نتابع في هذا المقال حديثنا عن الاكتشافات العلمية التي تحمل شواهد وجود الله والذي بدأناه في مقال سابق (للعودة إلى المقال السابق اضغط هذا الرابط).

ازدواجية موجة- جسيم «Wave-particle duality»

ربما لا يوجد فرع علمي أغرب من فيزياء الكم التي تتعامل مع الجسيمات المتناهية الصغر كالذرة وما تحتها، فمنذ اكتشاف هذا الفرع على يد ماكس بلانك في مطلع القرن العشرين، وهي تتحدى طريقة فهمنا للكون. إحدى هذه التحديات هي الطبيعة المزدوجة للجسيمات، ففيزياء الكم تخبرنا أن الجسيمات تملك طبيعة موجية إلى جانب كونها جسيمات.

التجربة التي قد تقرب الفكرة للقارئ هي تجربة الشق المزدوج «double slit»، وقد كان الفيزيائي توماس يونج هو أول من قام بهذه التجربة على الضوء. التجربة ببساطة هي استخدام مصدر ضوء أمامه حاجز لا يسمح بمرور الضوء إلا عن طريق شقين صغيرين فيه ثم استخدام شاشة لرؤية الضوء بعد مروره من الشقين، حزمتي الضوء المارين من خلال الشقين سوف يتداخلان مع بعضهما البعض فينتجان نمطًا مميزًا على الشاشة عبارة عن عدة أعمدة مضاءة تفصل بينها أعمدة مظلمة. هذا النمط لا يمكن حدوثه إلا إذا كان الضوء عبارة عن موجات؛ لأنه إذا كان جسيمات فكنا سنرى على الشاشة مجرد عمودين مضاءين متناسبين مع موقعي الشقين.

عندما قرر العلماء إجراء التجربة نفسها على الجسيمات كانت المفاجأة المدهشة، فقد رأوا على الشاشة النمط التداخلي المميز نفسه للموجات، ظنوا أنه ربما تتخبط هذه الجسيمات بعضها ببعض أثناء خروجها من الشقين فكرروا التجربة ولكن هذه المرة أطلقوا جسيمًا واحدًا في المرة بحيث لا يمكن أن يتداخل جسيمان، لكن ظل النمط التداخلي هو الظاهر على الشاشة. هذا كان الجنون بعينه فالتفسير الوحيد لهذه الظاهرة هو أن الجسيم فجأة يقرر أن ينقسم ليمر من الشقين في الوقت نفسه ثم يتداخل مع نفسه.

لم ييأس العلماء في العثور على التفسير الصحيح فقرروا أن يضعوا راصدًا يرصد الجسيم أثناء عبوره عبر الشقين ليروا هل فعلًا ينقسم أم لا، وتوالت المفاجآت، فقد وجدوا أن النمط التداخلي اختفى وأن الجسيم عاد يتصرف كجسيم عادي بريء يمر من شق واحد فقط ليترك في النهاية أثرين فقط على الشاشة متناسبين مع موقعي الشقين، وكأنه لم يكن موجة أبدًا، بلبلت هذه النتيجة العلماء فأطفأوا الراصد الذي كان العامل الوحيد المختلف بين التجربتين وبالفعل عاد النمط التداخلي للظهور. (لشرح مبسط لهذه التجربة العجيبة شاهد هذا الفيديو)

بعد هذه الجولة العلمية الطويلة داخل تجربة الشق المزدوج حان الوقت لنشرح التداعيات المهولة التي تحملها هذه النتائج، أولًا الطبيعة الموجية للجسيم شيء لا يتناسب إطلاقًا مع تجاربنا اليومية، فالجسيم هو شيء له مكان محدد في وقت محدد، أما الموجة فلا توجد في مكان واحد في أي وقت بل هي منتشرة في أماكن عدة في الوقت نفسه، ولكن هذه الجسيمات هي التي تتكون منها المادة في الكون ومن هذه المادة تتكون أجسامنا والأرض والشمس وغيرها، فهل معنى هذا أن هذه المادة هي الأخرى قد تكون موجة؟ فيزياء الكم تخبرنا أن هذا صحيح.

النتيجة الخطيرة الأخرى التي أخبرتنا بها التجربة السابقة هي أن الجسيم تخلى عن طبيعته الموجية وعاد لطبيعته الجسيمية عندما تم رصده، أي أن “المراقب” هو من أضفى الصفة الجسيمية عليه، فهل معنى هذا أن المادة تتخذ طبيعتها الجسيمية التي نراها كل يوم فقط لأن «مراقبًا» ما يرصدها؟

لم تبد هذه الفكرة معقولة بالنسبة لأينشتاين الذي سخر منها بسؤال تهكمي هو: «هل يختفي القمر عندما لا أنظر إليه؟»

الحقيقة أن تجارب عدة أثبتت أن أينشتاين كان مخطئًا في تهكمه وأن رؤية فيزياء الكم للواقع هي بالفعل الرؤية الحقيقية، هذه الرؤية التي تتلخص في أن «الواقع غير موجود إذا لم يرصده مراقب ما»، لكننا بالفعل من الصعب علينا قبول فكرة أننا إذا نظرنا جميعًا بعيدًا عن القمر فهو يختفي، لذا فمن الضروري أن يكون هناك وعي ما يستوعب القمر ويرصده عندما لا يرصده أحد، بل يستوعب الكون كله لأنه لولا هذا لتلاشى الكون من الوجود، ألا يبدو للقارئ هذا الوعي شديد الشبه بالله؟

الإنتروبي «Entropy»

الإنتروبي هي مصطلح هام في الفيزياء وتمثل درجة العشوائية أو الفوضى في نظام ما، فكلما زادت الفوضى في هذا النظام زادت الإنتروبي به، والقانون الثاني للديناميكا الحرارية يخبرنا أن أي نظام يتجه دائمًا من النظام إلى الفوضى أي من إنتروبي منخفضة إلى إنتروبي أعلى ولا يمكن أن يسير في الاتجاه المعاكس.

حتى نفهم هذا القانون أفضل سنضرب مثالًا بسيطًا، لو جئت بصفحات رواية الحرب والسلام لتولستوي مرتبة أي أنها في أقصى حالات النظام (إنتروبي منخفضة) ثم ألقيت هذه الصفحات في الهواء فهل تظن أنها ستسقط متراصة في الترتيب الصحيح نفسه؟ بالطبع لا، فاحتمال حدوث هذا هو واحد وسط عدد مهول من الاحتمالات التي تسقط فيها الصفحات بترتيبات مغايرة. إذن فالطريقة الوحيدة كي تعيد ترتيب صفحات الرواية هي أن تتدخل بنفسك لفعل هذا لا أن تنتظر حدوثه تلقائيًا.

مبدأ الاتجاه إلى زيادة الإنتروبي موجود في كل ما حولنا ولا يخالفه شيء، ولكن إذا نظرنا مثلًا إلى الخلية الحية، هذه الخلية هي عبارة عن بناء منظم للغاية، فإذا قبلنا بفكرة خروج هذا النظام تلقائيًا من الفوضى فبهذا نحن نقول إن الإنتروبي تقل في هذه الحالة وهذا ما يخالف القاعدة.

الشيء نفسه يمكن تطبيقه على الكواكب والنجوم والمجرات، فكل هذه الأشياء وجدت مخالفة لقانون الإنتروبي لأنها عبارة عن حالات منظمة، إذن فهي لا يمكن وجودها إلا إذا تم بذل عمل لصنعها، وهذا بالتالي بحاجة إلى وعي ذكي.

توجد نقطة وجيهة يحتج بها غير المؤمن على هذه المسألة وهي أنهم يقولون إن الإنتروبي في النظام «كله» حتمًا تتجه إلى الزيادة، ولكن ربما تبدو كما لو أنها تتناقص في بعض أجزاء هذا النظام، وبناء على وجهة النظر هذه فنجد أن تكوين الخلية الحية والكواكب والنجوم والمجرات هي بالفعل أمثلة على تناقص الإنتروبي ولكن بما أن هذه الأنظمة ليست معزولة عن الكون فهي جزء من النظام الكوني ككل، والاستنتاج هنا هو أنه حتمًا في أجزاء أخرى من الكون الإنتروبي كانت في زيادة بحيث تجعل المحصلة النهائية للإنتروبي في الكون ككل هي أيضًا في زيادة.

هذه نقطة جيدة للغاية ولكن مشكلتها أنها لا يمكن اختبارها، فلن نتمكن أبدًا من قياس الإنتروبي في الكون كله في لحظة ما، فما بالك إذا كانت هذه اللحظة قد مر عليها بلايين السنين.

لكن هناك نظامًا آخر انخفضت فيه الإنتروبي بما لا يدع مجالًا للشك، هذا النظام هو المفردة singularity التي بدأت الكون عن طريق الانفجار العظيم والتي تحدثنا عنها في المقال السابق، فهذه المفردة هي أعلى نموذج للنظام في الكون، فمنذ تكوينها والنظام في الكون يقل والفوضى تزيد، لكن السؤال الذي احتار فيه العلماء هو: كيف تكونت المفردة ذات الإنتروبي المنخفضة جدًا في المقام الأول؟ الإجابة التي لا مفر منها هي: عن طريق عمل بذله كيان أعلى.

الكون المضبوط «Fine-tuned universe»

توالت الاكتشافات العلمية التي أخبرتنا الكثير عن الكون، مثل الثوابت الكونية المهمة، فدون هذه الثوابت لم يكن الكون ليوجد على صورته الحالية التي تبدو مثالية تمامًا لنشأة الحياة، بل إن تعديلًا لا يكاد يذكر في بعض هذه الثوابت كان كفيلًا بأن يمنع أية إمكانية للحياة أن تتبلور.

يوضح سير مارتن ريز، عالم الكونيات البريطاني، ستة من هذه الثوابت في كتابه: «ستة أرقام فقط» وهي:

معدل تمدد الكون بعد الانفجار العظيم المستمر إلى الآن والذي إذا قل بقدر 1 x 10-17 لانسحق الكون على نفسه، أما إذا زاد بمعدل 1 x 10-6 لتبعثرت محتوياته بحيث لا تتكون النجوم والمجرات.

النسبة بين كثافة الكون في بعض المناطق والمناطق الأخرى التي تبلغ 1:100000، فهذه النسبة هي التي سمحت بتكوين المجرات في مناطق الكون ذات الكثافة الأعلى، وإذا زادت هذه النسبة قليلًا لتحولت مادة الكون إلى ثقوب سوداء تبتلعه، أما إذا قلت قليلًا لظل الكون على حالته الغازية.

قوة الجاذبية تم ضبطها بدقة تبلغ 1:1040، فلو زادت قوة الجاذبية بقدر ضئيل لصار الكون أصغر بكثير مما نرى ولانسحق قبل أن تتكون الحياة، أما إذا قلت قليلًا لتبعثر الكون ولما تكونت النجوم والمجرات.

دمج الهيدروجين لإنتاج هيليوم هي وسيلة صنع الطاقة داخل النجوم وفي هذه العملية يتم تحويل 7% من مادة الهيدروجين إلى طاقة وهذه الطاقة لازمة لربط مكونات نواة ذرة الهيليوم الناتجة عن هذه العملية، فلو كانت مادة الهيدروجين المتاحة لتحويلها إلى طاقة هي 0.6% بدلًا من 0.7%، لصار الهيدروجين هو المادة الوحيدة في الكون ولما تكون الهيليوم أو المواد الأثقل وبالتالي لما تكونت الكواكب، أما إذا كانت المادة المتاحة هي 0.8% لنفد الهيدروجين الموجود في الكون الذي هو مصدر طاقته.

نسبة قوة الروابط الكهربائية بين الذرات إلى قوة الجاذبية هي 1:1036، ولو كانت مختلفة قيلًا لكان عمر الكون أقصر بكثير ولكانت الكائنات الحية أصغر حجمًا ولما استطاعت النمو إلى أكبر من حشرة.

نحن نعيش في فراغ ثلاثي الأبعاد ولو كان ثنائي أو رباعي الأبعاد لما نشأت الحياة فيه.

نجد من أرقام ريز الستة أن الكون لم يتم ضبطه استعدادًا لنشأة الحياة فحسب بل إنه تم ضبطه لاستقبال شكل معقد ذكي من الحياة متمثل في البشر.

أرقام ريز ليست هي الثوابت الوحيدة التي تم ضبطها بدقة حتى تنشأ الحياة بل هناك العديد من الثوابت الأخرى مثل نسبة جسيمات المادة إلى مضادات هذه الجسيمات فالأولى تزيد على الأخيرة بمقدار جزء في بليون جزء، ونسبة كتلة البروتون إلى كتلة الإليكترون التي تبلغ 1836 ضعفًا، وغير هذه الثوابت الكثير التي تؤكد حقيقة ضبط الكون ليناسب الحياة، وهذه الحقيقة المدهشة دفعت بالفيزيائي فريمان ديسون أن يقول: «يبدو أن الكون كان يعلم أننا قادمون».

لم تفت هذه الأدلة في عضد غير المؤمنين بالله فخرجوا بنظرية لتفسير «الكون المضبوط»، فقالوا إن كوننا هو مجرد واحد ضمن أكوان لانهائية ومعنى هذا أن الثوابت الكونية تختلف اختلافات لانهائية بين هذه الأكوان فتحمل جميع القيم الممكنة، وما حدث هو أن كوننا هذا هو الذي يحمل القيم المناسبة لنشأة الحياة.

هذه فرضية معقولة جدًا ولكن يعيبها أنها لا يمكن إثباتها مباشرة، فأي كون غير كوننا لن يصلنا منه الضوء وبالتالي لن يمكن رصده، وهذا يعني أن من “يؤمن” بهذه الفرضية على اعتبار أن فكرة الضبط الكوني هي شاهد عليها يجب أن يعترف بأنه يقف على قدم المساواة مع المؤمن بأنها شاهد على وجود الخالق، فليست إحدى الفرضيتين أكثر علمية من الأخرى، بل إن أخذنا في الاعتبار الشواهد الأخرى التي ناقشناها يصبح وجود الخالق أكثر ترجيحًا.

بعد العرض السابق لشواهد وجود الله في الاكتشافات العلمية يجب أن نواجه فكرة مهمة دائمًا ترد في نقاشات غير المؤمنين بالله وهي فكرة «إله الثغرات»، هذه الفكرة باختصار تقول إن العلم ليس خاليًا من الثغرات وأن ما يفعله المؤمن هو أنه يسد هذه الثغرات بأن يعزوها إلى الإله، وهؤلاء معذورون في تبنيهم هذه الفكرة فهذا بالفعل ما كان يحدث لعصور طويلة والذي مازال البعض يفعله إلى الآن، ولكن إذا دققنا النظر في الشواهد العلمية التي ذكرناها في هذا المقال والمقال السابق سوف نجد أن القضايا التي تحدثنا عنها هي قضايا ذكر فيها العلم كلمته النهائية، فالعلم لن يحدث أن يكتشف أن الكون لم تكن له بداية، أو أن هناك آلية وراثية مختلفة عن الآلية المعروفة الآن، أو أن المراقب لا دور له في تحديد هوية ما يراقبه، أو أن القانون الثاني للديناميكا الحرارية يمكن كسره تلقائيًا، أو أن الكون ليس بنفس الضبط الذي ظنناه، إذن فتفسير «إله الثغرات» لا محل له من الإعراب هنا.

قد يقول قائل إن كون الأدلة السابقة مجرد «شواهد» دون تأكيد مباشر معناه أنها تحمل تفسيرات عدة وأن استنتاج وجود الله من تلك الشواهد هو قفزة غير مبررة، وأنا أوافق على هذا المبدأ العام وأرفضه فيما يتعلق بقضية وجود الله، فما تؤكده الشواهد التي ناقشناها بما لا يدع مجالًا للشك هو أن الكون والحياة لم يظهرا إلى الوجود عشوائيًا، فإذا فكرنا في تفسيرات بديلة للعشوائية سوف نجد أنها تصب دائمًا في خانة الخالق الذكي مهما تعددت تسميات هذه التفسيرات، ويستطيع القارئ الكريم أن يختبر هذه الفكرة بنفسه بأن يأخذ بضع دقائق يفكر فيها في التفسير الذي قد يخالفها، فإن لم يجد يكون قد وصل إلى الاستنتاج الوحيد المقبول وهو أن العلم بالفعل يثبت وجود الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب "The Fabric of the Cosmos" لد. بريان جرين
كتاب "Just Six Numbers" لسير مارتن ريز.
كتاب "كيف بدأ الخلق" لد. عمرو شريف.
عرض التعليقات
تحميل المزيد