كيف أصبحت المظاهرات العراقية روتينًا للحكام في آخر خمسة عشر عاما ؟

كيف أصبحت المظاهرات العراقية روتينًا للحكام في آخر 15 عامًا؟

الجواب في آخرها التي كانت من نصيب البصريين بعدما لاقت دعمًا شعبيًّا واسعًا، وعلى الرغم من كسرها بعض القيود فإنها لم تستطع تحقيق أهدافها! ليس من الغريب أن بريق هذه التظاهرات لم يستمر طويلًا، خصوصًا بعد تدخل الحكومة وبطريقة بشعة ولا أعلم إن كانت أفعال الأحزاب وميليشياتها التي أوحت أنها متنفذة بصلاحيات حكومية من ضمن هذه التدخلات أم هي شخصية!

وأكثر ما يثير التكهنات إن هذهِ الممارسات الحزبية الدموية التي أصبحت هي العلاج ارتفعت عند تفاقم حدة المظاهرات وتوسعها، ومساسها بمصالحهم ومدخلاتهم الشخصية، ومن جانب آخر تخوف حكومي من اشتعال فتيل باقي المحافظات على صخب احتجاجات البصرة.

إلا أن أثناء استنفار الحكومة المركزية وأحزابها، وتوجه ممثل المرجعية بصورة شخصية إلى المحافظة لدراسة وتنفيذ حلول فورية آنية، بدأ يتضح انخفاض مؤشر حدة المظاهرات التي راح ضحيتها مساكين لا تتجاوز أحلامهم حدود أعمارهم الفتية دون تحقيق المطالب أو تنفيذ المشروعات!

هذا ما دعاني، في العودة إلى الوراء، للوقوف على الأسباب التي آلت إلى هذا التدهور العام وإلى انعدام القابلية الشعبية في التغير والاستسلام لواقع الحال.

ومن خلالهِ هذا سيعيدنا إلى بداية مسار الاحتلال وتبعياته التي كان الهدف منه هو الإطاحة بالنظام السياسي لغرض إنقاذ الشعب وتحريره من الدكتاتورية وتحقيق الديمقراطية، على حد قولهم، هكذا كانت الرؤية لمن لم يتجشم عناء النظر إذ استطاعوا تحقيق جميع أهداف الغزو المحددة باطنيًّا، والمقرة والثابتة في سياق عمل السياسة الخارجية الأمريكية المنتهجة بنظام حديث باستعمار نظام الحكم في الدولة المستهدفة، واستعمار الفكر المجتمعي وإشغاله وتحييدهُ عن القضية الوطنية، عن طريق إباحة كل ما هو ممنوع ومحرم أخلاقيًّا وشرعيًّا تحت غطاء مسمى الحرية والديمقراطية، وهذا ما نحن على خطاه نسير اليوم نظام يسهل لهم السطو على الجانب المادي، ويجنبهم الخسارة البشرية كما هو حالنا الآن، ويمكنهم من السيطرة على القوى الثائرة والتحكم بسلوكها عن طريق المتسلطين من أبناء جلدتهم تمامًا مثل ما حدث في البصرة وسابقتها بمعنى قتل روح الانتفاض، ونبذ الفساد، وزرع مبدأ حياة العبيد.

‏‎إلا أن ضمان ديمومة هذه السياسة يكمن في نقطة مهمة جدًّا، وهي تفكيك روابط مجتمع الدولة المستهدفة، وإغراقه في الصراعات الداخلية، وإسقاط هويته الوطنية ومبادئه الأساسية.

‏‎وهذا ما مارسته أمريكا في العراق بترك الباب مفتوحًا أمام إيران تحديدًا لأنها على يقين من السياسة الإيرانية التي تتصنع بالصبغة والطابع الديني أكثر من السياسي الذي بدوره سينعكس سلبًا على توجهات الشعب نحو المسار الديني المذهبي الذي سيشغل الشارع ويُحيده عن القضية الأساسية الوطنية وحتى إن استفاق في ما بعد من الغيبوبة الفكرية، وبدأ يفكر في المصلحة العامة أولًا سيجد أمامه جذورًا كثيرة متشعبة ومتجذرة في أعماق كثير من الشعب كالأحزاب.

هذا بدوره سيشتت جمع كلمة الوحدة الشعبية والولاء الوطني حسب الفائدة المكتسبة من قبل الأحزاب؛ أي بمعنى سنكون على حافة الاقتتال الداخلي دائمًا عند الإقبال على أي خطوة للإصلاح مما سيجعلنا نلتجئ إلى المكوث بعد كل جملة من الاحتجاج، إذ أصبح هذا مفتاحًا لإخماد كل انتفاضة بحجة تجنب الاصطدام الداخلي كما حدث مع البصريين ومن قبلهم، حينها يكون الفرد على مفترق طريق فتبدأ خلاياه الدماغية بالتضارب بإصدار الأوامر بين هرمون الأوكسيتوسين العاطفي بين حب الوطن أو المعتقدات، فنعود للمكوث متأملين بمبدأ الحوار وسيعود السؤال نفسه؟

عن أي تحاور يكون الحوار عن سير الحكومة بتسيد الميليشيات، والدليل سال مع دماء شباننا البصريين، أو عن فشل قدرة الحكومة الدبلوماسية في إقناع الجانب التركي بزيادة إطلاقات نهري دجلة والفرات، أو عن عدم إيجاد حل لمنع تمدد مسطحات ملوحة أراضي إيران لمياه شط العرب، أو إقناعهم بزيادة إطلاقات نهر الكارون، أما عن تفشي الفساد الإداري في المحافظة، الذي فشل على مدار 15 عامًا في معالجة التلوث الكيميائي، ويتبعه الآن التلوث الطبيعي إثر تراكم الفشل الدبلوماسي والجهد الهندسي داخليًّا، وهذا هو الحال في العراق بشكل عام.

لذلك من خلال جميع هذه الاستيقافات تبين ‏‎ الجواب، أن أمريكا استطاعت أن تمزج الفكر العراقي بالديمقراطية والمذهبية الطائفية في آن واحد، أي بمعنى تشكيل حكومة حزبية شرعية بإرادة الشعب الطائفية التي بنيت بأياد إيرانية وأخرى عربية لا تقل سياستها ضمورًا عن نظيرتها؛ لتكون المحصلة هي استشراء الفساد مقابل انعدام قدرة القضاء عليه.

بسبب فرقة الصف الوطني، وضياعه بين التحزبية المذهبية، لتكون المحصلة النهائية لأي من المشكلات لا شك هي الاحتكام إلى الحوار تحت تأثير مخدر منطلق الديمقراطية المزعومة، وهذا ما أشرت اليه سابقًا، والنتيجة بينة مسبقًا للعيان هي عدم الاتفاق لتعود الأمور لبداية الطريق، وهكذا باستمرار يكون النضوج والتميز منعدمين في اتخاذ القرار، كما هو الحال في المجتمع؛ فالكل يجهل أي مطلب يضعهُ في الأولويات، ليظل الشعب مسيرًا ليس مخيرًا في القرار.

‏‎            وهذا ما هيأه التكوين الطبقي للعراق بفسح المجال أمام أمريكا لتسير بهذهِ الخطى بتحكيم زمام أمور ومقدرات البلاد إلى من هم ليسوا أهلًا للاحتكام، تمكنوا بدورهم من استغلال أفكار المجتمع كلًّا حسب طائفته وترويضها عن طريق أولئك الذين كانوا يحملون العداوة للعراق فوق عمائمهم الدينية، بعد أنْ عملت أولًا على إبادة واستئصال كل البناة الحقيقين داخل المجتمع، وإثارة حالة من الفوضى العارمة لتسهيل دخولهم إلى السلطة لقيادة العراق وشعبه، إلى الساحل الذي تشتهيه السياسة الأمريكية.

‏‎وهنا النقطة الأساسية في كيفية ضمان واستدامة هذه السياسة على مدى عقد ونصف العقد من الزمان تمحورت في مدى قدرة هؤلاء المتسلطين على السلطة والشعب بقوى خارجية تمدهم بخطط إدارة محبوكة بصبغة مذهبية، أن يجعلوا العلاقة المبنية بينهم وبين الشعب علاقة مذهبية ليست مهنية؛ فأصبح مقياس تقييم العمل السياسي والإداري في البلاد مذهبيًّا لا يمكن أن يرفض، حتى وإن كان فاشلًا أو فاسدًا على المستوى الإداري، والسبب بسيط بحجة كي لا يتم هبوط مستوى أسهم المذهب الفلاني في الحكومة، بالتالي سيلحق الضرر بشريحتهِ المؤيدة داخل المجتمع، وهذا ما عملوا على تكريسه في العقول، وإن ‎جميع ما قمت بذكره يمكن أن يرمز له بمصطلح التربية المجتمعية في تحديد واتخاذ قرار المصلحة العامة، فنسبيًّا يمكن القول إيجاد الحل في السبب، لكن لا يمكن إيجاد الحل في المسبب فليس من المنطقي أن يطلب العلاج من المرض نفسه، وهذا ما عملت عليه أمريكا بتغييب وإشغال الشعب في المطالب عن مركز قطر دائرة الحلول، بسواعد المربيين المتدينين ليس الآباء بوضعهم موضع المسؤول، علاوة على ذلك أن ما حققه المجتمع العراقي من رقي بالمستوى الثقافي والأخلاقي، والتمسك بالمبدأ الديني، وفرض شخصية إقليمية ودولية قوية للفرد العراقي بعيدًا عن آلية النظام السابق في العقود السابقة، أصبح مصدر إزعاج دولي لعدم خدمة أو تيسير المصالح الشخصية وما أنجز مكملًا إبان حكم النظام السابق، بتشكيل قوة ردع ضد القوى الإقليمية المتجاوزة، كان لا بد أن يمنع وباستمرار لغرض تحقيق المصلحة الشخصية.

‏‎            وهذا ما قضاهُ العراق على مدى 14 عامًا من تظاهراتٍ واحتجاجاتٍ متزمتةٍ، وتصفيقٍ وتبجيلٍ ضد والى الجناة، ليُحل دائمًا بنا المطاف بتضارب أفكار الشعب تجاه انخفاض مستوى الأسهم، أو تجاه إملاق حقه، ويعود ليجلس كطفل فوضوي لا يعي المصلحةَ في أهمية حسم قرار الأمر، متناقضًا يسوده عدم الاستقرار والاتزان بين حب المعتقدات وضياع الوطن والذات، بالتالي ستكون محصلة الأرباح هي استمرار هذا الاستعمار لأطول زمن كان، وبدوره تُبرهن المظاهرات تسميتها بالفقاعات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد