رأس الفتنة

كلما قرأت عن ابن سلول تعجبت كثيرًا؛ إذ إنه ظاهريًا ينفق في سبيل الله، ويحرض المؤمنين على القتال، وكلّ من الإنفاق والقتال أحب الأعمال إلى الله ورسوله.

فالمؤمن حين ينفق يوقى شح نفسه، ولا يخشى فاقةً والله يرزقه، وهذا إيمانٌ بالغ دون مبخلة، وإذ يقاتل فإنه يضحي بنفسه كاملةً، أو يعرضها لمخاطرٍ معلومة يقينًا حسبةً لله دون مجبنة.

إلا أن ابن سلول افتقد إلى الإخلاص، واستحب الهوى على الهدى، وقدم المصلحة الخاصة على العامة، ولم تتجرد نفسه من الغرض، وهذا سويداء النفاق، ولك أن تأخذ العبرة من هذه الدراسة بالتفريق بين المعاملة الحسنة، والكلم الطيب والمجاملات التى يبنى عليها الود والصلة، وتبادل المنفعة، وبين النفاق.

كل ما سبق إذا تنزه عن الأغراض الخبيثة والأهواء، فهو طيبٌ محمودٌ يثاب فاعله ويؤجر عليه، فهو بمنزلة الإحسان ومكارم الأخلاق التي حثَّ الله عليها، وأقرتها الأديان السماوية، والفطرة السليمة أما إذا دخل الغرض الخبيث في هذه المعاملات، فهي نفاقٌ نفاقٌ نفاق؛ قولًا واحدًا لا ثاني له.

ابن سلول قبل بعثة النبي كان يسعى بكل ما أوتي من قوةٍ إلى ملك المدينة، وأنفق أموالًا طائلة من أجل ذلك، وكان يحظى بقبول وجهاء القبائل والعشائر وتأييدهم، وبالفعل قطع شوطًا كبيرًا نحو السيادة، وقد قاب قوسين أو أدنى، إلا أن بعثة النبي جعلت إمارة المنافق في مهب الريح.

أدار ابن سلول الأزمة بمكرٍ بالغ إلا أنه مكر سيئ، قد كان عبقريًا مخادعًا داهيةً إلا أنه وظف قدراته من أجل الهوى، ولا ريب في ذكاء ابن سلول العقلي، إلا أنه ذكاء في الشر؛ رأى ابن سلول بدهائه أن النبي ليس الشخصية التي يستطيع التخلص منها بسهولةٍ ويسر.

فالنبي صاحب نسب وقبيلة هي أعلى القبائل، وصاحب أخلاق عالية أضفت عليه مكانة بين الناس، ومن ثم صار له أنصار ومهاجرين يبايعونه على السمع والطاعة، والمنشط والمكره، إلا أنهم يفتقدون إلى المال نظرًا لتعطل أعمالهم وتجارتهم لانشغالهم بأمر الدعوة، ولأن معظم المقدمين على هذا الدين من الفقراء.

فلعبت سلطة المال دورها الذميم بشراء ذمم بعض أصحاب النفوذ، والتسويق إلى شخص ابن سلول عبر بوابة المال، والإيغار إلى فتنة ضعاف النفوس الذين يقدسون المادة، ومن ثم بفطنةٍ متناهيةٍ حاك ابن سلول مخططاته باكرًا، وقرر شق صفوف المسلمين عن طريق إعلان إسلامه ظاهرًا للانخراط بين النبي والرجال من حوله.

وقد كان نجح ابن سلول في بداية الأمر، وأخذ خطواتٍ واضحةٍ في طريق الدعوة والسيف لإبعاد الشبهات عن نفسه تمامًا كي يحوز مكانةً جديدةً بين المسلمين لك أن تتخيل مدى إصراره ومرونته للتحول من مجاورة هرم الملك إلى مرحلة بناء قواعد الملك من جديد دون إبراز العداوة والبغضاء، فكان مثالًا يحتذى به في السيطرة على النفس.

كان الرجل يتحلى بمرونةٍ عالية، وذكاء حاد، ويحسن إدارة الأمور، فابن سلول كان سيد قومه، ووصوله إلى الملك لم يكن أمرًا غير مألوف، إنما طبيعي لرجلٍ جدير بهذا الملك لما يتمتع به من ملكاتٍ شخصية، ومقوماتٍ اجتماعية، وحنكةٍ سياسية، ورفاهةٍ مالية.

  أحسب ابن سلول لم يكن يرى في ذاته إلا ملكًا، ولا ينبغي له أن يكون أقل من ذلك، وهذا كبرٌ ومرضٌ نفسي اسمه جنون العظمة paranoia يفرض عليه ألا يندمج في النسيج الاجتماعي الجديد الذي غزله النبي بمغزل العدل والمساواة، دون تقسيمٍ طبقي، وإعلاء لشأن أحدٍ على أحد.

لم يكن ابن سلول يكن لهذا الدين إلا نظرات الحقد والكراهية، وإن اعتنقه من أجل التوغل إلى مآربه، فما ترسخ في ذهنه أن هذا الدين قد حرمه الملك والسلطان، وسلبه السيادة والإمارة، وجعل منه تابعًا يؤمر ويطيع بتجردٍ تام، وهذا لم يكن بالأمر الهين على نفسه، ولم يكن ليسمح لأحدٍ كائنًا من كان أن يئد تطلعاته.

 وصل التبجح بابن سلول إلى حد التعديل على النبي المنزه عن الأهواء الذي يندفع من منطلق الوحي الإلهي؛ جامعًا في يده كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأظهر سفالته عيانًا بيانًا في أول شدةٍ عظيمةٍ تصيب المسلمين، ألا وهي غزوة أحد، فالشدائد مرآة فاضحة لكل منافق.

تمرَّد ابن سلول، فانسحب بنحو ثلث العسكر من وسط ساحة القتال الطاحن الذي كاد أن يفنى فيه المسلمون، مظهرًا السخرية بقوله: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟

واحتج في ذلك إلى أن الرسول ترك رأيه، وأطاع غيره في إشارةٍ منه بأن النبي ليس حاكمًا ذا كفاءة، وأنه يحصد نتيجة سوء إدارته، وأوكل الأمر لغير أهله.

كلما بدأت دولة الإسلام تأخذ خطواتٍ إلى الأمام أيقن ابن سلول مواطن القوة والضعف، وعمل على شل حركتها وإعاقة تقدمها؛ فرضت الزكاة على المسلمين، وصار أداؤها لابد منه من أجل الإنفاق على الفقراء وتجهيز الجيش، فلما استشعر ذلك قال: امنعوا المال عن محمد وأصحابه، فيضطر الناس إلى الانفضاض عنه.

توالت الأحداث والصراعات الدامية التي أرهقت دولة الإسلام، وما زالت عزيمة المسلمين متقدة، وإصرارهم يتعالى يومًا بعد يوم، وما زال الرسول ورجاله يواجهون بكل ما أوتوا من قوةٍ لتحدي هذا الواقع الشقي المرير لا تهدأ ثائرتهم على باطل، وما زال ابن سلول على نفاقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد