“لكلّ حقّ باطل يشبهه”، مقولة تحمل في طياتها التحذير من الوقوع في براثن الزيف، فقد جرت العادة بوجوده وصراعه على الوجود مع الحق، وقد يبلغ من شبهه به أن يفقد كثير من الناس القدرة على التمييز بينهما.

 

 

 

 

 

وكذا لكل عصر دجل يلائم لونه، فقد تقدم الدجل خطوة إلى الأمام ليظهر “الدجل المعلوماتي” بكل صوره وأشكاله، جنبًا إلى جنب مع الدجل التقليدي المبني على الخرافة.

 

 

 

 

 

ولما أصبح كثير من أفراد المجتمع يفزعون إلى شبكة الإنترنت للبحث عن معلومة، مع الطفرة الحادثة نسبيًا في كم المعلومات على الشبكة، أصبحنا في حاجة ماسة إلى “التفكير النقدي”، خاصة عندما يتعلق الأمر ببحوث طبية أو معلومات لها تأثير على الصحة أو على حياة شخص أو مجموعة أشخاص، فكما يقول آرثر كلارك: “الحصول على معلومة من الإنترنت كالحصول على كأس ماء من شلالات نياجرا”!

 

 

 

 

 

حيث تنتشر في كل الأحيان بعض المعلومات المغلوطة، والتحذيرات الوهمية، والشائعات عن اختراعات لا وجود لها، أو أدوية تروّج لعلاج مرض واسع الانتشار، أو حقائق علمية مزعومة، أو مخترعين لا علاقة لهم بالاختراع،

 

 

 

 

 

مَن منا لا يتذكر ذلك العنوان عن شم غازات البطن وتأثيره الإيجابي في الوقاية من السرطان والخرف والأزمات القلبية، والذي وُصف بأنه ناتج عن دراسة بريطانية؟

 

 

 

 

 

والحقيقة أن الانتشار – المفزع أحيانًا – لأخبار ومعلومات غير صحيحة، وإشاعات لا أساس لها من العلم، يقف وراءه اندفاع الأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي في مشاركتها دونما تمييز، وبعض العاملين بالإعلام كذلك من أسباب انتشارها، عن جهل أحيانًا،

 

 

 

 

 

وبدوافع مصالح مشتركة أحيانًا أخرى، وربما أسهمت في انتشاره منصات تهدف إلى الانتشار ببث المستغرَب من الأخبار، وتسخِّر في ذلك الإعلانات الترويجية، ولعمري ما كانت جودة التسويق دليلًا على جودة المنتَج، لكن جودة المنتَج تشير إلى صحة المنهج.

 

 

 

 

 

وقد وصل التزييف إلى الأدوية، وراجت تجارتها على الإنترنت، وساعد على انتشارها ضعف آليات التنظيم والإنفاذ في المنطقة، ما خلق مشكلة كبرى في مجال الصحة العمومية، وحدا بمنظمة الصحة العالمية إلى التحذير، فأسهمت عام 2006 في إنشاء فرقة العمل الدولية لمكافحة تزييف المنتجات الطبية.1

 

 

 

 

 

وفي محاولة لتصفية المعلومات الطبية خصوصًا، أُنشئ محرك البحث imedisearch.com الذي يقتصر في نتائج البحث على المواقع الطبية الموثوقة،

 

 

 

 

 

حيث كان الباعث على إنشائه خدمة الصيادلة تحديدًا، بالإضافة إلى التخصصات الصحية والتمريض، فهو يقوم بتصفية نتائج البحث وفق شروط تضمن دقة النتائج وموثوقيتها، واستبعاد نتائج المواقع غير المعروفة أو غير المنضبطة والمشبوهة، بما يجعله أقرب إلى الدقة ويوفر كثيرًا من الجهد في استخلاص المعلومة.

 

 

 

 

 

جميع العلوم تسير في بحوثها وتجاربها المنهجية وفق شروط ومعايير صارمة، قد تكون مختلفة نسبيًّا باختلاف المجالات، لكن الأصول الإجمالية تبقى واحدة، فمعايير الأمانة، والموضوعية، والدقة، وسوق الأدلة مشروطة في البحوث كلها على اختلاف أنواعها.

 

 

 

 

وقواعد “قابلية الفحص” من أهم قواعد التجارب العلمية، ويعنى بها إتاحة البرهنة وإعادة الاختبار، والترحيب بمراجعة الأقران، ووضع الشروط المحدِّدة لنجاح التجربة، بحيث لا تكون التجربة علمية إذا خلت من هذه المفاهيم.

 

 

 

 

 

 

وتلك المعايير الصعبة للبحوث العلمية تنسحب على الإعلام العلمي، فتأكيد رقم وارد في ثنايا أحد الأخبار يستحق الانتظار الأيام الطوال، وربما يُلغى خبر برمَّته لعجز الكاتب عن جلب مصدر لمعلومة انطوى عليها الخبر، ناهيك بالعمل الدقيق في ضبط اللغة وصياغة الجمل والعبارات.

 

 

 

 

 

 

وتوصف العلوم التي لا تُراعي تلك الشروط والمعايير بأنها “علوم زائفة”، وتعتمد غالبًا لغة التهويل واستغلال ميل العقل البشري نحو التصديق بدلًا من المعارضة والنقد والتفنيد والدحض، كما أن البيانات تخلو من الوضوح وتميل إلى التضليل، وربما استعانت ببعض المصطلحات العلمية لإضفاء الشرعية العلمية، عدم الإفصاح عن بعض مُدخَلات البحث يمثل ملمحًا آخر لهذه العلوم الزائفة.

 

 

 

 

 

ومن الشائع في العلوم الزائفة: كثرة الاعتماد على الشهادات الشخصية والقصص، وتقديمها كدليل على نظرية ما، في حين أنها لا تصلح إلا في بداية اكتشاف أو فرضية جديدة وتسبق مرحلة إخضاعها للاختبار.

 

 

 

 

 

كما يكثر فيها القول بلا دليل، أو “انتقاء الأدلة” بتقديم الأدلة التي تخدم ادعاءً ما ورفض ما يعارض ذلك الادعاء أو طمسه، بالإضافة إلى الاعتماد على المصادر المجهولة، والحديث عن مادة أو تركيبة سرية.

 

 

 

 

 

وقد كثرت الأخبار الكاذبة عن الاختراعات بشكل خاص، بدءًا بجهاز علاج الفيروسات المزعوم C-Fast، ثم تكرارًا مشينا لعنوان “طالب ثانوي يخترع” بأخبار لا علاقة لها بالصحة، ولسنا نستنكر وجود مخترعين وأذكياء وعباقرة، إنما نعيب صحافة التجهيل والتسطيح، التي تسارع بالنشر دون إخضاع الخبر لقواعد التحقق.

 

 

 

 

ومن أهم قواعد التحقق: استشارة المتخصصين، من العلماء البارزين في التخصصات المختلفة، والبحث عن نتائج عملية للاختراع أو الاكتشاف، إضافة إلى القواعد الصحفية الغائبة من الموضوعية، وعدم المبالغة، ودقة البيانات والمعلومات، وعدم الركض خلف الإثارة والمبالغة.

 

 

 

 

 

 

إن انتشار العلم الزائف بهذه الكثافة يعني أننا أمام حرب على الوعي، وهي حرب لو لم ننتصر فيها فسنخرج منها أمةً مسخًا، لا علاقة لها بمسار الحضارة والتطور، وهو ما آمل أن تتكاتف جهود الدول والمؤسسات العلمية والأفراد للحيلولة دونه.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد