ثورات الشعوب

لا يتضح المقال إلا بالمثال، وعلى هامش الكتابة حول موضوع السلمية المفترى عليها مقال استثنائي مثال لنجاح السلمية، وأن فوائد الخط السلمي أكثر إنجازًا من المواجهات المسلحة، نرى نموذج قطر من ناحية القدرة على استخدام السلمية بأذرعها الناعمة والمؤثرة، في المقابل السعودية والإمارات في استخدام القوة وأذرعها القاتلة الناجزة، نجد أن ما تحقق من مكاسب لدولة قطر يفوق بمراحل كل ما لم تنجزه السعودية والإمارات.

أطلقت قطر أكبر ذراع لها في القوة الناعمة، وهي قناة الجزيرة الإخبارية التي وضعت قطر على خريطة العالم كقوة ناعمة مؤثرة، ومن خلال تلك القناة استطاعت أن تؤثر في تغيير الرأي العام العربي، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع العربي من خلال صناعة الحدث والتأثير في السياسات والقرارات الدولية والإقليمية.

واستطاعت التأثير أيضًا في ثورات الربيع العربي، وكانت سببًا رئيسًا من أسباب نجاح الثورة التونسية والثورة المصرية، من خلال نقل أحداثها لحظة بلحظة، والمتابعة الإعلامية للأحداث؛ مما ساعد الثورة المصرية علي تجاوز الميدان بالانطلاق إلى إنهاء الثورة المصرية عند صناديق الانتخابات، انتقلت الجزيرة لتغطية أحداث الثورات العربية حسب مصالحها، فلم تنقل أحداث ثورة السودان، وتجاهلتها لأسباب ترجع إلى مصالح متشابكة داخل السودان، لذلك كانت نهاية ثورة السودان حسب ما أرادت قطر.

ثم انتقلت الجزيرة لتغطية أحداث ثورة لبنان والجزائر أيضًا، ومن الأذرع الناعمة التي استخدمتها قطر مجموعة قنوات «بي إن سبورت» الرياضية التي احتكرت سوق الرياضة العالمي والمؤثر، وكانت غطاء سلميًا لمكاسب كبيرة ومؤثرة، استطاعت قطر أن يكون لها استثمارات داخل الاتحاد الأوروبي بالمليارات؛ مما كان يمثل لها ذراعًا قوية جدًا في مساعدتها تجاوز آثار الحصار الاقتصادى الذي فرضته كل من السعودية، والإمارات، ومصر، والبحرين، والذي كان الهدف منه غزو قطر، وتغيير الحكم فيها بالقوة والانقلاب الداخلي، لكن تلك الدول لم تستطع الحصول على ضوء أخضر من أوروبا وأمريكا القيام باحتلال قطر، انطلقت قطر في خطواتها السلمية لتفوز بتنظيم كأس العالم وتتهأ لهذا الحدث الكبير لتحقق أكبر إنجاز في تاريخ العرب الرياضي، رغم أنها دولة صغير في عمق الخليج العربي.

لم تتلوث الأيادي القطرية بدماء العرب، رغم خضوعها لأمريكا ووجود أكبر قاعدة عسكرية علي أراضيها، وعلى العكس تمامًا نجد ما حققته السعودية والإمارات من إنجاز على المستوى السياسي والعسكري لا يعدو إلا أنهما ارتكبا جرائم في حق الإنسانية، وتورطا في قتل الأبرياء من شعوب المنطقة العربية في سوريا، ولبنان، وليبيا، واليمن، ومصر، ولم يحققا نجاحًا على أي مستوى من المستويات السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الإنسانية، وتبعت كل تلك الخسارات خسارة التاريخ أيضًا، وتحولت السعودية من راعي الحرمين إلى راعي الفساد والارهاب والدماء في المنطقة العربية، خصوصًا بعد إعلان أحد الساسة السعوديين أن السعودية وأمريكا هما من أسس تنظيم «القاعدة»، وقاموا بتمويله ورعايته لتحقيق مصالح مشتركة في العالم، تبع كل ذلك انهيارات اقتصادية كبرى، وأفول كبرى الشركات في البلدين، وكان على رأس تلك الانهيارات انهيار شركة «إعمار» الإماراتية، وإعلان إفلاسها.

الاحتياج الشديد للأمن مقابل المال هو طريقة ترامب الجديدة كأسلوب للإمعان في إهانة ملك السعودية يتباهى به ترامب علنًا أمام جمهوره، وأعلن أنه أرغم ملك السعودية على دفع ما قيمته 450 مليار دولار مقابل حماية عرشه الذي لا يصمد أكثر من 15 يومًا من دون حماية أمريكا، وعليهم أن يدفعوا المزيد.

بعد تلك الفترة الزمنية وتأثيراتها يتبين لنا هرولة السعودية والإمارات نحو التغيير والمصالحة مع قطر بعد كل سنوات الحصار الاقتصادى التي لم تؤت ثمارها، ولم تحقق أهدافها، تبين أن القوة الناعمة المؤثرة في مجريات الأحداث هي الذراع السلمي القوي الذي نستطيع من خلاله تمرير المكاسب على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي من دون قطرة دماء واحدة أو التورط، ثم التعرض للابتزاز من القوى الدولية والإقليمية، السعودية تتعرض اليوم لابتزاز كبير جدًا من أمريكا وإيران بسبب سياستها الحمقاء في المنطقة العربية، لو اتجهت أموال كل من السعودية والإمارات إلى إصلاح الدول العربية والارتقاء بها اقتصاديًا وعلميًا واجتماعيًا لاستطاعت تكوين درع يحمي سلطانها من المحيط إلى الخليج، كان باستطاعة المملكة أن تتمدد عبر مشروعاتها فيكل البلاد العربية بصورة تذهب من خلالها إلى قيادة الأمة الإسلامية بمشروع نهضوى حضاري إنساني.

إن ما أنفقته كل من السعودية والإمارات في تمويل الحروب وزرع الفتن وتمكين الانقلابيين والفاسدين يكفي لبناء حضارة إنسانية متكاملة تكون درعًا لبقائها وحمايتها علي مدار تاريخها الممتد عبر جغرافيا العالم الإسلامي أدركت الإمارات خطورة القوى الناعمة وأثرها البالغ في التمكين، وحصاد أكبر مكاسب ممكنة من دون التورط في حروب أو دماء، لكنها اتجهت لاستخدام القوة الناعمة في عكس الاتجاه أيضًا فاتجهت نحو تمويل عمل درامي كبير مسلسل «ممالك النار» يضاهي الأعمال الدرامية التركية، والتي أحدثت تغييرًا هائلًا وحققت مكاسب كبيرة باستعادة تقديم تاريخ الدولة العثمانية عبر عمل درامي متكامل وإنتاج فني ضخم حقق متابعات بالملايين عبر الشاشات العربية والعالمية استدعت الإمارات عملًا فنيًا مستعارًا ومزيفًا في محاولة يائسة وبائسة من أجل تجميل وجهها القبيح في العالم.

حاولت السعودية منافسة الجزيرة بإطلاق قناة العربية، لكن الشارع العربي لفظ تلك القناة التي تتنفس الكذب، وأطلقوا عليها العبرية، وكان هجومًا كاسحًا ظهرت معالمه أثناء تغطية الثورة في لبنان حيث الجماهير الغاضبة تهتف (عبرية – عبرية).

لكن السعودية والإمارات تواجهان المجهول قريبًا جدًا هذا المجهول سيقود بهما إلى أفول لا رجعة منه، وسيذهبان ولا بواكي لهما، بل تصحبهما لعنات دماء الأبرياء في الوطن العربي والإسلامي.

وللحديث بقية إن شاء الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد