أن أهب نفسي لخدمة صاحبة الجلالة، إنه الحلم الذي راودني قبل ولوجي معهد الإعلام بسنوات، آثرته على كل المهن المرموقة حسب مجتمعي العربي المحدود، لا أريد لا أن أكون طبيبة ولا محامية ولا مهندسة معمارية، فكل ما أراده قلبي هو أن أشهر قلمي في وجه الظلم وأرفع صوتي عاليًا ويصل صداه لسابع السموات، في وجه بني الفساد والمفسدين.

أقسم في اليوم مئة مرة على أن أصون لكل شخص كرامته وحريته ولو كلفني ذلك الكثير، ففي عالم لا يعترف بالحرية إلا على دساتيره، وتظل حبيسة جدران القوانين والمواد، يصعب أن تكوني تلك الصحافية التي حلمت بها، يصعب أن تناضلي بكل ما أوتيت من قوة، لكن لا يستحيل… فلو كان الموت هو الحل، فأنا لا أهابه.. فقدري أن أكون صحافية، بكل ما للكلمة من معنى.

وهم حرية التعبير في العالم العربي

نأسف لحال ما وصلت إليه الصحافة في العالم العربي، مهنة للارتزاق لا أقل ولا أكثر، وإن التمسنا الأعذار لبعض الزملاء الصحافيين،سنجد أن غياب الحرية والقمع تغلبت على روح النضال والتضحية لديهم.

فالدول العربية في ذيل قائمة الدول التي تمنح لصحافييها هامش الحرية، وممتلئة على آخرها اللوائح التي تضم أسماء صحافيين قتلوا، أو سجنوا، أو تعرضوا للتهديد من أجل السكوت عن باطل والمساهمة في إحقاقه. فمناخ عمل الصحافيين في الدول العربية أو الغربية هو مناخ يغلب عليه الخوف والتأهب الدائم للموت، ولا أبالغ حين أقول ذلك.

ورغم المحاولات الكثيرة التي رامت تحرير القطاع في المغرب من سلطة الدولة واحتكارها، إلا أن الدولة لم تتخل عن رقابتها للخطاب الإعلامي الذي يبث، ووضعت الكثير من الحدود التي يمنع تجاوزها، وعقوبة خرق ذلك معروفة.

نحن هنا لا نتحدث عن رغبة الصحافي في السب والقذف وتوجيه أصابع الاتهام دون موجب حق، بل تنوير الرأي العام وتسليط الضوء على ثلة من الخروقات التي تصدر عن جهات تتمتع بحصانات تقيها المحاسبة والسؤال. فحرية التعبير تعتبر حقًا مشروعًا وعالميًا، وركنًا أساسيًا من منظومة حقوق الإنسان، وتصنف باعتبارها جزءًا من الحقوق المدنية والسياسية، وبدون تمتع الإنسان بهذا الحق، لن يتمكن من التمتع بأي من الحقوق الأخرى، نصت عليه العديد من المعاهدات الدولية والإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان، وكذا دساتير أغلب الدول الديمقراطية ومن بينها الدستور المغربي. لكن هذا الحق لا يتجاوز كونه حبرًا على ورق، نأمل في أن يصير شيئًا ملموسًا في أقرب الآجال، فالصحافة العربية تحتضر، وتنتظر منا شفاءها.

المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه

لقد عانت المرأة من التمييز بشكل كبير في مجال الصحافة في القرن التاسع عشر، وهذا ليس بالأمر الغريب، فالمرأة عانت كثيرًا في شتى المجالات لتصل إلى ما حققته اليوم، لقد خاضت حربًا ضد التقاليد والعادات ومجموعة من «stereotypes». ومع ذلك، عملت النساء محررات ومراسلات ومحللات رياضيات وصحافيات حتى قبل التسعينات من القرن التاسع عشر، وقد كانت أول امراة صحافية بالمغرب هي الصحافية والأديبة خناتة بنونة، التي حصلت على البطاقة الصحافية عام 1965.

أما في العالم العربي، فقد كانت هند نوفل، وهي صحافية لبنانية، أول امرأة في العالم العربي تنشر صحيفة تختص بقضايا المرأة وحسب. أسست في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1892 مجلة «الفتاة» واستمرت المجلة سنتين.

كانت هند تتحاشى في مجلتها الشؤون السياسية والدينية وتعمل في حقل واحد هو الدفاع عن المرأة. وقد تمكنت رولا خلف من أن تصبح أول عربية وأول امرأة تتولى رئاسة تحرير صحيفة «فايننشال تايمز» منذ 113 سنة، وهي التي تعد من أهم الجرائد، إذ تجاوز عدد قرائها المليون.

وبرغم من كل ما سلف ذكره، ولو استعرضنا إنجازات المرأة الصحافية في مجلدات وليس فقط مقالات، لا نستطيع مسح مجموعة من الكليشيهات المترسخة في الأذهان، والتي تجعل من المرأة أداة فقط، شيئًا مليح القوام حسن الوجه يصلح للتنشيط واستقطاب الجماهير للرفع من عدد المشاهدين، تلك الصورة النمطية للمرأة الإعلامية بالعالم العربي، جعلتها تنحصر في برامج الفن والدردشات النسائية، وتقصيها من تغطية الحروب ومحاورة السياسيين وإسهامها في تنمية المجتمع وتنويره فكريًا.

فمبادئ الصحافة تستدعي ضرورة المساواة بين الجنسين، وخلق جو مناسب للعمل تنسف فيه جميع ما قد يجعل الصحافية الحلقة الأضعف في العمل، ومعاملتها مثلها مثل الصحافيين الذكور، دون تعرضها للتحرش الجنسي أو الابتزاز. ورغم أن طريقنا غير مفروش بالورود، إلا أننا على يقين تام بأن عالم الإعلام ستحكمه النساء.

حينما يتحول الحبر إلى دم

لا شك أن الجميع يعلم اللقب المصاحب دائمًا للصحافة، إنها مهنة المتاعب والمشاق والهلاك، فقد زاد عدد الصحافيين القتلى أثناء أدائهم لعملهم إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، فبحسب «لجنة حماية الصحفيين committee to protect journalists» لقي ما لا يقل عن 53 صحافيًا حتفهم في جميع أنحاء العالم بين 1 يناير (كانون الثاني) إلى 14 ديسمبر (كانون الأول) 2018، وكان 34 صحافيًا منهم قد استُهدفوا بالقتل. ومن بين النتائج الأخرى التي خرجت بها أبحاث لجنة حماية الصحافيين:

قتل سبعة عاملين إعلاميين في عام 2018، من بينهم اثنان في كل من أفغانستان واليمن. قُتلت ثلاث صحافيات، مقارنة مع ثمان صحافيات في العام الماضي. وتاريخًا، تبلغ نسبة الصحافيات القتيلات 7 في المئة من مجموع الصحافيين القتلى، كما اغتيل خمسة صحافيين أجانب أثناء سنة 2018: فقد قُتل صحافيان أكوادوريان في كولومبيا (كما قُتل سائقهما)، وقُتل ثلاثة صحافيين روس في ظروف غامضة في جمهورية أفريقيا الوسطى. وتعتبر تنظيم الدولة الإسلامية، هي أكبر مشتبه به في ارتكاب جرائم قتل الصحافيين، وذلك في 62 في المئة من الحالات.

وقد اعتبر موضوع السياسة هو الموضوع الأشد خطرًا للتغطية الصحافية، إذ كان يغطيه 26 في المئة من الصحافيين القتلى. وفي الأخير، خلصت اللجنة في تقريرها إلا أن مهنة مراسل لوسائل الإعلام البصرية والسمعية كانت المهنة الأشد خطرًا.

وقد بدأت «لجنة حماية الصحافيين» بجمع سجلات مفصلة حول جميع حالات قتل الصحافيين في عام 1992. ويقوم موظفو اللجنة بإجراء تحقيقات مستقلة ويتحققون من ملابسات كل حالة وفاة. وتَعتبر لجنة حماية الصحافيين أن الجريمة مرتبطة بالعمل إذا كان موظفو اللجنة متأكدين إلى درجة معقولة أن الصحافي قُتل كانتقام مباشر بسبب عمله/عملها؛ أو من جراء نيران متقاطعة أثناء عمليات قتالية؛ أو أثناء القيام بمهمة خطرة من قبيل تغطية الاحتجاجات التي تتحول إلى مواجهات عنيفة. وإذا كانت دوافع جريمة القتل غير معروفة، ولكن من المحتمل أن الصحافي قُتل بسبب عمله، فإن لجنة حماية الصحافيين تصنف الحالة بأنها «غير مؤكدة» وتواصل التحقيق بشأنها.

ليس القدر وحده من ساقني إلى بلاط صاحبة الجلالة ولم يكن للصدف دخل في اختياري، بل الرغبة في المحاولة لجعل العالم أفضل كانت ولا تزال الدافع وراء استمراري في الاستيقاظ كل يوم والتوجه صوب المعهد العالي للإعلام والاتصال، إيماني بالمعجزات يحملني حينما أوشك على الأفول، وإن لم أستطع خلق التغيير، فيكفيني شرف المحاولة وحسنتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد