حتى الحادي والثلاثين من أكتوبر (تشرين الأول) 1517، كان العداء لليهود يجتاح القارة الأوروبية، وينظرون إليهم باستحقار كبير، ويلقون على كاهلهم عبء «دم السيد المسيح» رغم أن هذا الاتهام الاعتقادي منافٍ لما جاء في القران الكريم، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)﴾ (النساء:157-158). وتنافس ملوك وأمراء أوروبا في إصدار المراسيم؛ لإجلاء اليهود من الممالك والمقاطعات الواقعة تحت حكمهم؛ للخلاص من شرورهم وأحقادهم ونفسيتهم المريضة الملوثة بالمكر للأمم والشعوب الأخرى. كان هذا الرفض السياسي المتجذر الذي أبداه الملوك والأمراء يتماهى مع حالة الكره والعداء الشديدين اللذين تكنهما وتظهرهما الكنيسة الكاثوليكية والبابا لليهود؛ باعتبارهم قتلة «السيد المسيح عليه السلام»، وتحريض أبنائهم وأشياعهم على قتل المسيحيين وسلب أموالهم وسبي ذراريهم.

لا يمكننا تناول حقيقة المشروع الصهيوني بمعزل عن بعض التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا في مطلع القرن السادس عشر، والانشقاق الديني والسياسي الكبير بين معتنقي الكاثوليكية المسيحية، والخروج على الباباوية والذي مهد الطريق لظهور التيار البروتستانتي وثورته على الكنيسة «رمز السلطة الروحية» في تلك الحقبة.

عرفت البروتستانتية طريقها إلى الوعي البشري عام 1517 عندما قام القس الألماني «مارتن لوثر»، بتعليق 95 اعتراضًا على باب كاتدرائية (فيتنبرج) معلنًا احتجاجه على زيارة مندوب البابا إلى المدينة، ورفضه المطلق تجارة صكوك الغفران والواسطة الكنسية بين العبد وربه، وإنكاره السلطة الباباوية على عقل وضمير وخلاص الإنسان، ومخالفة الكثير من الطقوس الدينية لتعاليم المسيح، وفساد رجال الدين. بصفته أستاذًا جامعيًا، أراد «لوثر» أن يثير نقاشًا أكاديميًا بحتًا حول الكثير من المسائل الإيمانية التي تمثل من وجهة نظره خللًا كبيرًا في العقيدة الكاثوليكية قبل أن يتحول هذا النقاش إلى حرب ضروس بين الكاثوليك والبروتستانت والتي فتكت بأرواح الملايين من سكان وسط أوروبا. أقر «لوثر» أن من حق القسيس أو الراهب الزواج وأنكر على القساوسة العزوبية الأبدية، وأقدم على الزواج من الراهبة «كاترينا فون بورا» عام 1525 وأنجب منها ستة أطفالٍ. وفي عام 1520 أرسل «مارتن لوثر» برقية إلى البابا «ليو العاشر» أوجز فيها اعتراضاته الخمسة والتسعين، وهاجم بعنف «هيئة الكهنوت الرومانية» وفسادها، غير أن البابا رد على هذه الرسالة بإصدار قرار الحرمان الكنسي بحقه واعتباره مهرطقًا خارجًا عن تعاليم الكنيسة الكاثوليكية.

وفي أوج ثورة المعترضين على خرافات «المطهر» وصكوك الغفران، أصدر «مارتن لوثر» عام 1523، كتابه الشهير «عيسى ولد يهوديًا»، الذي جسد حقيقة التحول الجذري في العلاقة بين اليهود ومجتمعاتهم المسيحية، حيث جاء في الكتاب: (أن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، وأن اليهود هم أبناء الله، ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون الكلاب التي تأكل ما يسقط من فتات مائدة أسيادها). كذلك دعا «لوثر» إلى اعتبار «العهد القديم» مركز العقيدة الجديدة وأساس الدعوة البروتستانتية، وحث أتباعه على تعلم اللغة العبرية؛ لفهم تعاليم التوراة وشروحاتها. كما أكد على أهمية إحياء التراث والثقافة اليهودية، وقام بترجمة التوراة إلى اللغة الألمانية ليقرأه عامة الناس والمتدينون على السواء، ولا يكون حكرًا على رجال الدين.

بالمفهوم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والتصور الإيماني المجرد كانت الأطروحات الجديدة التي قدمها «لوثر» بمثابة زلزال عنيف يضرب أرجاء أوروبا والعالم. لا لدوره في إسقاط الباباوية والوصاية الإلهية للكهنوت، وإنما لما يحمله هذا التحول الوليد من علاقة عضوية جديدة بين أعداء الأمس من أتباع الديانة اليهودية والنصرانية، بحيث أصبحت «البروتستانتية» الوجه الآخر للحركة الصهيونية والقومية اليهودية التي بدأت تجد طريقها إلى النفسية والعقلية المسيحية المؤمنة بنبوءات التوراة؛ سيما إحياء مملكة أورشليم، والاستعداد لعودة المسيح.

وبدخول اليهود المسيحية تحت مطرقة الاضطهاد والرغبة في هدم العقيدة الكاثوليكية من الداخل، حاول الكثير من اليهود زرع بذور الفشل والوهن في النظام القائم، ودفعوا ما لديهم من أموال الربا؛ لتأليب العامة على الكنيسة مستغلين فساد النظام السياسي والديني للكنيسة ورجال الدين، وهيمنة البابوية في روما والفاتيكان على مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي هذا المضمار، لم يكن من قبيل الصدفة أن يتهم البابا «ليو العاشر» القس «مارتن لوثر» باليهودي المتنصر الذي يحاول شيطنة الديانة المسيحية لعلمه المسبق أن اليهود يمارسون هذه اللعبة القذرة لقض بنيان الكنيسة الكاثوليكية التي تناصبهم العداء ولا ترى لهم مقامًا في أوروبا.

لكن موقف «مارتن لوثر» من اليهود تدهور كثيرًا في الرمق الأخير من حياته بعدما أيقن أن اليهود لن يعتنقوا الديانة المسيحية رغم ما يحمله الفكر التحرري الجديد من مركزية للكتاب المقدس واللغة العبرية والتراث اليهودي. بعد هذا اليأس العميق، أصدر «لوثر» عام 1544 كتابه الشهير «اليهود وأكاذيبهم»، حيث وصفهم في الكتاب بأنهم قوم تصلبت مشاعرهم، وتحجرت قلوبهم، وباتوا في حيرة مطلقة لا يرون لأنفسهم خلاصًا. ويرى أن الشر أصيلٌ في طباعهم، ولا فائدة منهم حتى لو اعتنقوا الديانة المسيحية. ويقر «لوثر» أن التلمود أكثر شرًا من الفلسفة الوثنية، واليهود هم أبناء إبليس وأولاد الأفاعي يمتصون دماء الشعوب بالربا. ودعا «لوثر» إلى تدمير بيوتهم، وإغلاق مدارسهم ومعابدهم، ومصادرة أموالهم المنهوبة من جيوب المسيحيين، ومنع الحاخامات من تعليم التلمود والأسفار لصغارهم والسذج من سوادهم، وإعمال السيف فيهم ثأرًا لدماء المسيح.

وأخطر ما في الكتاب أنه أعاد التأكيد على ضرورة تهجير اليهود من أوروبا إلى يهوذا بحجة تطهير أوروبا من قذاراتهم، وتجميعهم من أصقاع العالم في الأرض الموعودة، والتحضير لنزول المسيح حسب الروايات التوراتية التي أصبحت الإطار المرجعي المقدس لأوروبا الثائرة والباحثة عن التحرر والتنوير والهوية.

وبانطلاق دعوة «لوثر» إلى العلن، غرقت أوروبا ببحار من الدماء والحروب الأهلية بين معسكر الكنيسة الكاثوليكية وأنصار الفكر البروتستانتي الذي بدأ يشق طريقه بقوة إلى قلوب وعقول المسيحيين. وقد خلفت هذه الصراعات هلاك أكثر من 30% من سكان أوروبا، وانتشار الأوبئة والأمراض التي فتكت بملايين البشر. وانتقلت الصراعات الدينية من ألمانيا إلى فرنسا، حيث ارتكب الكاثوليك في فرنسا جرائم مروعة بحق البروتستانت كان أشهرها مجزرة «سانت بارتيليمي» التي أبيد فيها حوالي 30 ألف بروتستانتي وهرب الباقي إلى أماكن متفرقة في أوروبا. استمرت الحروب الدينية أكثر من مائة عام، ولقي أكثر من 40 مليون إنسان مصرعهم حسب تقديرات العديد من المؤرخين؛ سيما في دول وسط أوروبا حتى توقيع صلح «ويستفاليا عام 1648 الذي وضع نهاية للحروب الدينية في أوروبا، وأرسى الدعائم الأولى للتعايش المشترك.

ومع طي صفحة مفجعة في تاريخ الحروب الدينية في أوروبا والتصالح القهري بين الثورة الدينية والتقليد البابوي زاد الاهتمام باللغة العبرية والتراث اليهودي، وانكب الكثير من الأوروبيين على دراسة تاريخ اليهود وقصصهم والكتاب المقدس، وبدأ اليهود حياة الاستقرار والخروج من «الجيتو»، والاندماج في المجتمع. وبترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات الشعبية السائدة وانتشار الطباعة، تأثرت الكثير من الحركات الفكرية والمدارس الفلسفية والمذاهب السياسية بما عرف بعد ذلك بالمسألة اليهودية وشعب الشتات الذي يحلم بأرضه الموعودة. كما عمل التطور المتسارع للنظريات الاقتصادية والفلسفة الرأسمالية على تعظيم الحضور اليهودي في الحيز العام وحملهم إلى تولي العديد من المناصب الرفيعة، وتشكيل اللبنات الأولى للتيار المسيحي الصهيوني الذي عمل منذ الثورة اللوثرية على توجيه المواطن الأوروبي وفق المنطلقات اليمانية للطائفة الجديدة التي بدأت أقدامها تتصلب في التربة الأوروبية.

لقد أنشأ الاعتقاد الإصلاحي الجديد، والجدل الحاد بين الثورة والهرطقة التزامًا دينيًا وسياسيًا متناميًا عبر أكثر من أربعة قرون بضرورة عودة شعب الله المختار إلى أرض الميعاد، وإفراغ فلسطين من سكانها الأصليين على قاعدة الاستيطان الأمريكي في قارات العالم الجديد، وإبادة الهنود الحمر إذ لا مكان على أرض فلسطين سوى لشعب الله المختار وأسياد العالم!

وبموجب هذا الاحتضان الروحي للعهد القديم، والزواج الأبدي بين البروتستانتية والشريعة اليهودية أصبح الكتاب المقدس وثيقةً سياسية وعهدًا دوليًا شديد الخطورة مهد فيما بعد لظهور الحركة الصهيونية، ووعد بلفور؛ ومن ثَمّ إنهاء الانتداب البريطاني وإعلان ما تسمى اليوم بدولة إسرائيل. بهذا التحالف العضوي بين الثالوث المقدس: «البروتستانتية واليهودية والصهيونية» سيطر التيار المسيحي الصهيوني على سياسات معظم حكومات أوروبا والعالم وبات العداء للسامية الاتهام الأسهل لضرب الخصوم وترويضهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد