عَلَم مصر منسدل ومشدود بطول مدرستي، شاهدته وأنا في طريقي للقيام بإحدى الزيارات الأسرية، وقد أثار بداخلي هذا المشهد العديد من التساؤلات، ووجدت الكثير من القضايا والمفاهيم تترابط بعضها ببعض في ذهني، في محاولة مني لتفسير ما أراه. فلقد عمل ما رأيت عمل الحصى الملقاة في المياه حينما يتكون على أثرها العديد من الدوائر الحلزونية المتدرجة من حيث الاتساع.

وكانت أضيق دائرة المقاربة بين هذا المشهد ومشهد البغاء المنصوص عليه في حديث أم المؤمنين عائشة عن الطرائق الأربع للنكاح في الجاهلية ومنها البغاء. وكانت طريقته أن تضع الباغية راية حمراء على خيمتها مما يجعل للخيمة علامة مميزة لمن أراد إفراغ شهوته في علاقة عابرة خارج نطاق الأعراف ودون الحاجة للدخول في علائق نسب مركبة من مصاهرة يبنى عليها تبعات ومسئوليات.

والشبه بين راية البغاء وعلم مصر على واجهة مدرستي يتضح في أن كليهما – بغض النظر عن سياقاتهما المختلفة – علامة مميزة لقبول الدخول في علاقة مباشرة وبسيطة دون تحمل تبعات المسؤليات الأخلاقية بالتخفف من الالتزام الأخلاقي المُركب الذي يميز الإنسان عن باقي المخلوقات؛ فالباغية تدخل في علاقة مباشرة وواضحة، علاقة مصمتة مفرغة من التركيب الإنساني وما يترتب عليه، وهذه العلاقة البسيطة تضمن سريان العمل واحترافيته، فلا علاقات مُركبة تدخل فيها مشاعر إنسانية كالحب تعوق مجرى العمل أو تحد من استمراره على النحو المرجو.

والمدرسة – برفعها علم مصر في الأفق بهذا الحجم الكبير – تعطي رسالة ضمنية في هذا التوقيت الزمني الذي نعيشه أنها لا علاقة لها بما يحدث في الواقع بل المداهنة لما يحدث هو موقف إدارتها الحقيقي، فكل عملها يتجلى في مساحة واضحة – مسماة زورًا بالتعليم، فهي علاقة واضحة بسيطة، حفنة من التلاميذ مقابل حفنة من المال، وبالتالي بقدر ما تتجاهل إدارة المدرسة الواقع وتتغافل عنه بقدر ما يتاح لها ممارسة عملية بغائها المودرن، فالتركيب وتكبد مشاق أعباء أخلاقية له ضريبته – كما في حال البغاء في الجاهلية – وكلما تخففت تبعات المدرسة المواقف الأخلاقية وتجاهلت إدارتها قضية الظلم الكائن زادت قدرتها على ضبط آليات ووسائل عملية البغاء داخلها.

وهذا الربط ليس دعوة لعدم الانتماء للوطن، لأن حب الوطن وإلف مساحات الأماكن التي تربى فيها الإنسان، وحبه لعائلته وأصدقائه من الفطرة والدين، ولكن العَلَم في هذا السياق لم يوضع بدافع حب الوطن، فهذا زيف وتدليس، ولكنه وُضع إشارةً لقبول ضمنًا ما تحدثه أجهزة الدولة في هذه الأيام من ظلم وبطش وقمع للحريات والتضخيم من مسألة الإرهاب وما شابه حتى يظل هناك شرعية لاستمرار أياديها الغاشمة في البطش، وشرعنة الظلم بدافع دعاوى حماية الوطن. وكما أن الباغية في الجاهلية لا تشارك ضمنًا في الجرائم – كوأد البنات – ولكنها تمثل جزءًا رئيسًا في مثل هذه المنظومة لأنها تجلٍّ صريح لتهافت العلاقات المركبة لصالح العلاقات البسطية بهدف ضبط الواقع واستمرار بقائه وبالتالي ضمان حركة البيزنس كما هو.

ودفعتني تلك المساحة من دائرة التفكر لدائرة أوسع، أهذه هي المدرسة التي قضيت فيها سنوات الطفولة والصبا وبداية الشباب؟ ما هو الشيء الحقيقي الذي تريد مثل هذه المنظومة متجلية في البغاء المودرن المسمى بالتعليم حفره داخلي وداخل جيلي؟ ما طبيعة الوجدان التي تطبعها خيمة البغاء في ثوبها الحالي؟ تدافعت الأسئلة داخلي، وخلصت أن هذه المنظومة تنمط الإنسان وتجعل منه كيانًا مصمتًا بلا تركيب ولا أسرار، فإنسانيته تعيقه عن السير في الحياة والتقدم فيها لأنها تقف حائلًا دون العلاقات البسيطة التي تضمن السريان واستمرار الحياة بل إحراز التقدم والنجاحات – قياسًا على نجاح الباغية في عملها وقدرتها على منحه الاستمرارية بألا تحب زبونًا مثلًا فيكون مثل هذا الشعور المركب عائقًا لها في عملها.

ازدادت دائرة التأمل اتساعًا لتشمل مساحات التعليم والرق الحديث المسمى بالعمل في شركات المالتي ناشيونال وغيرها في الواقع الحالي، العلاقات الإنسانية المفقودة وغياب التواصل الحقيقي بين البشر، تدهور لغتهم وقدرتهم على فهم أنفسهم وبالتالي التلقي عن خالقهم. اتسع قطر مساحة التأمل جدًا ليشمل الكثير والكثير من نواحي الحياة.

وفرغت إلى أن الواقع الحالي قد أضحى من القبح ما لا يمكن التصالح معه، فمثل هذه الخيمة لا يمكن أن يكون زبونها القادم أحد أولادي، وليس الحل أن تكون الخيمة أوسع أو أن تضم عاملات جنس أكثر احترافية وأكثر إثارة، كما أن الحل كذلك ليس في إلباسها جلبابًا وحجابًا أو نقابًا لتصبح خيمة البغاء لها ما يبرر وجودها بعدما زينت بزينة شرعية، بإدخال تحفيظ القرآن وبعض العلوم الشرعية، وإقامة الصلاة في أوقاتها… إلخ. مثل تلك الحلول أصبحت تثير حفيظتي جدًا، فلا تصالح مع هذا الواقع.

ولا يعني هذا الفوضى، لأنها لا تنتج نظامًا، ولا يعني القطيعة مع الحياة لأنه سبيل العاجز. ما أعنيه بعدم التصالح هو ضرورة التحرر من تلكم الأشكال لا العمل على تحسينها، القدرة على الوثب خارج أسوار الواقع العالية التي توهم أنه لا فرار منها، لا يهم وضوح التفاصيل بقدر ما هو أهم القدرة على الخلاص من شباك الواقع المزيفة، فنعم يمكن تعليم الأولاد وتربيتهم خارج خيمة البغاء كما أنه يمكن إقامة علاقات جنسية خارج نفس الخيمة في منظومة الزواج، نعم يجب حب الوطن ولكن خارج منظومة البطش والاستبداد والقمع والذل، نعم يمكن إيجاد حلول جديدة وعدم التصالح مع الواقع الحالي دون أن تفتك بنا براثن الفوضى أو الانسحاب، ودون الحاجة إلى مصادمة لدرجة انسحاق الذات تحت حمأة الواقع، فنعم يمكن عدم التصالح دون التصادم، وبداية الطريق ليست بمثل هذا الغموض، والانفكاك من قبح الواقع الحالي ليس بهذه الصعوبة المتوهمة، ولكنه يسلتزم جدية حقيقة ورغبة صادقة في التغيير المطلوب.

ومثل هذا التأمل لم يقذف بي إلى كوة اليأس ودواماته المفرغة ولكنه يراودني بين الحين والآخر بنسمات هادئة عليلة تلطف من ضغوطات الواقع وتحد من توتراته، نسمات محملة برذاذ اليقين في قابلية العيش في واقع أكثر إنسانية. حتى إن لم أرَ تفاصيله، يكفي العيش بمقتضى ما يمليه عليّ إيماني، وهذا يكفي أن يحافظ على جنتي التي في صدري بل ويعمل على زيادة ثمارها والمداومة على الاعتناء بها.

وهذا يكفي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد