التعلق أو بمعنى آخر حب اقتناء الغير، وفرض السيطرة عليه باعتباره جزءًا من مقتنياتك، في إطار علاقة نفسية مرضية تؤذي صاحبيها، المتعلق ومن تعلق به.

إن فتشنا في سراديب أنفسنا، أو في دفاتر تعاملاتنا، سنجد ما يخزينا من تعلق مرضي بالآخر دون وعي منا، أو بوعي أنه لا يمكننا الاستغناء عمن نظنه هو الحياة، هو الروح والراح، لكن لربما لا يؤسفني إبلاغك بحقيقة أنك مريض بإحدى الأمراض النفسية بين قوسين تؤذي مناعتك النفسية وتؤذي بها غيرك.

وبالمثال يتضح القول، تتزوج إحداهن بعد تعلق كبير بذاك الشاب الوسيم الذي جاء لينتشلها على حصانه الأبيض، يشدو بها حبًا، وفي الواقع هي عمياء فهو رجل ذميم حمارته عرجاء، لا يلقي لها بضع القدر من البال، كما تفعل هي، تتعلق به، تجعله هو الأكسير الأوحد وبدونه تفقد حياتها ولا تقوى على أن تستمر لحظة بدون رفع سماعة الهاتف ومعرفة أين هو الآن؟ ومع من يتحدث؟ وهل تسامر مع زميلته في العمل؟ تلك الشقراء ذات الملامح الأوروبية التي تهدد ثقتها الأنثوية بنفسها، فيراها هو لربما يشعر بالشفقه تجاهه زوجته.

أو لربما يحزن لما تدهورت به الحالة في علاقته بزوجته العزيزة لهذه الدرجة وتلك الرتابة والغيرة الزائدة والشكوك، الموصلة لحد كره الطرف الآخر، تتكاثر المشكلات، كما تتكاثر الخلايا داخلنا، بل أكثر، ويستمر العيش لا طعم للحياة، ثم تنجب منه مولودها الأول، فيصير شابًا يريد أن يشق طريقه مع من تشركه فيه، لكنه لا يري أن أمه ثالثه في تلك العلاقة، تعلقت الأم بولدها بعد خيانة زوجها لها، أو بعد زواجه بأخري، أو لربما وفاته بحادث سير أليم، أو حيّ يرزق، لكنه مات نفسيًا بعلاقته بها، فتري زوج لها في ابنها، وتقحمه في علاقه نفسية غير سوية بأن يكون لها داعم بأن يكون زوجها النفسي، أبشع ما تفعله الأم أنها لا تقطع حبلها السري النفسي عند ولادتها ابنها، على الرغم من قطع الحبل السري الحقيقي له لينفصل عنها بجسده، فلم لا ينفصل عنها بذاته، فتنصدم تلك المسكينة القادمة على أنه شريك واحد لكن تفاجأ بشريكين!

هنا يحدث صدامات كثيره لهذا الطفل النفسي في هيئة شاب العشرين، لا يقدر على ترك أمه، فهي كانت لا تفارقه لحظه، حتى إنها كانت تنتظره خارج أسوار المدرسة آيام دراسته، تذهب معه كل عطله في تمشيه، جعلته محور حياتها، لم يكن لها أي اهتمامات غيره، نسيت أن تكون نفسها، كانت لا تترك له مجال للاختيار، تغذت عليه دون أن تدري، ودون أن يعي ذلك، فكبر عائلًا نفسيًا، لا يقوى على تكوين شخص سوي بمفرده، دائمًا يحتاج إلى عائله الوحيد، حضن أمه لا نتحدث هنا عن العلاقة الصحية، والنفسية السوية، ذات النهج الإسلامي، نقصد علاقة شذت عن السواء النفسي، وأخذت منحنى نحو التغذي على طاقات الآخر، وإعلان الامتلاك له. ولا يقوى على وضع إطار محدد للعلاقة، فهنا سيكون الابن العاق بعد تلك التضحيات الهائلة والعمر الفائت، وزوجته الشريرة جاءت بسحرها لتخطفه من بين أحضانها!

لما يريد الأهل النمطية؟ لما يريدون نسخه مصغرة منهم أو نسخه معدلة عنهم؟ لما لا يطلقون الحرية لهذا الصغير أن يختار! فقط عليهم التوجيه لكي يحسن الصبي الاختيار، على المرء أن يخطأ لكي يتعلم، عليه أن يدفع ثمن أخطائه، لا شيء يقدم بالمجان، القرارت المصيرية لا تقدم على طبق من فضة، ولا يشترط فيها أحد بعلاقه مرضية بسلطته النفسيه على الآخر، ليجبره على خيارات لا يرى لها أولوية، أو لربما غير مهتم لها، فيفعلها على استحياء منه، ولا يحظى بمهارة رفض ما لا يناسبه.

جميعنا نبحث عمن يفهمنا، عمن يعطينا قدرنا، عمن يري الجمال فينا، نحتاج إلى علاقة نفسية سوية صحية واحده على الأقل يرانا فيها شخص ما أننا نستحق، نشعر فيها بالتقدير، ونري منه الإهتمام، وقتها سيهون كل السعي والبذل في تقديم كل ما لدينا له، سنتطبع بطباع ليست فينا لنساير مركبه، سنتعايش مع عيوب لم نتوقعها من قبل، من يرى فينا العيوب، ويهونها يستحق كل هذا بسلام، بكل حب، من يسكب عطره ويمضي، لكن آثره لا يزول، قليلون، لكن محبون صادقون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد