التوازن النفسي في مواجهة الضغوط الحياتية

لم يعد خافيًا ما أضحى يواجهه الإنسان العربي من إكراهات حياتية يومية، كانت مبعثًا لمشاعر الخوف، الإحباط، القلق، التهديد، التوتر…إلخ من المشاعر التي تحاصره من كل صوب، ضيقت منعطفات حياته وأربت تصدعات نفسه، فبات من الصعب الخروج من شرنقتها.

إن تحقيق التوازن النفسي لمواجهة الضغوط الحياتية وفق استراتيجية منطقية واضحة دون تعقيد ولا مؤاربة، حاجة ملحة يدعو لها لسان حال الكائن المغرّب المفؤود؛ المغرب في وطنه أو المنئيّ وراء الحدود، وقد تجسد الوجع الإنساني بجميع أبعاده وصفاته في نضاله لأجل الصمود، لإثبات الوجود وسط العبث والسلام المفقود، ما تفتأ تنتهي نازلة إلا وتتلبس ثانية وثالثة، قهرته تباريح الحياة وطاشت بتوازنه.

قلما نصادف شخصًا هادئًا يعيش حالة السكينة والطمأنينة، للوهلة الأولى، تتملكنا الدهشة والاستغراب ويساورنا الارتياب لهدوئه متسائلين: من أنّى له هذا البرود وهاته القلاقل التي تموج بها الشعوب؟! كيف يصون توازنه النفسي وسط الغليان والعبث؟ ألا يتابع الأحداث! كيف استطاع التعايش مع الإرهاصات وعبء المتطلبات؟ يستحوذ علينا الفضول بشدة لنعرف نهجه في تقوية معنوياته النفسية ضد الشحنات السلبية المحيطة، ربما نسأله وربما تخوننا الشجاعة لفعل ذلك.

لكن نظل نتقصى في زحام الأحداث سبل التشافي الذاتي؛ كي نعيد التوازن النفسي الذي لا محيد عنه للفكاك من بين أنياب الضغط النفسي الناجم عن ضغوط متطلبات الحياة ومتغيراتها. فنصيب مرة ونخيب مرات في مسار متعثر يمر به كل كائن على مدار حياته اليومية المليئة بالمعوقات.

ينبغي الإقرار ابتداء بأن خلق التوازن النفسي في بيئة غير مستقرة يعد تحديًّا إضافيًّا ليس من السهل الوصول إليه، بيد أن ضرورته حتمية للتخفيف من أكثر الأعباء التي تشكل هما جاثمًا وضغطًا نفسيًا جسيمًا، ومواجهة التحديات بصلابة وتفاؤل مهما بلغت درجتها ومهما صاحبها من هزات ارتدادية.

ويأتي التوازن النفسي أو الثبات الانفعالي في المستوى الثالث من الصحة النفسية بعد السعادة والرضى، مرتكزًا على التقدير الذاتي المرهون بإنجاز هدف ومعنى في الحياة. يعرفه الدكتور محمد عبد الفتاح المهدي بأنه: «حالة دينامية تكاد تتوازن فيه كفتان متغيرتان باستمرار تحمل كل منهما شيئًا يناقض الثاني؛ وهما كفة الحياة وكفة البيئة المحيطة، بحيث يخلق هذا التوازن حالة من الاستقرار النفسي والتوازن الدينامي». ويردف الدكتور بأن الإنسان يرسي ثباته وتوازنه النفسي بفضل ميكانيزمات يحتوي عليها كل من الجسم والمخ تجعله في توازن حيوي أغلب الوقت على الرغم من التغيرات الداخلية في الجسم والخارجية في البيئة.

تـأخذنا فكرة المعنى والهدف في الحياة التي يرتكز عليها التقدير الذاتي، إلى آلية لها أهمية قصوى في إحياء إرادة المعنى في الإنسان، معززًا روح التفاؤل لديه ورباطة جأشه. إنها آلية الإيمان التي تعد أيضًا أساسًا في الذود عن طمأنينة النفس وتوازنها، مثل ما يدلل عليه قول الله تعالى في سورة الرعد: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله؛ ألا بذكر الله تطمئن القلوب} آية رقم 28.

لقد كان موضوع وقع الإيمان المحمود على صحة الإنسان الجسدية والنفسية فحوى عدة كتب عربية منها على سبيل الذكر: مفاتيح تدبر القرآن والنجاح في الحياة للدكتور خالد بن عبد الكريم، وغربية مثل: كتاب الإيمان صحة وفلاح لأدرو بريمان. فممارسة التعبد بخشوع وانتظام سواء كان هذا التعبد صلاة أو ذكر أو تأمل يملأ فجوات الروح. فتنتاب الإنسان سمة من الاسترخاء والصفاء تفصله بطريقة ما عن منبهات واهتمامات العالم الأرضي، بل تفصله أحيانًا حتى على أوجاعه الجسدية كما يحدث عند نخبة المؤمنين وعباد الله الصالحين. ومن هنا جاءت طقوس التأمل كاليوغا في الحضارة الهندوسية. يقول عميد المؤسسة الأمريكية لعلاج الاضطرابات الذهنية الدكتور لورنس ميكين: «إن ممارسة التأمل العميق باعتباره صورة من الخشوع قد يساعد في حد ذاته على التغلب على الشعور بالألم النفسي والإحباط، ويعيد التوازن في توزيع النشاط في مراكز المخ»، الأمر الذي يساعد الإنسان في التسامي والتشافي الذاتي من أوجاعه.

إن الإيمان يتّخذ وحده حصنًا حصينًا للإصابة بجملة من الأمراض النفسية العصية وعلاجًا شافيًا منها شريطة أن يتسم بالمتانة والعمق. وكلما ترقى الإنسان في مدارجه كلما تنعم بحالة السلام، وزاد تناغمًا ووئامًا مع ذاته؛ مما يجعله ينساب كقطرة ماء عذبة زلال تغسل أدران مجتمع يستقيم بصلاحه.

وفي ذات النسق لا بد من الإشارة لكتاب Mind like Water أو عقل مثل الماء للكاتب الأمريكي جيم بالارد، يعتبر من أروع الكتب التي تناولت آليات تحقيق التوازن والعيش بثقة وهدوء في عالم مشوش يكتنفه الغموض والاضطراب، عن طريق تغيير آليات التفكير والتحكم في المشاعر، انسجامًا مع نظرية الماء التي يعرضها، نستشف من خلالها ضميمية من المهارات الحياتية، استاقها من خصائص الماء، يتضح آثارها النفعي عند تطبيقها في تعاملنا مع مواقف الحياة المختلفة.

المؤلف غزير بالنفائس يستحق القراءة حقيقة لا يسعني المجال للتفصيل، حيث بسط فيه مؤلفه مجمل آليات التوازن النفسي، أثناء شرحه خصائص الماء في تسلسل جميل؛ مبتدئًا بخاصية الانسيابية، خاصية البحث عن التوازن، خاصية الانعكاس، خاصية الامتصاص، خاصية تغيير الشكل، خاصية الإصرار، خاصية الهدوء، ثم منتهيًا بخاصية القدرة على الاحتفاظ بالجوهر. فصّلها في 24 خطوة عملية يمكن التمرن عليها لإعادة هيكلة التفكير، وبرمجة العقل إيجابيًّا ليصبح شفافًا صافيًّا، باعتبارها أولى الخطوات الفعلية والحقيقية للتغيير.

بيد أن عملية التغيير لن تتأتّى بسهولة مثل ما نعتقد ولكنها تستلزم الكثير من التمرن عليها لإعادة هيكلة التفكير، فهي حسب جيم بالاراد «أشبه ما تكون لعملية تغيير أسلاك كهرباء في منزل قديم؛ يجب أن تبقى الأسلاك الحالية العتيقة في مكانها تزود المنزل بالكهرباء لفترة، ريثما يتم الانتهاء من تركيب الجديدة، وأثناء تقدم العمل، يجب مراعاة الحرص لتجنب أية حوادث مكلفة، أو أحمال زائدة، أو حرائق قد تتسبب فيها الأسلاك البالية، وفي النهاية لا بد أن يتم استبدال النظام القديم بالكامل، ويتم العمل وفق ما تم من تحديث لأول مرة وإلى الأبد».

بقي أن أنوه لإلزامية الحفاظ على الصحة كآلية من آليات التوازن النفسي تستوجب عدم إغفالها، وذلك بمزاولة نوع من الرياضة على الأقل وحبذا لو تكون في الهواء الطلق، وضرورة تجنب ما أمكن الأغذية المهرمنة والمعدلة وراثيًّا، والملوثة كيماويًّا، نظرًا لتأثيرها على الصحة وارتباطها المباشر مع الكثير من أمراض العصر.

من خلال تمعن آليات التوازن النفسي التي خلص إليها المعنيون من أطباء نفسيين ومدربين وباحثين، نستنتج فورًا بأنها تلتئم جميعًا في أوبتها للذات الإنسانية، مدللين على أن طريقة التعاطي مع الأحداث والمواقف هي التي تنعكس سلبًا أو إيجابًا على النفسية. كما يدلي كتاب واين داير غير أفكارك تتغير حياتك في شرحه لارتباط الأفكار الوثيق بما يستثار ويعتمل في أغوار النفس من مشاعر مولدة بدورها ردود أفعال متباينة. وعليه فتغيير الأفكار من شأنه تبديل حياتنا برمتها، يقول سبحانه وتعالى في سورة الرعد: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} آية 11.

فلا غرو إذن أن النظر للأمور من زاية ضيقة يضاعف تأثيرها السلبي المحبط ويحكم أسر ضغطها النفسي، في حين تضمحل وطأته وتتحسن الحالة العاطفية الانفعالية كلما نظرنا من منظور متعدد الزوايا والأبعاد.

أخلص في الختام إلى التأكيد على أهمية تحقيق التوازن النفسي، بممارسة سبل التشافي الذاتي؛ لأنها سبيل مواجهة سيل الضغوط الحياتية الجارف؛ والتي عرضتها في مقال الضغط النفسي وسيكولوجية الكائن العربي في عصر الحداثة، مبرزة أسباب ومسببات الظاهرة الضافية الذيول.

المصادر

موقع مجانين مقال التوازن النفسي د. محمد عبد الفتاح مهدي

موقع الهيئة العالمية للكتاب والسنة مقال الإيمان شفاء للنفوس والأبدان د. محمد دودح

كتاب Mind like water لجيم بالاراد

مدونة ترانيم ملك مقال ماذا لو نظرت للأمور من زاوية أخرى

 كتاب غير أفكارك تتغير حياتك واين داير

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم نفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد