تعرضت الثورة المصرية لتحديات إقليمية ودولية ومحلية كبيرة، ورغم أن الثورة المصرية كانت في بدايتها من ضمن مخطط متكامل لتقسيم المنطقة العربية بصورة أكبر تمهيدًا لتوسعات استيطانية جديدة وتمكين إسرائيل من التحكم في المنطقة العربية، وكانت من بين مشروع الفوضى الخلاقة في المنطقة، إلا أن الشعب المصري استطاع الذهاب بالثورة إلى منحنى بعيدًا عن مخططات أصحاب مشروع الفوضى في المنطقة العربية.

ما قبل يناير كانت الإرهاصات توحي بإمكانية اشتعال الثورة المصرية رغم عدم اكتراث النظام وقتها باندلاع الثورة في تونس واستبعاد ذلك أن يحدث في مصر تمامًا
وحيث إن السلمية هي مبدأ الإخوان المسلمين في التغيير، فإن النظام كان أكثر أمانًا في ظل عدم تحرك الإخوان المسلمين باعتبارهم الكتلة الحرجة التي يمكنها أن تغير المعادلة على أرض الواقع بصورة أكبر وفي تغيير الوضع السياسي

قبل اندلاع الثورة المصرية أيضًا كان في خطة الإخوان المسلمين الإصلاحية نحو التغيير 10 سنوات، لاستكمال مرحلة المجتمع المسلم ثم الانتقال بعدها نحو التغيير لمرحلة الحكومة المسلمة (تعبير مجازي إصلاحي).

الخطوات المتدرجة في مراحل التغيير السلمي عند الإخوان المسلمين تتمثل في الفرد المسلم. الأسرة المسلمة، المجتمع المسلم، الحكومة المسلمة، أستاذية العالم توقفت تلك المراحل عندما اندلعت الثورة المصرية وشارك الإخوان المسلمين في الثورة المصرية باعتبارهم فصيلًا من الشعب المصري، وكان تواجدهم بالميدان محور ارتكاز كبير للثورة وسببًا رئيسًا في تغيير مسار الثورة واستغلال الحدث في مصلحة الشعب المصري كله بعيدًا عن حسابات المخططين.

كانت لوحة رائعة تحكي مجتمعًا راقيًا رائعًا في كل شيء ترقبها العالم كله وشهد بالسلمية وأدرك الجميع قيمة الحرية من داخل الميدان واستطاعوا تغيير متطلباتهم من مجرد المطالبة ببعض الحقوق البسيطة إلى إطلاق شعار كبير (الشعب يريد إسقاط النظام) كان أيقونة الثورات العربية.

كانت واقعة الجمل هي بداية منحنى تغيير مسار الثورة المصرية والتمسك بتغيير النظام بعد تخطي ذلك اليوم باقتدار ومواجهة حاسمة والتصدي للمعتدين على الميدان، واستطاعوا كسب تعاطف العالم وتأييدًا لمشروعية طلباتهم برحيل النظام وفورًا بعد ذلك اليوم خرج تصريح أوباما قائلًا (على الرئيس مبارك أن يرحل الآن) تم الرحيل فعلًا وكان تتويجًا لصمود الشباب في الميدان بسلمية رائعة وموجعة، أخضعت النظام للاستجابة لطلبات الشعب المصري برحيل رأس النظام، ولأنه كان هناك التقاء مصالح بين رغبة الشعب المصري في رحيل مبارك ورغبة المجلس العسكري في الانقلاب على مبارك وعزله بإرادة شعبية فقد انحاز الجيش المصري إلى الثورة المصرية ظاهريًا وكان خداعًا استراتيجيًا لم يتفهمه الكثير إلا بعد فوات الأوان.

وحيث إن مشاركة الإخوان المسلمين في الثورة المصرية لم تكن نابعة من قناعتهم وأسلوبهم في التغيير السلمي المتدرج فقد خططوا أيضًا للإسراع بإنهاء الثورة عند صندوق الانتخابات، لتكون كلمة الشعب هي الحد الفاصل بين مرحلتين وانتقال سلمي للسلطة بالانتخابات ورغم كل الأخطاء التي يمكن اعتبارها أخطاء ارتكبها الإخوان المسلمين في سبيل الوصول إلى صندوق الانتخابات، إلا أنه يعتبر أقصر الطرق المعترف بها دوليًا لإرساء دعائم حكم مدني جديد بعد حقبة زمنية كبيرة جدًا من حكم العسكر لمصر ولن يكون هناك جدل كبير حول اختيارات الشعب المصري عبر الديموقراطية.

ولأن استقرار المسار الثوري وإرساء معالم الدولة المدنية المصرية لا يتوافق مع مصالح متشابكة دولية وإقليمية ومحلية، كان لا بد من التخطيط من أجل امتصاص غضب الشعب المصري من ناحية ومن ناحية أخرى القضاء على نتائج التجربة الديموقراطية الوحيدة في تاريخ مصر حيث إن الصناديق الانتخابية مكنت الإخوان المسلمين من حكم مصر منفردين أو بتشاركية بسيطة مع الأحزاب السياسية المصرية أدرك الإخوان المسلمين مسبقًا حجم التحديات والمأزق الذي دفع بهم نحو حكم مصر دون استعداد مسبق سيؤدي في النهاية إلى استعداء قوى محلية وإقليمية ودولية، عرض الإخوان المسلمين على شخصيات عامة متوافق عليها الترشح لرئاسة الجمهورية ودعمهم، لكنهم رفضوا بلا استثناء وعرضوا وزارات كثيرة على شخصيات عامة وأحزاب سياسية للمشاركة في تشكيل حكومة وطنية تجمع الطيف السياسي المصري وكذلك مجلس المحافظين تدخلت الإمارات والسعودية لإسقاط التجربة المصرية التي جاءت بالإخوان المسلمين لحكم مصر حيث إنها تعتبر تهديدًا مباشرًا لمصالحهم وعروشهم.

وفي أقل من عام تم إسقاط التجربة المصرية والانقلاب على الرئيس محمد مرسي الرئيس الشهيد الرئيس الوحيد المنتخب في تاريخ مصر ورغم دموية النظام في التعامل مع الشعب المصري بعد الانقلاب، إلا أن المرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع أطلقها شعارًا سلميًا (سلميتنا أقوى من الرصاص) ورغم استمرار القتل والقمع والسجن والإخفاء القسري والمطاردات إلا أن شعار السلمية ظل سيد الموقف حتى سخر منه الجميع وكفروا بتلك السلمية المفترى عليها، لم يعد في احتمال الكثير الصبر على ذلك المسار الصعب، ولكن التاريخ يؤكد صحة وسلامة ذلك المسار فقد اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم مسارًا وشعارًا حتى تجاوزت دعوته الآفاق، وحيث إن السلمية هي الحل الوحيد لعبور هادئ رغم التضحيات، إلا أنها ستكون تضحيات قليله مقارنة بالدخول في مواجهة مسلحة غير متكافئة على الإطلاق.

وحيث إن مصر هي محور ارتكاز كبير للثورات العربية، وحيث إنها في الدائرة الملتهبة من الصراع العربي الإسرائيلي، فإن نجاح الثورة المصريه سيؤثر حتمًا على نتائج الصراع العربي الإسرائيلي، تم إنفاق المليارات من أجل إسقاط النظام الجديد وسقطت دماء كثيره وتحولت مصر إلى سجن كبير لاحتواء كل الأصوات التي تعارض الانقلاب، أصبح الموت في مصر هو الخيار الأوحد للشعب المصري كله فعليه أن يختار لنفسه طريقة الموت التي يحبها بعد حدوث انهيارات اقتصادية ومجتمعية داخل مصر ومع تلك المواجهة السلمية رغم بشاعة الأحداث، إلا أنها كانت انتكاسة كاشفة لحجم الفساد داخل المؤسسات المصرية وإبراز الوجه القبيح للمؤسسة العسكرية التي تحولت إلى أداة قتل وإجرام ضد الشعب المصري كله.

سقطت منظومة القضاء والإعلام والشرطة وسقطت عمائم وشيوخ كبيرة وتهاوى حزب النور الذي كان طعنة كبيرة في جسد الثورة المصرية، وأصبح الشعب المصري أمام حجم فساد كارثي لا يمكن أن يدرك معه حجم ذلك الفساد وعمقه في المؤسسات المصرية. رغم ضبابية المشهد السياسي المصري إلا أنه الأقل تضحية لتمسك الإخوان المسلمين بالسلمية حتى النهاية رغم كل ما قدموه من تضحيات يتشارك معهم في ذلك كثير من الشخصيات الوطنيه المخلصة، المشهد السياسي في مصر يتحمل اندلاع الثورة في أي وقت، لأن الضغوط تتزايد يومًا بعد يوم وكلها تساعد علي تفجير المشهد بثورة أخرى قادمة أو بتوابع ثورة يناير ولا يزال الجيم مفتوحًا بين الشعب المصري والانقلاب.

فهل يسعى الإخوان المسلمون إلى استكمال الثورة المصريه؟!، أم ستكون الثورة القادمة خيارًا شعبيًا متكاملًا يرسم معالمها كل اطياف الشعب المصري؟!
للحديث بقية في مقال قادم إن شاء الله والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد