رأس الفتنة

في العام السادس من الهجرة تجهز جيش المسلمين لخوض غزوة بني المصطلق، ففر ابن سلول وجيشه من الزحف، وقرر هذه المرة التخلي عن المسلمين بوقاحةٍ أكثر وضوحًا من ذي قبل ظنًّا منه أن هذه هي نهاية المطاف، وأن محمدًا يلتقط أنفاسه الأخيرة لضعف جيشه، وقلة ماله، وكثرة أعدائه وأزماته!

إلا أن صبر رسول الله وحلمه على هذا المنافق لم يكن سفهًا أو غفلةً أو مجبنةً حاشاه؛ بيد أن النبي ينتظر لعله يتوب، ويستأني عليه لعل الله يخرج من صلبه من يعبده لا يشرك به شيئًا في حالةٍ شديدةٍ من الغضب سيطرت على كبار الصحابة، وأبدى بعضهم الاستنكار على هذا الصبر والحلم، وإطالة الأمل!

علم النبي بنية بنو المصطلق الإغارة على المدينة، فقرر جمع المسلمين للخروج إلى مواجهتهم، ورد شرورهم مبكرًا خارج المدينة، فتخلف ابن سلول في الطريق حتى خالفت أقدار الله هواه، وانتصر المسلمون نصرًا كبيرًا، وغنموا غنائم ضخمة، وسلبوا عددًا كبيرًا من نساء القبيلة كان منهم جويرية بنت الحارث ابنة زعيم بني المصطلق الذي هو الحارث بن ضرار، وكانت ضربة هائلة للقبيلة!

فلما وضعت الحرب أوزارها، وأوشك المسلمون على العودة إلى ديارهم «المدينة» أصاب ابن سلول حالة من الرعب والفزع، والشعور بالخزي من تلونه ونفاقه حتى اجتمع بجيشه صارخًا: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن محمدًا الأعز منها الأذل!

ما زال ابن سلول رغم سفالته ووقاحته تلك يظن في نفسه العزة، ويخوض معركة البحث عن ماء الوجه، فلما علم ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول بما قال ثار غضبًا لرسول الله، فذهب يستأذنه:
يا رسول الله قد علمت المدينة أنه لا يوجد أحد أبر من أبيه مني، فإن تريد قتله، فمرني بذلك، فإني لا أصبر على قاتل أبي! (ضعيف الرواية).

عندما دخل الجيش المدينة بعد العودة من الغزوة تقدم عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول على رأس الجيش، ووقف مشهرًا سيفه على مدخل المدينة، والكلُ يتعجب من عمله حتى إذا قدم أبوه داخلًا المدينة رفع السيف في وجه أبيه قائلًا بمنتهى التجرد والغضب لله ورسوله: والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله!

وكان هذا الفتى الذي خرج من صلب زعيم المنافقين ممن صلح إسلامهم، وأثلج صدر رسول الله بعد زمنٍ من تجرع مرارة أفعال أبيه، وتحقيقًا لنبوءته على أرض الواقع بما يساير لغة العقل والمنطق، ويجسد بعد نظره، فحاشا لله أن يخيب أمله أو يخذله، ونزل النص الإلهي يتضمن التسوية بين هؤلاء المنافقين وبين الكفار!

لما كثرت غنائم المسلمين من الحروب، وتزايدت أموالهم لإقبال الأثرياء على هذا الدين، ومبالغتهم في الإنفاق تقربًا إلى الله ورسوله؛ زاد غل ابن سلول وحقده على النبي ورجاله، وسعى جاهدًا لكسر شوكتهم، فعمل على تجفيف منابع التمويل من أجل التسبب في افقارهم وحوجتهم ليسهل ردعهم والسيطرة عليهم فيما بعد، وإجبارهم على التفاوض أو إقصائهم عن المشهد كليًّا، وبسط سيادته ونفوذه، ليجني حصاد أطماعه!

حلم النبي الزائد على هذا المنافق لربما أغضب الله حتى نزلت آيات فضح المنافقين مظهرةً أقوالهم وأفعالهم، فمن أقوال ابن سلول التي نزل بها نص قرآني لفضحه وكشف ستره؛ قوله تعالى:
{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ}
أي امنعوا الأموال عن محمدًا وأصحابه، ولا تعطوه زكاةً ولا غيرها حتى يعجز عن الإنفاق على أصحابه من المهاجرين، فيتفرقوا عنه، ويدبروا عن دينه، فتنحصر دعوته!

لما سمعها عمر استشاط غضبًا طالبًا من رسول الله أن يضرب عنق هذا المنافق، وحلم النبي عليه يزيد ثائرة عمر إلى أن قال النبي (دعه يا عمر حتى لا يقول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه). ما زال النبي يراعي في حقه الأعراف والتقاليد إلا أن الصحابة لم يتوانوا عن تلقيبه برأس النفاق، ولم يرغبوا عن ذكر الفاجر، وتعمدوا إذلاله، وإشعاره بالخزي والعار، وإشهار فحشه ليعرفه، ويحذره الناس!

لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله، فسأله أن يعطيه بردته يكفن فيها أباه، فأعطاها له ثم سأله أن يصلي عليه، فقام الرسول ليصلي عليه، فقام عمر منتزعًا ثوب رسول الله،

قال عمر: يا رسول الله، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟!

قال الرسول: إنما خيرني الله.
قال تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وسأزيده على السبعين.
قال عمر: إنه منافق.

عن ابن عمر قال: صلى عليه رسول الله، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} أي أمر إلهي بالمفاصلة بين الحق والباطل بالنهي الصريح الذي لم يترك مجالًا للشك أو الحرج أو الضغوطات النفسية الأخرى!

يجزم المؤرخون أن بعد موت عبد الله بن أبي بن سلول انحسرت حركة النفاق بشكل كبير، وتراجع بعض أفرادها، فيما بقي البعض الآخر على الكفر الذي يضمرونه، وقيل أنه لا يعرفهم سوى حذيفة بن اليمان صاحب سرّ رسول الله، فأشباه ابن سلول كثر لكن ابن سلول فضحته طموحاته وتطلعاته ومحاولته تخطي النبي وتجاوزه والاستعلاء عليه لمكانةٍ نالها في الجاهلية انقلبت عليه لخزي في الإسلام لأنه لم يتجرد للأمر الإلهي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد