قبل حادثة اغتياله بستة أشهر، أمر حاكم جمهورية الدومينيكان الديكتاتور رافائيل تروخيو بتنفيذ اغتيال وحشي للأخوات ميرال الناشطات السياسيات المؤسسات لحركة الرابع عشر من يونيو (حزيران).

نُفِذَ الاغتيال في الخامس والعشرين من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1960 من قبل مجهولين بُعيد خروجهن من السجن، هناك حيث تعرضن لأسوأ أنواع التعذيب بعد سلسلة مطاردات طالتهن وطالت كل أفراد أسرتهن. الأخوات باتريسيا وماريا وأنطونيا لقبن بالفراشات لكثرة تحركاتهن ومجهوداتهن من أجل معارضة تروخيو والدعوة إلى إسقاط نظامه القمعي، والذي وصف بالأكثر دموية في تاريخ الأمريكتين، حيث تسبب في مقتل ما يزيد عن 50 ألف شخص، وما يتراوح بين 20 ألف إلى 30 ألف شخص في مذبحة بارسلي «Parsley Massacre» الشهيرة.

بعد اغتيالهن، عملت شقيقتهن الرابعة ديدي بتحويل منزل العائلة إلى متحف يخلد ذكرى نضالهن، كما اعتمدت منظمة الأمم المتحدة يوم 25 نوفمبر اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة. باتت الجمعية العامة للأمم المتحدة تُعرّف العنف المسلط على النساء على أنه «أي اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب بإحداث إيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضًا التهديد بهذا الاعتداء، أو الضغط، أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة.»

كما سطرت كل من اتفاقية سيداو/ CEDAW (اتفاقية القضاء على جميع أنواع التمييز ضد المرأة
لسنة 1979) في توصيتيها العامتين 12 و19، وإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة
لعام 1993 الخاص بالقضاء على العنف ضد المرأة، واتفاقية البلدان الأمريكية لعام 1994 حول منع العنف ضد المرأة والمعاقبة عليه، وبرنامج عمل فيينا للحد من العنف ضد المرأة وفي الفقرة 18 منه، وبروتوكول ماباتو لسنة 2003، حدود مفهوم العنف ضد المرأة في شكله العام على أنه «العنف الموجه على أساس نوع الجنس» أي كل عمل أو تهديد بفعل يستهدف إيذاء/ جعل المرأة تعاني جسديًٌا أو نفسيًٌا أو جنسيًّا.

فرنسا: محتجو ساحة الجمهورية ضد ظاهرة ال«féminicides»

في 6 يوليو ( تموز) 2019، تجمع مئات المحتجين من مختلف منظمات حقوق المرأة في فرنسا في ساحة الجمهورية وسط باريس، تلبية لنداء أطلقته حركة «نحن كلنا» المكونة من عدة جمعيات مدنية للمطالبة بإنهاء ظاهرة «الإفلات من العقاب التي ينعم بها المعتدون» واحتجاجًا على ارتفاع معدلات العنف ضد المرأة، حيث أفادت وزارة الداخلية الفرنسية أن 130 امرأة قتلن في مختلف مناطق جمهورية فرنسا سنة 2017 مقابل 123 امرأة في 2016؛ أي امرأة واحدة تقريبًا كلّ ثلاثة أيام. مقابل 74 امرأة لغاية شهر يوليو 2019 . وكلّ سنة، تتعرّض نحو 22 ألف امرأة لأعمال عنف زوجي، بحسب أرقام 2017 الرسمية. و أكثر من 250 امرأة تتعرض للاغتصاب يوميًّا، كما عانت امرأة واحدة من كلّ ثلاث من مضايقات أو انتهاكات جنسية في مواقع العمل. وفي خضمّ حملة «METOO» التي انطلقت العام الماضي، ارتفع عدد البلاغات الواردة إلى الشرطة عن حالات عنف جنسي بنسبة 23%، بحسب بيانات الحكومة الفرنسية. ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جعل المساواة بين الرجال والنساء «قضية كبرى» في ولايته.

قتل الزوجة على يد زوجها أو شريك حياتها السابق، بالإضافة إلى ارتفاع الإحصائيات بشكل منتظم، دفع المنظمات النسوية وكل الفاعلين في المجتمع المدني، وجمعيات الدفاع عن حقوق المرأة لإطلاق تسمية جديدة «féminicide» والمقصود بها عملية قتل المرأة لأنها امرأة.

صرحت كارولين دو هاس إحدى القيمات على هذه المسيرة النسائية في تصريحات عبر إحدى الإذاعات الفرنسية المحلية: «لا يتخطى عددنا عادة المئات أو حتى الآلاف ولكن بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضدّ المرأة في 25 نوفمبر (تشرين الثاني)، سنكون في هذه المناسبة عشرات الآلاف من المتظاهرين في أنحاء فرنسا برمتها».

بلغ عدد المتظاهرين حوالي ألفي شخص، رفعوا شعار «احموهن» و«كفى» و«أوقفوا العنف ضد النساء» و«الكوكب يحتاج النساء»، مطالبين الحكومة والبرلمان باتخاذ إجراءات فورية لمواجهة هذه الجرائم، و ضمت المظاهرة عددًا من نجمات السينما والفن. كما شهدت المظاهرة تفاعل وزير الدولة لشئون المرأة مارلين شيابا مع المتظاهرات عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر، وأعلن عدد من الشخصيات السياسية في الأغلبية والمعارضة، وكذلك رئيس الجمهورية تضامنهم مع مطالب المتظاهرين.

فلسطين: لا وجود لوطن حر إلا بنساء حرة

بعد مقتل الطفلة يارا أيوب البالغة من العمر 16 سنة في قرية الجش (التابعة لمنطقة الجليل بالداخل المحتل)، والتي عُثر على جثتها مرمية في إحدى حاويات القمامة، حيث كانت تحمل آثار عنف شديد في كامل مناطق جسدها، جاءت فكرة تأسيس حراك «طالعات» في شهر نوفمبر من سنة 2018، على يد مجموعة من النساء الفلسطينيات بهدف التظاهر ضد كل أشكال العنف الممارس على المرأة الفلسطينية أينما وجدت.

حراك «طالعات» هو امتداد لحركة نضالية نسوية استمرت لعقود، مستقل غير تابع لأي جهة أو مؤسسة مدنية اجتماعية، أو سياسية حزبية كانت. من عمق المجتمع الفلسطيني – الذي كان وما زال يسعى إلى حصر كل جرائم العنف ضد المرأة في خانة الجريمة الجنائية الشخصية، منفصلة عن كل الحالة الاجتماعية العامة المرتبطة بموروث ثقافي من العادات والتقاليد التي تصب في إعلاء مكانة «سي السيد» على حساب مكانة «المرا»- خرجن لكسر حاجز الخوف والتهميش، متخذات من الشوارع حيز فضاء للتعبير عن قتامة واقع تؤكده كل الإحصائيات والأرقام التي سجلت في السنوات الأخيرة.

«لا وجود لوطن حر إلا بنساء حرة»، هكذا كان شعار مناضلات الحراك للخروج من قلب فلسطين المحتلة والضفة وغزة والقدس في 26 سبتمبر (أيلول) 2019 لتوجيه رسالتهم الغاضبة لكل فئات المجتمع ومؤسساته، الاجتماعية، والمدنية، والسياسية، ليقرعن ناقوس خطر بات يهدد تماسك المجتمع الفلسطيني تحت مسمى جرائم الشرف.

استطاع الحراك كسر حاجز الخوف وفرض مساحة نقاش حقيقية وواقعية خارج الغرف المظلمة الضيقة، مساحة تقام في الحيز العام من أجل كسب كل التضامن الاجتماعي وتجاوز حالة الشرذمة التي عمل الاحتلال الصهيوني على زرعها داخل النواة الأولى للمجتمع الفلسطيني؛ إذ عمد لأكثر من سبعين عامًا على تعزيز البنى الأبوية الذكورية، من أجل خلق دائرة صراع دائمة داخل المجتمع تدفع بالأساس إلى تفككه، وبالتالي القدرة على التحكم فيه وإحكام القبضة عليه.

إلى جانب نجاحه في تنفيذ عدة وقفات احتجاجية في الشارع الفلسطيني، عرف الحراك انتشارًا سريعًا في عدة دول عربية وأجنبية على غرار العاصمة بيروت والعاصمة الألمانية برلين.

رغم أن السلطة الفلسطينية قد سبق لها التوقيع على القرار رقم 1325، والذي ينص على حماية النساء داخل مناطق الصراع والمناطق القابعة تحت الاحتلال، ورغم أن حكومة رامي حمد الله مضت سنة 2014 أيضًا على اتفاقية سيداو الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي السنة ذاتها قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلغاء المادة (340) من قانون العقوبات (تعفي هذه المادة مرتكبي جريمة القتل بتعلة الدفاع عن الشرف من المساءلة القانونية)، كما أسقط المادتين على التوالي (98) و(99) من القانون ذاته (تسمح المادتان بإعطاء الفرصة لمرتكب جريمة القتل من تخفيف الحكم الصادر بحقه)، ونتيجة للضجة الإعلامية التي أعقبت جريمة قتل الشابة الفلسطينية إسراء غريب وما رافقها من جدال تشريعي واجتماعي، جرت تعديلات على المادة (16) من قانون العقوبات لسنة 1960، كما رسمت الحكومة الفلسطينية الخطوط العريضة لوثيقة «الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية لمناهضة العنف ضد المرأة للأعوام 2011 و2019»، رغم كل هذه الإجراءات التشريعية القضائية المفعلة بغاية حماية المرأة الفلسطينية، فإن واقعها اليومي المعاش يؤكد أن كل ما سبق ذكره ليس إلا محض قرارات على ورق.

أشارت دراسات وإحصائيات نشرتها «طالعات» إلى أن 28 امرأة في فلسطين قُتلن منذ بداية العام الجاري، في حين تصر الشرطة الفلسطينية على نفي هذه الأرقام المبالغ فيها على حد وصفها، إذ تؤكد أن عدد النساء اللواتي فقدن حياتهن نتيجة العنف المسلط عليهن لا يتجاوز أربعة نساء منذ بداية سنة 2019، الأمر الذي دحضته وزيرة المرأة الفلسطينية آمال حمد حيث أفادت أن العدد يفوق ما قدمته الشرطة، معللة ذلك بأن الكثير من حالات العنف لا يجري تسجيلها لغياب الدليل. في حين حصد عام 2018 أرواح 35 امرأة.

كما أفاد مسح أجراه مركز «المرأة» للإرشاد القانوني والاجتماعي أنّ حوالي 37% من النساء اللواتي سبق لهنّ الزواج تعرضن لأحد أشكال العنف من قبل أزواجهن بنسبة 29.9% في الضفة الغربية، مقابل 51.1% في قطاع غزة.

تونس: بالمكانس يكتسحن الشوارع

في إطار سلسلة فعاليات شهدتها تونس في 25 نوفمبر 2019، وبالتزامن مع إحياء اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، نظمت جمعية «النساء الديمقراطيات» مسيرة وطنية غاضبة انطلقت من باب بحر (وسط العاصمة تونس) مرورًا بالمسرح البلدي في اتجاه ساحة 14 يناير (كانون الثاني) بشارع الحبيب بورقيبة، لمناهضة العنف ضد المرأة.

شاركت في هذه المسيرة أكثر من 55 جمعية وطنية ودولية على غرار جمعية مناهضة التعذيب، ورابطة الناخبات التونسيات، وجمعية التونسيات للبحث حول التنمية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجمعية «بيتي» والشبكة المتوسطية للحقوق، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والجمعية التونسية للحريات الفردية، والجمعية التونسية للصحة الجنسية والمتندى التونسي من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية أنصار المرأة الريفية، ومنظمة مساواة، والاتحاد الوطني للمرأة التونسية.

«العنف نقمة والسكوت مضرة»، والشعب يريد لا عنف بعد اليوم»، و«ثورة نسوية ضد الرجعية»، كانت هذه أبرز الشعارات التي رفعت في المسيرة، كما رافقتها تحية وجهت إلى مناضلات حراك طالعات في فلسطين للتأكيد على أن مطلب وقف العنف ضد النساء مطلب موحد بين جميع المناضلات في كل الوطن العربي على امتداد أقطاره، وألا حرية لنساء تونس دون حرية شقيقاتهن في القدس، والقاهرة، والرياض، وبيروت، وبغداد…

في دراسة للمعهد الوطني للأسرة والعمران البشري تشير الأرقام إلى أن حوالي 47% من التونسيات تعرضن ولو مرة في حياتهن إلى العنف، وتبين الدراسة أن العنف الجسدي والمادي هو الأكثر شيوعًا بنسبة تناهز 32% يليه العنف النفسي بنسبة 28.5%، ثم العنف الجنسي بنسبة 15.9%. كما لاحظ عديد من الباحثين أن العنف ضد النساء ارتفع بعد سنة 2011 (نقطة التحول السياسي وانطلاق المسار الديمقراطي)، وذلك لعدة أسباب أبرزها ارتفاع العنف الاجتماعي والسياسي نتيجة للأزمة الاقتصادية. وأشارت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن، في مطلع أغسطس(آب) الماضي، إلى أن وزارة العدل سجلت نحو 40 ألف شكوى تقدمت بها نساء تعرضن للعنف خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2019.

تعليقًا على هذه الإحصائيات، تقول لي إحدى الغاضبات والمشاركات في المسيرة: «نحن لسنا نطالب بما هو أكثر منهم، ولكننا قطعًا لن نقبل بما هو أقل. تحت بند وعنوان المساواة نطمح لأن نتشارك المجتمع الواحد دون تمييز، دون إقصاء مبني على أساس الجندر ودون عنف».

ختامًا

النساء اليوم، نساء وطني تونس ونساء كل العالم العربي، قادرات – وهن لسن بحاجة إلى شهادة مني – على أن يكن أولياء أمورهن، ولهن من رجاحة العقل والوعي ما يسمح لهن بذلك، ولنا نحن في التاريخ الحديث والقديم نماذج لا يتسع هذا الفضاء لذكرها، ساهمت وما زالت تساهم في بناء مجد هذا الشعب والأمة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد