* مدخل:

لا تنحصر الآثار المدمرة للفقر في مجرد الأمراض المترتبة عن الحرمان من الغذاء أو الهلاك بسبب نقص الدواء أو الكساء، لكن ثمة آثارًا أخرى تتمدد في أعماق النفوس والمجتمع تاركة جراحًا غائرة يصعب تداركها فيما بعد.

إن ما يخلفه الحرمان في نفس المعدم وما يترتب عليه من سلوكات، ليس سوى قنابل موقوتة قد تنفجر في حينها مخلفة جملة ضحايا وخسائر مكلفة.

(1)

في بعض لقاءاتي مع زملاء مهتمين بالشأن المجتمعي، كنت دائم التركيز على السلوك الاجتماعي للفقراء باعتباره عاملًا رئيسًا في استدامة معاناتهم واستمرارها لفترات طويلة، وفي ظروف اقتصادية متباينة ارتفاعًا وانخفاضًا، ومما كنت أدلل به على أهمية زاوية اهتمامي، سلوكات المنتقلين من دوائر الفقر.

إن الفقراء في محاولاتهم المستميتة لمغادرة محطات الفقر، عادة ما يحافظون على أفكار وسلوكات تبقيهم أوفياء للفقر وإن امتلكوا سلة أدوات الأغنياء.

(2)

وما يجدر التذكير به والتركيز على أهميته عند تناول قضية الفقر، أن الفقر عبارة عن سلوك في المقام الأول، قبل أن يكون حرمانًا من أدوات ومظاهر وآليات حياة. وتأسيسًا على كونه سلوكًا، فإن عدم قدرة الفقير على تجاوز سلوكات الفقر يعني ضمنًا عدم قدرته على تغيير منظومة الأفكار المنتجة لسلوكه مما يبقيه في نفس الدائرة مهما امتلك من أدوات ومرفهات.

(3)

يعيش المنتقلون من الفقر هواجس العودة والارتداد إلى الحرمان، مما يدفعهم إلى تبني فكرة الامتلاك المفرط للأدوات أيا كانت، بمستوى يمنحهم أمانًا كافيًا ويقربهم إلى مماثلة ما يمتلكه الأغنياء العتيقون في الرفاهية، وتقابل رغبة الامتلاك لدى الصاعدين الجدد رغبة متطرفة مقابلة تتمثل في التخلص من تاريخ الفقر ومظاهره وأدواته وأشخاصه وقد تمتد الرغبة الجامحة في التخلص إلى تغيير اللهجة وأسلوب الكلام والأسماء.

إن ما يترتب على سلوكات الفقراء السابقين ليس مجرد الاستهجان من رفقائهم وزملاء صباهم فحسب، ولكن ثمة تأثيرات ذهنية أخرى أشد ضررًا بمجتمعات الفقراء وأفرادهم. إن التغير الكبير والحاد في سلوكات المنتقلين قد يرسب قواعد من بينها أن مجرد انتقال الفقير إلى ما فوق الكفاية سيؤدي تلقائيًا إلى تغير سلبي في سلوكه الاجتماعي بناء على تغير نظرته للفقراء أنفسهم، وقد تسهم فكرة واحدة من بهذا الحجم في إبقاء مجتمعات كبيرة في دوائر الفقر بوعي؛ حتى لا تتغير سلوكاتهم وتسوء نظرتهم للفقراء بسبب الغنى.

(4)

عند تدقيق النظر إلى الفقر وواقع الفقراء، من زاوية اجتماعية، يتبين للمهتم أن من أهم عوامل استدامة الفقر، رداءة التواصل بين الفقراء وعدم قدرتهم على التعاون في أقل مستوياته فضلًا عن أعلاها. قد يرتبط ما يعيشه الفقراء من صعوبات في التفاعل البيني، بنقص المعرفة وضعف الوعي، لكن هذا النقص وذلك الضعف ليسا سوى نتيجة لرداءة التواصل المشار إليه سابقًا. في تجربة تعليمية في فقير، اقترحت تعاون بعض الموظفين ممن حصلوا على تعليم جامعي، في تقديم دروس أكاديمية لطلاب نفس الحي بغرض تحسين مستوياتهم وتحفيزهم على تحصيل دراسي أفضل، لم يجد اقتراحي استجابة، بل وصلتني رسائل غير مباشرة من بعض المتعلمين مفادها أن عدم حصولهم على أي مساعدة أكاديمية سابقًا، يعني أن عليهم ألا يقدموا أي دعم أكاديمي لغيرهم!

* خاتمة:

قد تكون مبررات السلوك الواحد متباينة، لكن معظم سلوكات الفقراء تجاه بعضهم تبقى ذات طابع متقارب ومتشابه: أن أنجو أنا من الفقر ويظل الآخرون، وذلك في مرحلة ما قبل الانتقال، أما إن تحقق لبعضهم انتقال فعلي فتصبح العبارة السابقة: نجوت وابتعدت وانفصلت عن كل مظاهر حياتكم، تبًا لكم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد