لا تكاد تخلو أوطاننا العربية، حيثما وليت وجهك، من أشكال احتجاجية متعددة ومختلفة، إما تعبيرًا عن رفض أمر ما، قانونًا كان، أو مظهرًا كيفما كان شكله، وإما دعمًا ونصرة لقضية معينة، أو للمطالبة بمكاسب اجتماعية في الغالب.

هذه الأشكال الاحتجاجية قد تتواجد على أرض الواقع كما قد تتواجد أيضًا في العالم الافتراضي على شكل حملات إلكترونية على مواقع التواصل الإجتماعي، وهي طريقة أبانت أيضًا على فاعليتها وجدواها في أكثر من مناسبة. وأبرز مثال على ذلك الحملة الإلكترونية الأخيرة الداعية إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية على خلفية تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المعادية للإسلام والمسلمين، وهي حملة انطلقت بالأساس على مواقع التواصل الاجتماعي لتمتد بعدها إلى أرض الواقع.

وعلى الجانب الآخر هناك الشكل الاحتجاجي الاعتيادي المتمثل في المظاهرات، والتي هي شكل احتجاجي سلمي حضاري، وأيضًا شكل من أشكال التعبير عن رأي جماعي مسحوب بضغط ومطالب من طرف المحتجين أو المتظاهرين، كما أن هذا الشكل يتميز، في الوضع العادي، بالتنظيم والسلمية، وليس التخريب وأعمال الشغب من مبادئ التظاهر في شيء. هذا وقد يكون هدف التظاهر التنديد والشجب وأيضًا التأييد والانتصار لقضية معينة كما سبق الذكر. إلا أن ما سنحاول التركيز عليه في هذه السطور، هو فعل التظاهر الذي يجري مجرى الاحتجاج الذي تحركه الحاجة إلى تحقيق مطالب اجتماعية.

إذا أخذنا المغرب كنموذج لهذا النوع فسنجده قد شهد، خلال السنوات الأخيرة، الكثير من الاحتجاجات والمظاهرات التي التي كانت لها مطالب اجتماعية بالأساس، وذلك بدءا باحتجاجات الريف، وقبلها حركة 20 فبراير (شباط)، التي تركزت في شمال المغرب على وجه الخصوص وبالضبط في مدينة الحسيمة بعد مقتل محسن فكري سنة 2016 سحقا في شاحنة لنقل النفايات على أثر محاولته إيقاف عملية مصادرة بضاعته من طرف السلطات العمومية، وهو الحدث الذي أدى إلى اشتعال فتيل حراك الريف في شمال المغرب على شكل احتجاجات سلمية استمرت لما يزيد على خمسة أشهر متواصلة، لتمتد بعدها إلى مدن ومناطق أخرى في البلاد، للمطالبة أيضًا بتحسين الأوضاع الاجتماعية والتي من بينها حراك جرادة وزاكورة انتهت كلها بحملات اعتقالات ومحاكمات.

إلا أن فعل التظاهر والاحتجاج في المغرب لم يتوقف هنا، حيث انضمت فئة اجتماعية جديدة تحتج بدورها وتطالب بحقوق ومكاسب مهنية تضمن استقرارهم الوظيفي والاجتماعي، يطلقون على أنفسهم الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، نسبة إلى نظام التعاقد الذي اعتمدته الحكومة المغربية في توظيف الأساتذة. إذ يتمثل المطلب الأساس للذين فرض عليهم التعاقد في دمجهم أسلاك الوظيفة العمومية أسوة بزملائهم النظاميين، أي الأساتذة المرسمون بشكل مركزي مع وزارة التربية الوطنية المغربية ضمن النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية، وهو ما سيضمن للذين فرض عليهم التعاقد اسقرارًا نفسيًا ووظيفيًا واجتماعيًا. هذا إلى جانب أن هذه الفئة أخذت على عاتقها الدفاع عن مجانية التعليم في المغرب أيضًا، على اعتبار أن توظيف الأساتذة بالتعاقد أو ضمن ما تسميه الحكومة المغربية بأطر الأكادميات الهدف هو الاجهاز على المدرسة العمومية المغربية من خلال تفويض مجموعة من الصلاحيات لأكادميات التربية والتعليم.

ولقد خاض الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد عدة أشكال احتجاجية لتحقيق مطالبهم، منها حمل الشارات الحمراء داخل مقرات عملهم، والمظاهرات خلال أيام العطل في بادئ الأمر، ثم إضرابات عن العمل مع أشكال احتجاجية، حيث شلت هذه الإضرابات المدارس المغربية سنة 2018 لما يقارب ثلاثة أشهر متواصلة. ثم تلتها بعد ذلك سلسلة حوارات بين الفئة المحتجة والوزارة الوصية. إلا أن مطالب الأساتذة لم تتحقق بعد وأشكالهم الاحتجاجية ما زالت مستمرة أيضًا.

إن ما يمكن أن نخلص إليه هو أن فعل الاحتجاج والتظاهر هو آخر خيار، إن لم نقل الوحيد، للمواطن في العالم العربي المهضومة حقوقه والمحروم من أبسط ظروف العيش الكريم. فإلى متى سيستمر هذا الواقع في أوطاننا ونحن على أعتاب سنة 2021؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد