مقدمة

تتمتع الجزائر بخبرة أكيدة ومعترف بها في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، بحيث تم ذكرها مرارًا كنموذج يحتذى به، فعلى صعيد العلاقات السياسية والأمنية التعاون الجزائري- الأمريكي قد ترجم في إطار الحوار الاستراتيجي بين البلدين الذي كان أول اجتماع في أكتوبر (تشرين الأول) 2012 بواشنطن، وتعتبر أمريكا هذا الحوار استراتيجيًّا، ويترجم هذا بالتوافق بين وجهات النظر حول ملفات ذات طابع جهوي ودولي. وتعترف أمريكا بأن الجزائر هي القوة العسكرية والاقتصادية المهيمنة في منطقة المغرب العربي، وهي شريك جوهري لأمريكا في مكافحة الإرهاب. ويشير تقرير أمريكي إلى أن الجزائر بلد تتزايد أهميته بمجهود مكافحة الإرهاب الدولي الذي تملك أمريكا نظرة كونية بخصوصه، غير أن الجزائر يمكنها أن تعمق من دورها الأمني والاقتصادي في هذه المجالات.

أولًا: غموض الموقف الأمريكي حول موقع الجزائر من التعاون

في هذا الإطار سنحاول التركيز على موقف الولايات المتحدة الأمريكية إزاء موقع الجزائر من التعاون في مجال مكافحة الإرهاب مقارنة بالمغرب، حيث تعتبر الجزائر شريكًا مهمًا في مكافحة الإرهاب، خاصة بعد انضمام التنظيم الإرهابي المحلي (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، إلى تنظيم «القاعدة» الأم بداية 2007، الذي أضحى عدوًا مشتركًا. حيث قال الرئيس الأمريكي في تبرير الكونجرس للميزانية للعام 2009: إن انضمام التنظيم الإرهابي المحلي الجزائري إلى القاعدة في بداية 2006، وتبنيه طريقة الهجمات الانتحارية وتكتيكات مشابهة، يعطي دفعًا قويًا لمواصلة شراكتها مع الجزائر في مكافحة الإرهاب الشاملة، لكن ذلك رهين ميزان صعب بين الجارتين المتنافستين الجزائر والمغرب، وفي 2005 انطلقت مناورات عسكرية بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية الهادف إلى الإشراف وتبادل التدريبات والتمارين المشتركة، تلاه إنشاء فوج اتصال بداية 2011 وصفته الولايات المتحدة الأمريكية باللحظة التاريخية.

حيث يشير بعض الخبراء في المجال الأمني والاستراتيجي إلى أن هناك تناقضًا في توجهات السياسة الخارجية الجزائرية بين الإقليمية والدولية، كما يشير البعض الآخر إلى أن هناك خلافات مهمة بين البلدين في ظل التوجهات الأمريكية الداعمة لإسرائيل والمغرب الأقصى، والمقصود هنا قضيتا فلسطين والصحراء الغربية، حيث نددت الجزائر بقرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الاعتراف بمدينة القدس الفلسطينية المحتلة عاصمة لإسرائيل، وحذرت من تهديدات خطيرة في منطقة تعاني أصلًا من ويلات الحروب، ومعتبرة أنه يشكل انتهاكًا صارخًا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة والشرعية الدولية وتشكك في إمكانية إعادة إطلاق عملية السلام بعد فترة طويلة جدًا من الجمود.

من خلال ما سبق وانطلاقًا من محاولة قراءة من الموضوع من زوايا عدة وبشكل موضوعي، لكن هذا التعاون يشوبه غموض الموقف الأمريكي حول موقع الجزائر منه، وذلك لتذبذب مواقف الولايات المتحدة الأمريكية من عدد من القضايا، ونذكر منها لا للحصر وإنما للتدليل والمرافعة التاريخية، وفي 2004 وصفت الولايات المتحدة الأمريكية المغرب بأكبر حليف خارج حلف الأطلسي، كما أنه البلد المغاربي الوحدي الذي رشح لاحتضان تحدي الألفية Millennium Challenge Account MCA التي أطلقت كجزء من الحرب الشاملة على الإرهاب، وفي مجال التبادل التجاري يشهد الميزان التجاري للولايات المتحدة الأمريكية فائضًا بـ1.9 بليون دولار في 2011، وبلغت الصادرات المغربية 995 مليون دولار للسنة نفسها. وبلغت الاستثمارات المباشرة الأمريكية في المغرب 329 مليون دولار في 2010، مقابل 317 مليونًا في 2009، وتأتي المغرب في المرتبة الـ55 عالميًا من حيث الاستثمارات الأمريكية المباشرة، حسب تقديرات 2010. وإن كانت الجزائر أول شريك تجاري للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة المغرب العربي، فإن ذلك يرجع إلى سيطرة الصادرات من المحروقات.

الي جانب ذلك التباين في مفهومي الإرهاب والمقاومة بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية فالجزائر والولايات المتحدة الأمريكية تختلف في رؤيتهما للإرهاب كمفهوم وظاهرة خطيرة، حيث تفرق الجزائر العمل الإرهابي وبين الكفاح المسلح والمقاومة، فحمل هذه الحركات السلاح هو حق مشروع، ورغم أنها وقعت على الاتفاقية الدولية حول الإرهاب، إلا أنها تحذر من المساس بحق الشعوب الشرعي في الكفاح لتحقيق الحرية، أو للتمييز ضد مجموعة دينية خاصة، وهو النداء الذي وجهته الجزائر في 2008 للأمم المتحدة في إشارة واضحة إلى القضية الفلسطينية وكفاح الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، والهجوم على الإسلام بسبب أعمال إسلامويين متطرفين، وهو موقف نابع من تجربتها التاريخية. بينما تصنف الولايات المتحدة الأمريكية العملين في خانة واحدة، غير أنه لا يوجد إجماع بين المسؤولين الأمريكيين حول المسألة، حيث يخرج بعضهم حركات التحرير الفلسطينية وجناحها العسكري حركة التحرير الفلسطينية وحركة المجتمع الإسلامي فتح وحماس على الترتيب، في صف المنظمات الإرهابية وعلى ويعتبرونها حركات مقاومة.

ثانيًا: قضية الصحراء الغربية وتداعياتها على التعاون الجزائري الأمريكي

طالما عول المغرب على الولايات المتحدة وفرنسا في نزاع الصحراء الغربية، للاستمرار في سياسة الهروب إلى الإمام والتنصل من الالتزامات الدولية ومخطط التسوية الأممي الذي ترعاه الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار وتنظيم استفتاء تقرير مصير الشعب الصحراوي.

تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أن التوتر الثنائي بين دول منطقة المغرب العربي يعرض التعاون في مجال مكافحة الإرهاب إلى الخطر. حيث مازال التوتر بين الجزائر والمغرب قائمًا منذ حرب الرمال 1963 التي أراد المغرب من خلالها ضم أراض جزائرية، إذ مازالت تصريحات سياسيين مغربيين تلمح إلى هذه المسألة، وتدعو إلى احتلال بشار وتندوف عسكريا ، كما يصر المغرب على اعتبار الصحراء الغربية تابعة، له ويرى أن الجزائر تقف في مسعاه هذا من خلال مساندتها للصحراء الغربية.

ورغم مغازلة الولايات المتحدة الأمريكية للمغرب في السنوات الماضية، إلا أن الطريقة التي أُجريت بها المفاوضات بخصوص جملة من القرارات تُظهر مدى انزعاج المغرب مما يعتبره ازدواجية خطابها تجاه النزاع.

ويشكل موقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضية الصحراء الغربية أحد عراقيل التعاون بين الطرفين، ففي يونيو (حزيران) 2007 صرحت مساعدة كتابة الدولة للخارجية لشؤون الشرق الأوسط، أمام الكونجرس، بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل مع المغرب حول خيار الحكم الذاتي. كما بنت دعمها للمغرب على فرضية أن استقلال الصحراء الغربية سيهز استقرار العرش المغربي، وهي الفرضية التي ترفضها الجزائر، وتطلب من الولايات المتحدة الأمريكية عدم خلخلة استقرار منطقة الساحل الافريقي ، إذ إن فرض حل لا يرضي الصحراويين يمكنه أن يسبب انفجارًا داخليًا. وإن كان الموقف الأمريكي تغير مؤخرًا حول مسار الإصلاحات الديمقراطية وقضية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، فإن التنبؤ بتطورات الموقف يبقه سابقًا لأوانه.

ويبقى هذا التغير المؤقت للموقف الامريكي يمكن حصره في سببين رئيسين وراء خيبة أمل المغرب في مواقف الولايات المتحدة. الأول من حيث الشكل والثاني من حيث المضمون. فبخصوص الأول: قامت بعثة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وعلى عكس ما كانت عليه العادة سابقًا، بتقديم مشروع القرار إلى مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية دون التشاور مع المغرب. وهذا ما دفع سفير المغرب لدى الأمم المتحدة، إلى التعبير عن عدم رضاه عن تحرك الولايات المتحدة.

ثالثًا: التدخلات العسكرية في بلدان الجوار ومنطقة الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى

حذرت الجزائر العديد من المرات في المنابر الدولية والإقليمية من التدخل العسكري، سواء في دولة مالي أو في ليبيا، وكانت تحذيراتها مبنية على التخوف من أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الفكر المتطرف وتوحيد المشاعر الانفصالية، خاصة وأنها تحتوي على طوارق في جنوبها وقد يشجع انفصال الطوارق في مالي إلى عدوى بين طوارق منطقة الساحل ومنه المساس بالوحدة الترابية لهذه الدول.

إن الفضاء المغاربي والأفريقي سوف يظل مهددًا، وعلى إثر التدخلات العسكرية في المنطقة، وهنا نشير إلى أن التنافس المحموم بين النفوذ الأمريكي والأوروبي يعد أحد أسباب تأزم الوضع في المنطقة. فتخوفات الجزائر وجدت لها مكانًا بعد التدخل العسكري في مالي وفي ليبيا، خاصة التي مازالت لحد الساعة ممثلة في عمليات الضربات الجوية على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في أقصى الجنوب، ثم أتبع بعملية في أكبر مجمع غازي في الجزائر مجمع تيقنتورين في عين أمناس بإيليزي، كادت تدخل الاقتصاد الجزائري في أزمة حقيقية لولا احترافية وحنكة وسرعة تدخل القوات الخاصة للجيش الوطني الشعبي لإنقاذ الموقف، والقضاء على الإرهابيين وتحرير الموقع والرهائن.

وبالرغم من توسع التهديدات الأمنية، إلا أن التنافس الدولي في المنطقة والتقارير التي تشير إلى أن منطقة الساحل الأفريقي هي أفغانستان ثانية يظهر بوضوح تزايد أهمية منطقة الساحل، حيث جعلتها محل اهتمام الفاعلين الدوليين الكبار.

وينطبق الأمر على ليبيا؛ حيث حذرت الجزائر من تدخل عسكري فيها نظرًا للطابع القبلي للدولة، وعدم وجود جيش مركزي قوي، حيث كانت زمام أمور الأمن بيد وحدات وألوية مثل لواء خميس، ولواء 77، ووحدات كان يقودها أبناء القذافي المعتصم والساعدي، حيث أضعف الجيش لصالح هذه الوحدات مخافة انقلاب عسكري، وكان للتدخل العسكري في ليبيا آثاره الواضحة على الجزائر من حيث استفحال تجارة الأسلحة وتهريبها وتحويل الحدود الشرقية للجزائر إلى حدود غير آمنة، بل مصدر خطر.

ومنه نلاحظ أن موقف الولايات المتحدة الأمريكية غير واضح تمامًا من موقع الجزائر في التعاون في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، فهي من جهة تعتبرها قوة إقليمية وشريكا أساسيًا في الحرب على الإرهاب، خاصة وان جزءا من منطقة الساحل والذي تلعب فيه دور الجزائر المحوري في إرساء الأمن والاستقرار بالتنسيق مع دول الميدان، بالنظر الى تجربتها الناجحة في محاربة الإرهاب باعتراف الفاعلين الإقليميين والدوليين ، لكن من جهة أخرى نرى كيف أن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترضى بدور إقليمي مسيطر للجزائر من خلال دعمها للمغرب حيث كما أشرنا إليه يعتبر حليفًا تقليديًا للولايات المتحدة الأمريكية، وتشير تصريحات المسؤولين الأمريكيين إلى أنه لا يمكنها الاستغناء عنه كحليف في المنطقة. ويتضح هذا الموقف من خلال التعاون العسكري بينهما، الشراكة الاستراتيجية، وحرص الولايات المتحدة الأمريكية على استقرار العرش الملكي المغربي عبر عدم الضغط على المغرب لتصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، طبعا دون الاعتراف بالسيادة المغربية على المنطقة. وهو موقف يثير قلق الجزائر بما أن للمغرب أطماعا ترابية في المنطقة.

وأدت التدخلات العسكرية إلى وجود دول فاشلة وهي تهدد أمن الجزائر، هذا الهاجس الأمني دفع بالجزائر إلى اتخاذ إجراءات لحماية حدودها وهو ما تطلب رفع ميزانية الدفاع والأمن إلى 20 مليار دولار امريكي للعام 2014، مقابل 15 مليار دولار أمريكي في 2013. هذه الميزانية الموجهة للدفاع وتحديث منظومة الدفاع، وإن كانت طبيعية بالنظر إلى التحديات الجديدة، وخروج الجزائر من حصار مفروض غير معلن، تنظر إليها دول على أنها موجهة ضدها.

رابعًا: تعزيز التعاون الجزائري – الأمريكي في ظل تنامي الإرهاب في المنطقة

انطلقا من العديد من الدراسات الاستراتيجية التي أقيمت فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية وعلاقاتها مع مختلف الدول في العالم، والتي ترتكز بالأساس على دعم المصالح الأمريكية والأمن القومي الأمريكي، فان هناك من يركز على اعتماد الوليات المتحدة على القوة الصلبة في تسيير علقاتها مع الدول. في حين يرى البعض على غرار البروفيسور جوزيف ناي، بأنه على الولايات المتحدة الاهتمام بالقوة الناعمة، التي تحمي المصالح الأمريكية والأمن القومي الأمريكي على المدى البعيد، وتجنبها الدخول في صراعات تتطلب ميزانيات كبيرة؛ في ظل المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي، والتي نرى أنها ناجمة عن الميزانيات الكبيرة الموجهة للقطاع العسكري وتمويل الحروب التي دخلتها الولايات المتحدة، كذا القيادات العسكرية الأمريكية المنتشرة في العالم.

ومنذ عهد الرئيس الأمريكي بوش الأب، وبعد الرئيس الأمريكي الديمقراطي بيل كلينتون، ارتكزت الاستراتيجية الأمريكية على ترسيخ ما يُسمى بـ «النظام العالمي الجديد»، وبتأكيد الهيمنة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أن الولايات المتحدة لم تتفرد بالعالم، فكلاهما قام بالتعاون الدولي عبر إشراك الأمم المتحدة في حل النزاعات الدولية، مثال الغزو العراقي للكويت، وتدخّل الولايات المتحدة عن طريق الناتو في الأزمة اليوغوسلافية. بينما الحال تغير بعد أشهر من ولاية الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، وبالتحديد بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بإسقاط الطائرات على مركز التجارة الدولي بمنهاتن نيويورك وكذلك مبنى البنتاجون، حيث العمل الإرهابي الكبير الذي أعلنت القاعدة مسؤوليتها عنه.

عندها تبلورت استراتيجية أمنية جديدة، تمزج بين التهديدات الأمنية التقليدية الناتجة عن الدول والتهديدات الأمنية غير التقليدية، ومصدرها الجماعات الإرهابية العابرة الدول كتنظيم القاعدة الإرهابي. وكانت التهديدات التقليدية – كالصين وروسيا – تتصدر أولياته، ولذلك انتهج أوباما سياسة إعادة التوازن، والتركيز على منطقة شرق آسيا والباسيفيكي وقواه الآسيوية الصاعدة، بإقامة علاقات أمنية مع العديد من دول شرق آسيا من الفلبين إلى أستراليا، والقصد هو محاصرة الصين بها.

وأخيرًا، نقف عند استراتيجية الرئيس الأمريكي الحالي المثير للجدل دونالد ترامب ووثيقته للأمن القومي الأمريكي، الصادرة بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2017، حيث انصب جل اهتمامه فيها على التهديدات التقليدية، حيث تصدّرت مخاطر الصين وروسيا، وبدرجة أقل كوريا الشمالية وإيران، على مخاطر الإرهاب والجماعات الإجرامية العابرة للحدود ومخاطر الأمن السيبراني، التي أتت بآخر القائمة؛ فالترتيب هنا ليس عشوائيًا، بل بحسب أولوية القضايا.

وهكذا هناك أولويات للولايات المتحدة الأمريكية العديد من التحديات فيما يتعلق تنفيذ الخطط التي تم الوصول إليها في إطار استراتيجية محاربة الارهاب، أو بالحرى الحرب الشاملة على الإرهاب. تختلف هذه التحديات وفقًا لمجالاتها كون بناء استراتيجية شاملة يعتمد على العديد من المتغيرات المؤثرة على المستوى الدولي، سواء كانت اقتصادية سياسية أو عسكرية أو حتى اجتماعية و ثقافية. تتعدد التحديات، لكن هذا لا يمنع من إمكانية نجاح الاستراتيجية المتبعة في العديد من المناطق وأولها في منطقة الساحل الأفريقي.

وبما أن اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في تزايد مستمر بمنطقة الساحل الأفريقي، حيث وكما أشرنا إليه سابقًا تسعى إلى الاستعاضة عن 25% من النفط في منطقة الشرق الاوسط بالنفط الأفريقي، يمكن القول إن التعاون بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب سيتعزز، لكن ذلك مرهون بمدى استجابة الحكومات في هذه الدول إلى التعاون، ومدى قدرتها على التحكم في أوضاعها الداخلية، التي تنعكس بشكل مباشر على أمن الجزائر، ويتجلى ذلك من خلال أفواج اللاجئين والجريمة المنظمة، وتهريب الأسلحة، وكذا درجة تحسن نظرة شعوب المنطقة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في ظل تنامي معاداة أمريكا بسبب سياستها الخارجية.

إضافة إلي تنامي الظاهرة الإرهابية تعقيدًا هو تغيير طريقة عملها ومصادر تمويلها من خلال الاتحاد مع مجموعات الجريمة المنظمة، بعد تحالفه مع جماعات تهريب المخدرات والسلاح، وهو ما يفرض مزيدًا من التعاون الدولي لمكافحته، من خلال تعزيز الأطر القانونية والتنمية، وهو ما نادت الجزائر به عند انعقاد الندوة الدولية حول التنمية ومكافحة الإرهاب الذي انعقد شهر سبتمبر 2011، وحضرته الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى جانب عدد من الد ول الأوروبية الأخرى، وكذا الدول العربية والأفريقية.

الخاتمة

محاولة الاستفادة من الخبرات العسكرية الأمريكية في إطار التعاون الأمني، في حين أن الآثار السلبية ترتكز في عسكرة القارة الأفريقية كذا جذب التنظيمات الارهابية كتنظيم داعش الإرهابي بشكل أكبر نحو المنطقة، واحتمال تأثيرها على المتطرفين، في ظل القول بأن الغرب يستهدف بلد المغرب السلميين والأفريقيين.

ومن يلاحظ من خلال الخطابات الرسمية للمسؤولين الأمريكيين الذين زاروا الجزائر، تركيز على التعاون الأمني دون سواه من مجالات التعاون الأخرى، غير أن الجزائر كانت تسعى لأكثر من ذلك إلى تعزيز التعاون في جميع المجالات وهو ما دعا إليه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في خطابه لدى زيارته الأولى إلى الولايات المتحدة الأمريكية في يوليو (تموز) 2001، وليؤكد للرئيس الأمريكي أن مكافحة الإرهاب لن تكون ذات قيمة، إلا إذا ربطت بمكافحة الفقر واللا عدالة، وعليه يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية أن تساعد الجزائر اقتصاديًا.

من جهة أخرى استفادت الولايات المتحدة الأمريكية من التعاون الأمني مع الجزائر من خلال فهم أعمق للمنطقة ومفاتيحها ومشاكلها؛ مما أدى إلى قدرتها على النجاح في تعديل وتنفيذ استراتيجيتها تجاه المنطقة، صحيح أن هناك متغيرات أخرى ساهمت في هذه الآثار، لكن مسار التغيرات كان منطلقًا من التعويل الأمريكي على الدور الجزائري ، و إقامتها علاقات حسنة مع الحكومة الجزائرية و في هذا الاطار عقد الدورة الخامسة للحوار الاستراتيجي حول قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب خلال شهر يونيو 2018 القادم في الجزائر.

ولقد تناولت تبادل واسع لوجهات النظر حول وضعية التعاون الثنائي في مجال مكافحة الإرهاب والوضع الأمني بالمنطقة، لاسيما مسألة عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب والتهديدات التي يمثلونها على الأمن الإقليمي والدولي. وعليه كان لزامًا على الجزائر العمل على إقامة شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وترقية التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ليمس كل المجالات الأخرى دفعًا لعجلة التنمية، والتي اعتبرتها الجزائر خطوة أساسية في مسار القضاء على ظاهرة الإرهاب التي تتغذى على التطرف وغياب مشاريع التنمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد