هناك ظواهر طبيعية لا يمكن التنبؤ المسبق بحدوثها، هي في الحقيقة ثورة سلمية ناتجة عن ضغوط طبيعية أدت إلى متغيرات في القشرة الأرضية يلزم معها الحركة لاستعادة طبيعتها الأولى.

الزلزال

ناتج عن فراغات في القشرة الأرضية وجب استعادة ملء الفراغ حتى تستوي الأرض، لكن توابعه مختلفة تمامًا إذا كانت الهزة عنيفة وقوية، وهنا يمكن قياس توابع الزلزال وتتبع آثاره حسب قوة الهزة الأرضية، هكذا الثورات في حياة الشعوب هي هزة سلمية مبدعة وموجعة يتشارك فيها الجميع تحت مظلة واحدة، غير متوقعة الحدوث زمانًا ومكانًا ينتج عنها تصحيح المسار واستعادة الحقوق ورفع الظلم عن طبقات المجتمع تمامًا بتمام، كما تستعيد الأرض توازناتها بهزاتها رغم خطورة حركتها. الثورة الفلسطينية هي أطول ثورة في التاريخ مرت بمراحل كثيرة وتطورت حركتها حسب توازنات الأحداث في المجتمع الدولي. تأسست حركة حماس في سنة 1987 قادت ثورة كاملة سلمية كانت تسمى في بدايتها ثورة أشبال الحجارة.

حيث الشباب الصغير يدافع عن وطنه بالحجارة في مقابل الرشاش والدبابة، كانت ثورة مبدعة وموجعة اكتسبت تعاطفًا عالميًا وأعادت القضية الفلسطينية من جديد للتعاطف العالمي، وأحرجت الكيان الصهيوني دوليًا، خففت تلك الثورة من شدة وطأة الممارسات الوحشية تجاه الشعب الفلسطيني، اشتد ساعد الثورة يومًا بعد يوم حتى أحدثت توازنات في القوى على الأرض كانت رادعًا ومانعًا للجيش الإسرائيلي من التوغل في استخدام القوة، ولأن الثورة الفلسطينية ذات طابع خاص جدًا (مقاومة محتل غاصب للأرض) كان لزامًا تطوير أسلوب المقاومة لزيادة قوة الردع وإحداث توازن، فكانت العمليات الاستشهادية الفردية التي كانت نقلة نوعية كبيرة في نهج المقاومة أحدث حالة من الرعب والفزع داخل الكيان الصهيوني، وأصبحت قوة رادعة مانعة.

ورغم أن المقاومة في بدايتها لاقت تعاطفًا دوليًّا كبيرًا، إلا أن العمليات الاستشهادية أحدثت انقسامًا كبيرًا من حيث التعاطف الدولي، الثورة السلمية من أهم عوامل نجاحها أن يكون لها حاضنة شعبية كبيرة تؤيدها وتدعمها، أن تلقى تعاطفًا دوليًا كبيرًا من خلال ممارستها السلمية، أن تكون محددة الأهداف والوسائل ولا تخرج عن الخط السلمي، ولأن الثورة الفلسطنيه ذات طابع خاص فقد تطورت المقاومة إلي قدرة حماس وحركة الجهاد الإسلامي على إنشاء قاعدة عسكرية تكون نواة التحرير القادم، وحيث إن السلمية في مواجهة المحتل لن تجبره على الرحيل، لذا وجب تطوير أساليب المقاومة حتى تحقيق الحلم الذي طال انتظاره من الشعب الفلسطيني، التدافع والمواجهة مع المحتل أكسبت الحركات التحررية خبرات كبيرة لتحقيق حلم العودة.

اتحذت المقاومة تموضعًا جديدًا بأسلوب مقاومة جديد هو أسلوب المواجهة المسلحة لوقف اعتداءات العدو المحتل وتحقيق توازن الرعب، كانت غزة هي الحاضنة الشعبية للمقاومة أيضًا وهي من أهم عوامل استمرارية ونجاح المقاومة. تطورت المقاومة بشكل متسارع وقدرات تجاوزت توقعات المحتل وأربكت حساباته لدرجة فشل المخططات في نزع سلاح المقاومة مقابل رفع الحصار عن غزة رغم كل التدخلات الإقليمية.

أصبحت المقاومة قادرة على إملاء شروطها على العدو كلما فكر في الاعتداء على غزة، وهكذا تطورت المقاومة السلمية حتى أصبح لها قوة لا يستهان بها، استطاعت فرض واقع جديد على الأرض، أوقفت معه كل الأطماع والتخطيط لابتلاع ما تبقى من فلسطين أو تمرير صفقات مشبوهة مثل صفقة القرن. كان سلاح المقاومة عنصرًا أساسيًا من عناصر فشل صفقة القرن رغم المفاوضات والصفقات نصف ثورة دائمًا تكون نتائجها كارثيه كمن يخوض حربًا يخرج منها لا مهزومًا ولا منتصرًا، ثورات الشعوب العربية كانت حراكًا مصطنعًا لإحداث متغيرات في إعادة تقسيم المنطقة العربية تمهيدًا لتوسعات استيطانية جديدة وتمكين إسرائيل من التحكم في المنطقة العربية بصورة أكبر.

لكن اندفاع الجماهير العربية في الشوارع بكثافة كبيرة، أربك حسابات المخططين، استغلت الشعوب العربية ذلك الحراك لمصالحها، كانت شرارة الثورات العربية من تونس، استطاعت القوى السياسية تطويع الحراك لإحداث انفراجة يستطيع الشعب من خلالها فرض واقع جديد نحو التغيير، تدرجت خطط النخب السياسية من أجل تصحيح المسار التونسي حتى وصلت في نهاية المطاف بعد تسع سنوات إلى صندوق الانتخابات، لتكون كلمة الشعب هي الحد الفاصل بين مرحلتين وانتقال سلمي للسلطه بما فرضته إرادة الشعب التونسي، تتابع زلزال الثورات العربية حتى وصل إلى الجزائر والسودان ومن قبلها إلي مصر واليوم في لبنان أيضًا ثورة كاملة كانت بدايتها سخط على غلاء المعيشة وفرض ضرائب جديدة، لكنهم في الميدان اكتشفوا شيئًا آخر مختلفًا تمامًا اتفقوا جميعًا على استعادة لبنان كاملة بعيدًا عن الطائفية والحزبية وتطور شعار الميدان (الشعب يريد إسقاط النظام) كلن يعني كلن، فهل ستنجح باقي ثورات الشعوب العربية؟! وللحديث بقية إن شاء الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد