر في الاستذكار فيه بينما كان مجدًا مجتهدًا طوال العام.

في كلية الطب يخضع الطالب لعدة اختبارات، تقوم الكلية بتقييمه من خلالها وهي التي تكلمت عنها في المقال السابق، وهذا هو عين الظلم في النظام الطبي.

ما الذي أقصده:

– التوقيت:

 

هلا استبدلتم تلك الاختبارات السنوية والنصف أو الربع سنوية، باختبارات دورية عديدة (اختبار أسبوعي) لتقييم استيعاب الطالب خلال فترة الدراسة؛ مما سيجبر الطلبة على الالتزام والانضباط بدلاً من الإلمام بالمنهج في شهر الاختبارات النهائية، بعض الطلبة سيعترض على ذلك لكن هذا هو العدل، يجب أن يمتاز ذلك الطالب المجتهد طوال العام عن نظيره (الفهلوي أو الغشاش) الذي يحسن التقاط الأسئلة وإجاباتها، فحياة الناس لا تحتاج إجابات منسقة، بل خبرات يتلقاها الطالب بصورة مستمرة.

– النوعية:

يجب أن تكفوا عن تسميع الكتب لنا فالكتب دائمًا في متناول أيدينا، اختبروا ذكاءنا وقدرتنا على التفكير في الحالات الطبية والتعامل معها، وفي اختبارات المعادلات والزمالات الأجنبية خير مثال على الفرق الشاسع بين من يحفظ الطب ومن يتعلم كيف يفكر.

 

أما عن الاختبار العملي Clinical فيجب أن تعاد صياغته بدلاً من تحويله إلى لجنة تحريرية في صورة شفهية أو إلى المريض المزمن (والشيت أبو فلوس).

– الاختبار الشفهي:

لا بأس بتعديله ليصبح (كما هو الحال في بعض الجامعات) عرضًا تقديميًّا يقدمه الطالب خلال أي وقت من العام، لحالة محددة يجتهد في طرحها وعرضها يناقشه الأساتذة فيها ليتأكدوا من مهارات المشافهة لديه وحضور ذهنه ودقته في البحث العلمي، بحيث تحدد النقاط الواضحة التي على أساسها يكون التقييم، يعرفها الطالب والممتحن، وكفاكم هلامية.

 

– النوبتجيات:

يجب أن يعتاد الطالب حياة المشفى بدلاً من أن نتساوى بأي كلية نظرية عادية، لم لا نطالب بالحضور إلى (العيادات والأقسام والطوارئ وحتى الإدارة) لعدة ساعات خلال عدة أيام أسبوعية (بخلاف أوقات المحاضرات) تحت إشراف أساتذة القسم ونائبيه؟!

تحدد مهام الطالب فيها بدقة، بدلاً من أن يتم استغلاله في أعمالٍ تنظيفية تنظيمية لا علمية بحتة، بحيث تضاف تلك الساعات إلى سجل التقييم العام الذي يحدد بدقة مدى براعة المتخرج.

 

– الأبحاث:

كفاكم استهتارًا بعقولنا فإننا ننهي تلك الأبحاث على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) ثم نطبعها ونغلفها. إما أن تصنعوا بحثًا علميًّا حقيقيًّا يقوم عليه أستاذ من القسم ومعه فريق من الطلبة والنواب وإلا فلا.

 

(5) ماجيستير مُيسر محدد المعالم

لم أفهم يومًا وجهة نظر الجامعات في مرحلة الماجيستير والدكتوراه، إنهم يتبارون في التعقيد حتى وصل بهم الحال إلى حد الافتخار بعدد مرات الرسوب في الدرجة العلمية، أي بؤس هذا؟!

 

أضيفوا كتبًا إلى تلك المرحلة كتلك التي لمرحلة البكالوريوس، وقسموا المنهج إلى دفعة من الدورات المحددة يحضرها الطالب عدة أيام في الشهر يتدرب فيها على مهارات عملية ونظرية محددة، ويحضر بناءً على إجازة رسمية من عمل وزارة الصحة حتى لا يخصم من راتبه، ومع نهاية كل دورة من تلك الدورات أعقد له اختبارًا فإن اجتازه أجزه إلى ما بعده وإلا فليعده مع الدفعة التالية من الدورات ولا تعد له كل اختبارات النيابة لكونه رسب في اختبارٍ واحد، ثم أعيدوا النظر في الرسالة نفسها ومدى جدواها للطالب والتعليم والمجتمع الطبي بأسره، ماذا استفدنا من كل تلك الرسائل؟!

 

(6) تعليم مستمر

أظن أن أفضل وسيلة لذلك هي إنشاء جمعيات تخصصية، كجمعية أطباء القلب، وجمعية أطباء الصدر، ونحو ذلك تعمل تلك الجمعيات كنقابات المصغرة، ويكون الهدف منها هو الاهتمام بالتطورات المستمرة في مجال تخصصهم والمحافظة على أهل التخصص الواحد من الحالة المزرية التي نعانيها الآن. (حمار مين اللي كتبلك الدوا دا؟!) هذه الجملة تلخص حال أصحاب التخصص الواحد، إلا من رحم ربي.

 

أما عن سنوات الدراسة فلا أظن أن كلية الطب تحتاج إلى ست سنين ونصف من عمر الطالب بخلاف سنة التدريب العملي (الامتياز). إن تلك الكلية وما فيها يمكن اختصاره في أربع سنوات شاملة للتدريب العملي، وذلك بحذف المتكرر وما لا فائدة منه وما ليس مناسبًا لمستوى طالب البكالوريوس. وأن يعطى الجانب العملي مساحة أكبر من الجوانب المعملية والنظرية أو اختصارًا لذلك في جملة واحدة: أخرجوا لنا طبيبًا (لا كتابًا) في فترة وجيزة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد