الخطاب الشامل

حرصًا على إبقاء طيبات ما ورثناه من أجدادنا، علينا أن نحتفظ دائمًا بحس الدعابة وشرح البديهيات وسفاسف الأمور، ومن تلك الأشياء التي حرصنا على الأبقاء عليها هى الشُورى، بجانب حس الدعابة وشرح البديهيات وسفاسف الأمور، للشورى تاريخ طويل مع الشعوب العربية، ولكنني سأكتفي بحدود تاريخها مع الشعب المصري، بالأخص نظرًا  لاهتمامي يوجه دائم إلى البرلمانات المصرية عبر التاريخ ومستشاري الرئيس وغيرهم.

للشورى في مصر تاريخ طويل، يعود إلى ما قبل مجتمعات أثينا التي علمنا منها صورة البرلمان الأول، بدايةً من هامان ووزير فرعون، الذي كان يسأله فرعون، هل يزال إلهًا أم أن هناك إلهًا آخر! فيجيبه هامان أن لا إله إلا فرعون بالطبع، وكثيرًا ما يستشار هامان لكي يتأكد فرعون أنه يسير على الطريق الصحيح.

وفي عصور أخرى غير زمان فرعون نرى مثلًا أن بعض حُكام الدولة الفاطمية ظن جهرًا أنه الله عز وجل، وهي واقعة الحاكم بأمر الله الشهيرة التي من بعدها لقى مصيره المجهول الذي لا نعرفه حتى اليوم، ولكننا نجد أن أول من أستشارهم كان قاضيه كان من فضائح الشيعة هو أن القاضي لم ينف، ولم يؤكد، بينما ذهب وزيره يمدح رجاحة عقل وإليه، حتى حدثت واقعة الإله والنصف التي صاح بها شعب مصر.

من ثم جاء من بعد الفاطميين وبقية آل أيوب، ثم المماليك إلى أسطول آل عثمان على مشارف المحروسة، حتى تتبدل مسألة الشورى إلى أخذ التركي رأي المملوك، الذي سرعان ما يوافق التركي الرأي، وسرعان ما يقوم الثاني الموافق لرأي الأول إلى التحدث إلى بشوات الإقطاعيين من صنوف البشر غير أهل البلد، بصفتهم ممثلي هذا الشعب، فيُوافق الباشا كلام المملوك، وسرعان ما ينصاع إلى أمر الباشا الفلاح والحارس والخادم المصريين.

لذلك يُعد على مر التاريخ من أخطر الوظائف والمهام التي توظف بها البشر هي أن تكون مصريًا.

في سنوات فرعون والمماليك والفاطميين وآل عثمان وغيرهم، كان دائمًا هناك القلة غير الممثلة، وصفة القلة تلك قد تسع مثلًا شعبًا أو شعبين في بعض الأحيان وبعض القضايا، لنلاحظ مثلًا أنه في عصر الفاطميين كان هناك قلة سُنية تشكل أغلب الشعب المصري، ما عدا أهل القاهرة والذين تمثلوا من متبعي الجامع الأزهر، والذي سرعان ما أعلنوا سُنية مذهبهم من بعد هزيمة الفاطميين، وفي عصر العثمانيين كان هؤلاء الفلاحون وأبناؤهم ممن ليس لهم الحق في دخول الأوساط السياسية ولا الحق في اعتلاء المناصب وبعض الأحيان امتلاك الأراضي.

في الحقيقة لم يكن هناك تمثيل للشعب المصري في جميع عصور وأشكال الحكم إلا في حالتين، بعض الأسر والملوك الفراعنة، ومحاولات التحرر من السلطات الأنجليزية والفرنسية، وأول تمثيل فعلي كان يتمثل في عمر مكرم والشيخ عبد الله الشرقاوي، وكان لهم مصيرهم المعروف بالنفي حينما وصلت رغبتهما إلى الحكم المُمثلة في محمد على.

وحينما تُصبح رغبة الشعب المصري ممثلة في أحمد عرابي كانت كسرة عرابي كسرة من أحبوا هذه البلاد فيما بعد، لم يكن الشعب المصري في زمان أبناء محمد علي شعبًا يهتم بشأن مصر إلا قلة من ضباطها الوطنيين وقلة أخرى من أبناء الأقاليم فيها، وذاك ما يُفسر كسرة عسكرها في القلعة يوم هزيمتهم، وما يفسر يوم حساب حكومتي ابناء محمد علي والإنجليز لضباط الثورة واتباعهم، كيف لم يذكر التاريخ أي تمرد أو خروج على هؤلاء.

حتى أتيت زعامة الثورة المصرية في القرن العشرين على يد عدة من الشخصيات العامة، كانت تلك الشخصيات حقيقةً من الذين وصلوا إلى البرلمان، وبعضهم من الذين وصلوا إلى الوزارات، وكانت تلك سنوات عودة الوطن لأبنائه كانت ثورة سعد زغلول هي ما توضح تغير طبيعة الشعب المصري وثقافته من بين سنة 1882 حتى سنة 1919، حيث اجتمع الناس حولهم جميعًا، كانوا رغم جمع الوفد فيما بينهم، إلا أن أكثر ما جمعهم كان كونهم ممثلي هذا الشعب الراغب في التخلص من الاستعمار.

كان الزعيم سعد زغلول ورفاقه هم نواب الشعب الأوائل، وكان الشعب المصري حينما نُفي سعد وأصدقاؤه إلى سيشيل أول من وضحوا مسألة أنهم نوابهم، حينما انطلقت الحركات الفدائية في مصر، وانطلقت قوى الإنجليز لمحاسبة أهل مصر، كان أكثر المقبوض عليهم باعة في الأسواق وأصحاب الحوانيت وأبناء المسجد الأزهر، وأما الصعيد والجنوب كانوا أبناء الفلاحين يقسمون أنفسهم على مدى أيام الدهر، يوم للأرض ويوم للفداء، حتى دستور 1923 وإعلان إلغاء الحماية، حتى تبدأ حقبة جديدة من مسألة النيابة والاستشارة.

هذه الحقبة هي حقبتنا الحالية، منذ يوليو (تموز) حتى اليوم الحاضر، شعب في واديه ونواب في واديهم وحاكم في واديه، وحكومة في واديها، وكان ذلك بناءً على اللحظة الفارقة من عمر بلادنا حينما قرر جمال عبد الناصر الاستيلاء على السلطة والإطاحة بمحمد نجيب الذي لم يكمل عامه الثاني حتى أو ربما الأول منذ أن وصل إلى حكم، عندما علم هو وجموع الضباط الأحرار أن نية محمد نجيب هو تسليم الشعب السلطة وأقامة مصر كدولة مدني تقوم على النظام الجمهوري والديمقراطية وأسس تبادل السلطة بين نظام وآخر.

حيث كثيرًا ما نجد البرلمان المصري هو صورة لمعارضة وهمية لسيادة الرئيس في عهد حُسني مبارك، يكتفي المعارضين هؤلاء بنقد أداء الوزير ورئيس الجهاز دون التدخل في قرارات الرئيس سوى الإشادة بها، وربما ما نجد بعض الاعتراضات التي نجد فيها الرئيس يقدم توضيحًا سرعان ما يدفعهم جميعًا إلى الإشادة بتلك القرارات من بعد تلك التوضيحات.

الشعب نفسه ليس أغلبهم مهتمًا بما يحدث تحت قبة البرلمان لذلك لم يكن هناك صدى أو رد فعل لنداءات الصحافيين الذين كتبوا في الجرائد العامة ولا المدونين وكُتاب الرأي في المواقع الإخبارية المختلفة عن قضية عدم إذاعة جلسات البرلمان على التلفاز، ذلك لأن البرلمان المصري لم يعد مصب اهتمام العديد.

لا غريب أن تجد أن في عام الثورة في حين ما كانت الأزمات والمشحنات تزداد وتزداد سيطرة الأخوان على مقاليد الحكم لم يتساءل أحدهم عن عدد من القضايا مثل أين أموال الرئيس السابق؟ أو كيف يمكن التحقيق في تلك الأموال المنهوبة من ثروات الدولة، لم يقترح أحدهم تعديل القوانين التي سمحت بانتشار الفساد في الدولة المصرية في تلك الأحيان، بل اكتفى البعض بطرح القوانين التالية، أولها هو تغيير سن الزواج إلى 18 سنة، أو 15 سنة لا أتذكر، لكن الغرض من تغير ذلك هو ألا تحرم الفتاة الصغيرة من شعور الأمومة، أن يتم الحد من قوانين الخلع حتى لا يزداد حالات الطلاق في المجتمع.

من خلال هذه السفاسف يمكن قول هذه الخلاصة، لقد مرت مصر بمراحل كثيرة من التمثيل والنيابة، من سياسة (تعال لنتحدث عن كم كان رأيي صحيحًا) إلى سياسة (تحدث فيما تريد وسأتحدث في أمر آخر)، إلى مراحل (لا يوجد حاكم مُخطئ)، أو مرحلةذ (أنت لا تمثلني) مثل المسكين عرابي، ويمكن قوله صراحةً أن طوال هذا الزمان لم يكن هناك من ينوب عن الناس، ويرتضيه الحاكم وذاك كان واضحًا حينما صعد إلى قيادة العمل العام عمر مكرم وعبد الله الشرقاوي أو سعد ورفاقه، بل في بعض الأحيان الأسوأ نصيبًا هو من لا يرتضيه الحاكم، ولا يؤيده كل الناس، مثل المسكين عرابي، هذه خلاصة سفاسف تاريخنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد