اعتادت جدتي وجليساتها – كعادة أهل البلدة من كبار السن قديمًا – استخدام لغة المثل الشعبي كلغة يومية في التعبير عن مواقفهن وآرائهن في تعاملاتهن لاختزال الكثير من الكلام بعبارة موجزة، وبالرغم من صغر سني، إلا أني كنت أرصد الكثير من هذه الأمثال، وقد عكفت على تدوينها وها أنا ذي أنسج من تلك الأمثال نصًا مقروءًا في صيغة حاولت أن تكون متجانسة. حيث تزخر الجزائر بموروث ثري جدًا من الأمثال الشعبية، وغذا تنوعه اتساع الرقعة الجغرافية للجزائر، حيث لا تزال ذاكرة المجتمع تختزن في طياتها الأمثال الشعبية التي تعتبر إحدى أهم روافد الثقافة الشعبية التي تختزل عصارة تجارب الأجداد، وتعكس صورة اجتماعية لمواقف وسلوكات إنسانية في جمل قصيرة بلغة التلميح. حكايات وقصص وتقاليد وطقوس اجتماعية تختصرها الأمثال الشعبية لتعكس طبيعة حياة الفرد الجزائري على مر الأزمنة ومواكبة مختلف التطورات وما يوافق يومياتنا من معاناة وأفراح وأحزان من المهد إلى اللحد.. ومن المضحك منها والمبكي تكشف هذه الأمثال عصارة تفكير لا تزال متجذرة في مجتمعاتنا، واللسان الجزائري لا تخلو يومياته عن تلك الأمثال.. فأينما حللت وأينما نزلت تلتقط أذناك ولو الجزء اليسير من هذه الذاكرة الشعبية.

“حكمة بلا شيخ ما تتعلمها”.. “اسأل على دينك حتى يقولوا مهبول”.. “الله يرحم من قرّا وورّا”.

المثل جملة مفيدة موجزة متوازنة شفاهيًا من جيل إلى جيل، شائعة الاستعمال لدى مختلف الطبقات، وتلّخص قصة تجربة حياة سابقة، وخبرة غابرة اختبرتها الجماعة، وقد حظيّ عند الناس بثقة تامة؛ فصدّقوه؛ لأنه يهتدي لحل مشكلة قائمة بخبرة مكتسبة من مشكلة قديمة انتهت إلى عبرة لا تنسى، وتختصرها في جملة موجزة قد تغني عن رواية ما جرى.. تعتبر الأمثال الشعبية بمثابة المعايير الأخلاقية، يضعها عقلاء العشيرة لتكون ضابطًا سلوكيًا ومنهجًا أخلاقيًا لخاصة وعامة الناس.

“الحمد لله على هالبرودة منها تستر روحها مسعودة ومنها يهبط عينو حمودة”.. الرغبة في الدين.

كانت الأمثال ولا تزال تؤدي دورًا هامًا في الحياة الاجتماعية، وهي بمثابة مرجعية الأفراد في كل أحاديثهم اليومية، فهم يستعينون بها لتأكيد آرائهم، أو للرد على الخصم، أو لتبادل أطراف الحديث، وفي أحيان عدة تكون بطرق فكاهية، إلاّ أنها تؤدي غرضها المنشود.. وتتضمن قيمًا اجتماعية معينة، ويمكن للمثل أن يرتحل ويسافر من بيئة لأخرى، من مجتمع لآخر.. بعدما كان المثل يعتبر على مر التاريخ المؤطر الرئيس، والخزان الثقافي الكبير المعبّر عن درجة وعي المجتمع ونظرته لمختلف أجزاء هذه الحياة ومنهاجها، أصبح أحد أساليب التربية والتوجيه والإرشاد الذي يعتمد عليها الفرد في غرس القيّم والأخلاق الحميدة والصفاة النبيلة والطيبة، وتكمن قيمة الأمثال في انتهاجها لأسلوب تربوي يسعى من خلاله السلف إلى غرس الأخلاق في روح الخلف عن طريق جمل بسيطة أحكموا وزن كلماتها ومعنى مفرداتها.. تشكل الأمثال خلاصة التجربة الإنسانية وتساهم في تهذيب الأجيال وتقويم الأخلاق، وربّ مثل يفعل في الناس ما تعجز عنه المحاضرات والدورات التدريبية.

“اللي مارضّى والديه ما خير فيه”.. “طول العشرة تعرفك الذهب مالقشرة”.. “اللي كليناه ربحناه واللي أعطيناه لقيناه واللي خبيناه خسرناه”.

..كما شكلت الأمثال وسيلة تعبير لرفض واقع معاش، لكن زمن الاحتلال كان للموروث الشعبي، خاصة الأمثال، دور في تبصير الشعب بواقعه واستنهاضه للثورة في وجه المستعمر، ومن بين ما دعت إليه توحيد الصفوف، ولم الشمل، كما أن هناك أمثالًا تتضمن النقد للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي صنعها المستعمر.

“إذا اتخلطت لديان شّد في دينك”.. “يروح مال الجدين وتبقى صنعة اليدّين”.. “لا تضرب حتى تقرّب ولا تصاحب حتى تجرب”.

وفي مجال الإعلام، فكثيرًا ما يلجأ الصحافيون في كتاباتهم للاستناد إلى المثل الشعبي في محاولة منهم لاستمالة القرّاء، ولإبراز مدى تحكمهم فيما يكتبون.. صارت اليوم الأمثال الشعبية مهددة في وجودها واستمرارها؛ حيث عرفت تراجعًا في تداولها في التعبير الشفوي، حيث لم يصمد إلا القليل أمام التغيرات والتحولات التي عرفها المجتمع، حيث كان لانتشار
التكنولوجيا الحديثة الأثر الكبير في التعامل بالأمثال الشعبية، خاصة في أوساط الشباب؛ مما جعلها تسلك طريقًا نحو الاندثار، فتكنولوجيا الاتصال الحديثة أنجبت تعبيرات جديدة أكثر تداولًا في لغة الخطاب اليومي، ومهما يكن، فإن التكنولوجيا الحديثة والعولمة يمكن أن تساعد على الحفاظ على ما تبقى من هذا الموروث الشعبي، إذا أحسّنا استغلالها، خاصة وأنها وسيلة لتعريف العالم الخارجي بما تزخر به بلادنا من تراث لا مادي على غرار ما تقوم به إذاعة ورقلة بالجزائر من خلال برنامج ذاع صيته ولاقى تفاعلًا واسعًا من كل شرائح المجتمع الجزائري، بمن فيهم الشباب، وهو برنامج أمثال في الميزان، والذي يبحث في هذا الموروث، في محاولة لتسليط الضوء عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد