ربما مررت يومًا مثلي بتلك اللحظات المتأرجحة التي هاجمتك فيها أسئلة على طريقة إيليا أبو ماضي في قصيدة «الطلاسم» حين راح يحاور نفسه قائلًا: «جئت لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت» ، «أجديد أم قديم في هذا الوجود …هل أنا حرّ طليق أم أسيرٌ في قيود» إلى آخر القصيدة.

لابد أن الـ Overthinking قد استبد بك ليلًا، فألح بالعديد من تلك الأسئلة، مثل: ماذا يعني أن أكون إنسانًا؟ لماذا خُلقت؟ هل أنا مسئولٌ عن أفعالي أم أنا مجرد آلة بشرية تعمل وفقًا للبرنامج الجيني، ووفقًا لما قد تأثرت به من بيئة وظروف وُجدت فيها رُغمًا عنها؟ كيف يمكنني التحكم في رغباتي واحتياجاتي؟

ثم يأخذك التفكير ويبحر بك بعيدًا في بحر الأسئلة، فتتطرف وتسأل، هل يوجد إله؟ إن كانت الإجابة نعم، ماذا يريد هذا الإله؟ ما الذي يجعلني عبدًا جيدًا لهذا الإله؟

وإن كانت الإجابة لا، لا يوجد إله. إذا ما الذي يجعل تلك الإجابة صحيحة؟ ما المعرفة وكيف يمكن تقييمها؟ وهل هي حسية أم عقلية؟ و أيهما أصدق؟ وما الذي يجعل تلك المعرفة حقيقة؟

ما الحقيقة وكيف يمكن إثباتها؟ وإن أُثبتت ما الذي يجعلني واثقًا من ذلك الاستنتاج و صحة الاستدلال؟

هل يصح أن أسأل تلك الأسئلة أم «لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم؟»

هل تفكيري منطقي؟ ما المنطق أصلًا؟ وكيف أتأكد أن منطقي سليم؟

مهلًا مهلًا، من وضع تلك الأسئلة في عقلي وعقولكم من الأساس؟ أليس لكلّ موجودٍ واجد؟

إن قرأت كل هذا ووجدته محض هراء و(فلسفة) لا طائل منها، فمن فضلك جاوبني، ما الفلسفة؟ لماذا هي مهمة أو غير مهمة؟

ماذا تعني الفلسفة؟

تساءلت كثيرًا عن معنى كلمة فلسفة. وكان دائمًا ما يوصف أولئك الذين يصفّون الكلمات صفًّا لتكوين عبارات فارغة المعنى بالمتفلسفين. ولعلك نُهيت يومًا في صغرك مثلي عن الثرثرة واللّغو من أحد الكبار بعبارة «بطل فلسفة» أو «لا تتفلسف». ولذلك كبرت وأنا أظن الفلسفة فعلًا مذمومًا يجب اجتنابه، وقد دعّم هذا الظن ورسخه ترهيب أساتذة العقيدة والشيوخ من الفلسفة والمشتغلين بها، ووصفها بأنها دعوة إلى الإلحاد وشتات العقل أحيانًا، وضرب الأمثلة التي لا تحصى بمفكرين دخلوا في دائرتها، فنجا منهم من نجا، وخاب وخسر منهم من تاه في متاهاتها. ولكنّ عقلي الذي لا يهدأ لم يتركني، ولم أقنع بأفكار وآراء قد سيقت إلي دون برهان. ففتحت المعجم وبحثت عن معنى الكلمة «فلسفة».

كلمة فلسفة تعني حب الحكمة. فكيف تكون الحكمة وحبها شيئًا مذمومًا بالله عليكم.

وجاء شرحها في معجم المعاني كالآتي، الفلسفة، يقصد بها كل الأفكار المستنبطة بالعقل و إعمال الفكر حول الموجودات ومبادئها وعللها، وفلسفة الشيء تعني تفسيره تفسيرًا فلسفيًّا، أي أن يعرف بعلله وأسبابه اعتمادًا على العقل. أما الفيلسوف فهو العالم بالفلسفة، ونقيضه المتفلسف، وهو الذي يتكلف نهج الفلاسفة دون أن يحسنه.

مشكلة الفلسفة

أما إن الفلسفة هي حب الحكمة، وهي طريقة التفكير استنادًا إلى العقل فما مشكلتها إذن؟ وما مشكلتنا معها؟

تكمن مشكلة الفلسفة في الفهم الخاطئ لها ولغايتها، والحكم بعدم فائدتها، وأنها ليست إلا لفًّا ودورانًا في حلقات مفرغة حول معانٍ و قضايا لا يمكن إثباتها أو إعطاء إجابات قاطعة لها. ويرى الكثير من المفكرين أن الفلسفة الأولى محض هراء، وينبغي أن نتخلص منها ونتركها ونلتفت إلى العلم والعلم فقط.

ولكن بأخذ العلم مثالًا بفروعه المختلفة والمتمايزة، من رياضيات، وكيمياء، وفيزياء، وغيرها من العلوم، فسنلاحظ أن لبعض الفروع أفضلية على الأخرى بما تقدمه من أساس لباقي الفروع، أو لاكتمال موضوعاتها ونضجها مثلًا. فضلًا عن أن العلوم السيئة يجري رفضها و تمييزها عن العلوم الجيدة بالإشارة لها بأنها علم زائف أو (Pseudoscience).

كالتمييز بين علم الفلك (علم) والتنجيم (علم زائف) مثلًا، وفي ذلك التمييز بين العلم واللا علم ما زالت المحاولات قائمة منذ أرسطو مرورًا بكارل بوبر وتوماس كون انتهاء بالفلاسفة المعاصرين إلى يومنا هذا.

و إذا رجعنا إلى الفلسفة وتجولنا في مباحثها (فروعها) المختلفة انطلاقًا من المنطق، نظرية المعرفة، ثم بالنظر إلى فلسفة الأخلاق، وفلسفة الجمال، ومرورًا بفلسفة العلم والدين والوجود، فسنلاحظ أيضًا أفضلية مباحث على مباحث أخرى، وكما يوجد علم جيد وعلم سيئ، فإنه توجد أيضًا فلسفة جيدة وفلسفة سيئة، وتلك السيئة يشار إليها بالسفسطة أو المغالطة على سبيل التمييز أيضًا.

إذن الفلسفة مثلها مثل العلم وباقي المواضيع في الحياة، ليست سيئة أو جيدة في المطلق، وإنما ذلك يعتمد على صحة المنهج المتبع في التفكير، وخلوه من فجوات ومغالطات.

أهمية الفلسفة ودورها

«إن الحياة الخالية من البحث والتأمل هي حياة لا تليق بالإنسان»

أفلاطون– محاورة الدفاع

بالنظر في كل الأديان ومختلف المعتقدات، سنجد أن الإنسان قد حُث على التفكر والتأمل في الوجود والموجودات. فالتفكير الفلسفي الصحيح يزودنا فهمًا عميقًا حول كيف يسير العالم، أو كيف يجب أن يسير. يجعلنا نفهم لماذا سقطت التفاحة، أو لماذا يهطل المطر، ولماذا لون السماء أزرق، ويجعلنا ننبذ فكرة مركزية الأرض، أو كما يثار حديثًا عن تسطحها.

إننا في أشد الحاجة في عصرنا هذا إلى التفكير والتأمل في الأحداث والتيارات الفكرية المختلفة، والدعوات المؤدلجة، وذلك لن يتأتى بقراءة الكتب دون تمحيص، أو بتلقي الأخبار والأفكار دون تفكير، والسبيل إلى ذلك لن يكون إلا بنزوع الأفراد والمجتمع ككل إلى استخدام العقل.

وهذا ما تدعو إليه الفلسفة، كما يوضح تعريفها أساسًا.

وهذا ما يدعو له أيضًا رينيه ديكارت صاحب منهج الكوجيتو حين يقول: «إنه ليس كافيًّا أن تمتلك عقلًا جيدًا، ولكن تكمن الأهمية في كيفية استخدامه بشكل جيد».

وهذا يجعلني أرى أن الدور الأساسي والأصيل للفلسفة أن تجعل المرء يستخدم عقله، وينحي عاطفته وتناوله الوجداني للأمور، وهي أيضًا تورث إيمانًا وثقةً بالعقل وأدواته وقدرته على الوصول للمعرفة وتقييمها، والاقتراب من الحقيقة لا الشتات في متاهات التفكير.

وهنا أقتبس أيضًا من دكتور زكريا إبراهيم قوله في الرد على المناهضين للفلسفة بوصفها لغوًا وإرهاقًا للعقل بلا فائدة:

«إنه لا يمكن أن تقوم الفلسفة ضد العقل، اللهم إذا أمكن أن يقوم فنٌ ضد الجمال، أو دينٌ ضد الله».

والفلسفة في اعتقادي الشخصي هي فن من نوع أصيل. إنني أراها فن عقلنة الأمور والتفكير المنطقي هو المساعد والأداة الأساسية لاكتساب تلك الملكة، أي الحكم على الأفكار والمعتقدات والمواقف بمنطق عقلاني رشيد، يجعل الحكم موضوعيًّا ويؤتي ثماره المرجوة من زيادة الوعي الفردي، ومن ثم الوعي المجتمعي. ولسنا في حاجة إلى شيء في يومنا هذا أكثر من حاجتنا للوعي.

تاريخ الفكر

تمكننا دراسة الفلسفة ومناهجها المختلفة من تكوين صورة عن تاريخ الفكر البشري ونشأته، كيف تطور ونضج، وكيف تناول الفلاسفة على اختلاف اتجاهاتهم من مثالية، وبرجماتية، ونقدية، وشكية، وماركسية، أو وضعية منطقية، وغيرها، مختلف المشكلات والموضوعات التي واجهت الإنسان وأثارت فضوله منذ بدء الوعي بذاته ووجوده.

منهجية التفكير والتفكير النقدي

ندرس في المدارس والجامعات مختلف العلوم الطبيعية، من كيمياء، وفيزياء، وأحياء، بالإضافة إلى العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والفلسفة «مجرد معرفة بما تعنيه المدارس الفلسفية المختلفة»، ونتعلم كيف نبحث عن المعلومات والآراء والأفكار، وكيف نقوم بتجميعها وطرحها ومناقشتها جيدًا، ولكن لا يجري تعليمنا المنهج الصحيح في البحث العلمي.

لا يتعلم ولا يتدرب الباحث على الاستنتاج الصحيح وأدواته، ولا يجري حثه على الإلمام بأنواع الأدلة أو ما يجعل الدليل دليلًا علميًّا صحيحًا من الأساس. لم نتعلم كيفية استخدام الحجج ودعمها، ولم نتعلم استخدام المنطق وتجنب الوقوع في المغالطات. تُعلمنا الفلسفة آليات التفكير بشكل واضح ومنظم ومنطقي، وتعلمنا نقد المنهج والتمييز بين السليم والفاسد منه، وتعلمنا كيف نجري بحثًا علميًّا منهجيًّا سليمًا.

الحوار الفكري

إذا جرت دراسة الفلسفة، تاريخها ومدارسها المختلفة إضافة إلى أداتها الأساسية، وهو المنطق، ثم فهم واستيعاب المغالطات المنطقية التي يقع فيها الجاهل، أو التي يستخدمها البعض للتلاعب وإثبات حججه الفاسدة. وقتها يمكن أن يجرى حوار فكري حرّ ومثمر، تتلاقى فيه الأفكار على ساحة الحوار، فيفند الفاسد واللامنطقي منها، ويثبت ويبلغ الأكثر صدقًا. فكم من عادات اجتماعية أقل ما يمكن أن توصف به أنها جاهلية ما زالت تحل محل العقيدة في العقول والقلوب. وكم من أفكار دينية لا تمت للدين بصلة ولا يدعمها سوى فهم خاطئ، ونقل على لسان من يصدقهم أتباعهم ومريدوهم دون نقاش. وكم من مشكلات سياسية وأزمات طائفية وغيرها تحتاج إلى حوار بين أطراف عاقلة، تجيد الجدال والحوار المنطقي. تعلمنا الفلسفة ضرورة عدم تقبل جاهزية الأفكار والتسليم بها، وتعلمنا أيضًا تطوير التفكير النقدي وتفنيد المعتقدات، ومعاودة البحث والتأمل الحر. تدعونا الفلسفة إلى الحرية وإلى الحوار فهلا لبينا دعوتها؟

بروتريبتيقوس أو دعوة إلى الفلسفة

عندما أفكر في أهمية الفلسفة والمنطق يأخذني إيماني الشديد بها إلى الدعوة إلى تدريسها حتى للأطفال في الصفوف الابتدائية بشكل يناسب عقولهم. لا بد أن يتدرب الصغار على التفكر بعقلانية ومنطقية منذ بواكير طفولتهم، لا بد أن يتعلموا النقد وعدم تقبل الأفكار دون مبرر لقبولها. ولا بد أن تجري صياغة مناهج الفلسفة في المراحل الثانوية والجامعية، فلا تقتصر على مجرد معلومات فلسفية مشوهة ليست إلا حشدًا مهوشًا من الأفكار يقود دارسها إلى نبذها وليس الاستعانة بها في تطوير عمل عقله.

وها هنا يجب أن أطرح سؤالي مرة أخرى. هل الفلسفة مهمة؟ إجابتي هي نعم مهمة، وحجتي هي تلك السطور السابقة.

أما إذا ما زلت تراها غير مهمة؟ فعليك أن تتفلسف لتجيب؟

وأخيرًا لا يسعني أن أتحدث عن الفلسفة وأدعو لها دون ذكر مقولة المعلم الأول وأبي الفلسفة الشهيرة التي وضح فيها ضرورة التفلسف حين قال في فاتحة كتابه:

«إما أنّ التفلسف ضروري، ولا بد عندئذ من التفلسف، وإمّا أنه غير ضروري، ولا بد أيضًا من التفلسف لإثبات عدم ضرورته. وفي الحالتين ينبغي التفلسف».

أرسطو– بروتريبتيقوس

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد