بعد الحادث الإجرامي الخسيس الذي قام خلالة مجموعة من المجرمين بالاعتداء على المصلين في مسجد الروضة بشمال سيناء أثناء صلاة الجمعة والذي أسفر عن استشهاد أكثر من ثلاثمائة مصل، وجرح أكثر من مائة.

وبصفة عامة في الحوادث الإرهابية وغير الإرهابية نجد أن  عدد المصابين يكون أضعاف عدد القتلى. ولكن في هذا الحادث الإجرامي الخسيس كان هم الإرهابيين إزهاق أكبر عدد من الأرواح، وساعدهم في ذلك أن المنطقة نائية، وأن قوات الأمن والإنقاذ ستتأخر في الوصول لمكان الحادث. 

وكان ذلك الحادث الإجرامي قد لقي تنديدا من كل الشعب المصري بلا استثناء، من يؤيد النظام ومن يعارضه ومن يرفضه كانوا جميعا صوتا واحدا في التنديد بذلك العمل الشنيع الذي لم تشهد مصر مثله إلا حادث تفجير كنيسة الإسكندرية الإجرامي منذ عدة أشهر. وطوال تاريخ مصر لا يجرؤ أحد على الاقتراب من دور العبادة وقتل المصلين مسلمين كانوا أم مسيحيين، فالمصريون يحترمون دور العبادة حتى لو كان المتعبدون فيها على غير دينهم.

تألم كل مصري من تلك الجريمة وطالب بالقصاص من القتلة وتنفيذ حكم القانون فيهم بلا رحمة، وهم لم يرحموا المصلين الركع السجود، ولم يفرقوا بين طفل صغير وشيخ كبير، وانطلقت الرصاصات لتخترق أجساد كل من كان يصلي في ذلك المسجد.

وبعد ذلك الحادث الإجرامي ظهرت دعوات نشاز شاذة من قلة محدودة، ولكنها ظهرت في وسائل الإعلام من إعلاميين محسوبين على النظام، وفي البرلمان، من نواب مفترض أنهم نبض الأمة. وطالب هؤلاء بتفريغ سيناء من سكانها تمهيدا للقضاء على الإرهاب والإرهابيين فيها. وهؤلاء إذا افترضنا فيهم حسن النية فهم كمثل الدبة التي قتلت صاحبها حين رأت ذبابة تقف على وجهه، فحملت حجرا كبيرا وقذفت به الذبابة لتحمي صاحبها منها فقتلته وطارت الذبابة.

إن سيناء هي بوابة مصر الشرقية، وغالبًا ما يأتي الغزاة من هذه البوابة، فمنها هاجم الإسرائيليون مصر أثناء العدوان الثلاثي في عام 1956 واحتلوها كاملة مع قطاع غزة ثم انسحبوا منها بعد الحرب بشرط ضمان حرية الملاحة لهم.

وفي عام 1967 أعادت إسرائيل احتلال سيناء وقطاع غزة وبعد هذه الحرب نشط أهل سيناء الأبطال وقاوموا الاحتلال وكونوا منظمة سيناء التي قامت بالعديد من عمليات المقاومة خلف خطوط العدو كما كانوا مصدر العديد من المعلومات الثمينة التي ساعدت الجيش المصري في حرب الإستنزاف وإبلاغه بنتائج القصف المصري لقوات العدو.

وفي حرب أكتوبر رمضان 1973 استطاعت القوات المصرية عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف وكل النقاط الحصينة للإسرائليين شرق القناة، واستطاعت القوات المصرية تحرير حوالي 20 كيلومترا شرق القناة. ولكن ومع اندفاع القوات المصرية نحو الشرق نجحت بعض القوات الإسرائيلية في استغلال ثغرة بين الجيشين الثاني والثالث واستطاعت من خلالها العبور لغرب قناة السويس.

وحاولت القوات الإسرائيلية تحقيق نصر إعلامي من خلال الاستيلاء على مدينة الإسماعيلية ففشلوا في ذلك، فتوجهت تلك القوات لاحتلال السويس وكانت الحرب توشك على النهاية ومجلس الأمن على وشك إصدار قرار بوقف إطلاق النار.

تقدمت القوات الإسرائيلية بسرعة نحو مدينة السويس مستغلين أن القوة الضاربة للجيش المصري موجودة في شرق القناة ولكن وعند وصولها لمدينة السويس تصدى لها أهالي السويس والمقاومة الشعبية بقيادة الشيخ حافظ سلامة فردوهم على أعقابهم، دون تحقيق غايتهم في الاستيلاء على مدينة من مدن القناة واستغلال ذلك إعلاميًا للادعاء بتحقيق نصر على المصريين.

ولو كانت مدينة السويس خالية من السكان لاستطاع الإسرائيليون احتلالها وتغيير مسار الحرب. وبعد الحرب حدثت مفاوضات للفصل بين القوات وانسحبت القوات الإسرائيلية كلها لشرق القناة بأكثر من عشرين كيلومترا. ثم كانت مبادرة السادات للسلام والمفاوضات التي أسفرت عن انسحاب إسرائيل من كامل سيناء.

وبالرغم من أن اتفاقية السلام كانت تنص على تسليم المستوطنات الإسرائيلية، إلا أن إسرائيل دمرت تمامًا مستوطنة ياميت أكبر المستوطنات في سيناء، وبعد الانسحاب تم جمع تبرعات ضخمة من كل المصريين لإعادة بناء مدينة جديدة مكان تلك المستوطنة التي تم تدميرها، ثم توارى المشروع تمامًا، ولم يعد أحد يسمع عنه، وكأن هناك حظرًا على تعمير سيناء.

وبالرغم من أن سيناء تمتلك ساحلًا جميلًا طويلًا على البحر المتوسط يحفه النخيل، وكانت هناك آمال وأحلام مصرية بإقامة مصايف في العريش وحولها، إلا أنه وللغرابة أيضا تم تحويل الدفة للساحل الشمالي الغربي وتم إقامة العشرات من المدن والقرى السياحية، وبقي شاطئ سيناء قفرا مهجورا، بالرغم من إمكاناته السياحية الكبيرة، ولا يجد من يشكو له.

وإذا انتقلنا لقطاع غزة الجار الشمالي الشرقي لسيناء لوجدنا أنه من أكثر الأماكن في العالم كثافة سكانية ولما اندلعت الإنتفاضة الأولى في 1987 لقي الإسرائيليون خسائر كبيرة في قطاع غزة حتى تمنى أحد قادة إسرائيل أن يغرق القطاع بسكانه في البحر المتوسط.

وبالرغم من المفاوضات العبثية بين الإسرائليين والسلطة الفلسطينية، إلا أنها لم تنحسب من الضفة الغربية. أما قطاع غزة ومع ضربات المقاومة فإن إسرائيل قررت الإنسحاب منه وإخلاء مستوطناتها فيه بلا مفاوضات خوفا من كثافته السكانية الكبيرة التي تعد مزرعة لإنتاج رجال المقاومة.

انسحبت إسرائيل من غزة بلا قيد أو شرط، وبالرغم من حربها على غزة مرات بعد انسحابها، إلا أنها لم تفكر أبدا في إعادة احتلاله، وحتى في حروبها على غزة كانت تركز دائما على القصف الجوي والصاروخي، دون دخول قواتها تلك الأراضي المكتظة بالسكان.

ونفس الكلام يمكن قوله عن جنوب لبنان؛ حيث الكثافة السكانية التي كانت حاضنة للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، حتى اضطرت في النهاية للانسحاب من جنوب لبنان بلا مفاوضات عبثية أيضا.

وفي منتصف التسعينات وضع الدكتور الجنزوري رئيس الوزراء وقتها خطة طموحة لتعمير سيناء خلال عشرين عاما وتوطين ما لا يقل عن ثلاثة ملايين مصري بها، ولكن تلك الخطة طويت أيضا في الأدراج. وبعد ثورة يناير وانتخاب محمد مرسي أول رئيس مدني كانت لديه خطط طموحة جدا لتعمير سيناء بدء من شرق القناة وحتى الحدود الدولية، ولكن لم يطل الأمر به لتحقيق خططه حين عزله وزير دفاعه من الحكم.

إن السكان يمثلون حائط الصد الأول ضد أي غزو من بوابة سيناء. ولا يمكن توطين السكان بسيناء إلا من خلال خطة طموحة للتنمية وإقامة المشروعات ومنح إعفاءات ضريبية وامتيازات للمشروعات التي تقام بها.

إن لدى سيناء ساحلًا طويلًا جدًا مقارنة بمساحتها، فهي أقرب لشبه الجزيرة؛ مما يوفر لها إمكانات سياحية أضعاف المستغل في جنوبها فقط. كما يمكن تطوير صناعة صيد الأسماك بها وتصنيعها وتصديرها. كما تتميز سيناء بغناها بالبترول والمعادن والرخام، حتى رمالها هي من أنقى أنواع الرمال التي يصنع منها أجود أنواع الزجاج والكريستال.

ليست سيناء فقيرة في مواردها، ولكنها فقيرة في سكانها وتنميتها وزراعتها بالسكان سيوفر منطقة إقتصادية تدر دخلا هائلا لمصر، وقد تكون منافسة لهونج كونج وتايوان وجبل علي بالإمارات لقربها من مناطق التسويق في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.

كما أن تنمية سيناء بالمشروعات سيضمن توطين أهلها، سواء من سكان المدن أم من البدو الرحل وربطهم بمشروعات اقتصادية تدر عليهم دخلا، وسيجدون ساعتها أن مصلحتهم مقاومة الإرهاب الذي سيهدد مصالحهم وأرزاقهم.

لقد كانت سيناء الصحراء القاحلة هي التي سهلت على عبدالناصر اتخاذ القرار بالإنسحاب منها في حرب 1956، ثم في حرب 1967، ولو كانت بها كثافة سكانية كبيرة لتردد كثيرًا قبل أن ينسحب منها، بل ما كان ليجرؤ على اتخاذ قرار بالانسحاب منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد