لا أزال أذكر مباريات الإسكواش الشعبي التي كنت ألعبها مع ابن خالي خالد على الأرض المقابلة لحائط جارنا الأستاذ أشرف، كنا نذهب سويًا لنعلب نصف ساعة أو ساعة على الأكثر من مباريات التحدي لنجد أنفسنا وقد أمضينا من العصر إلى المغرب في اللعب، لم نكن أبدًا نلحظ مرور كل هذا الوقت فما كان يبدو لنا وقتًا قصيرًا كان في الحقيقة ثلاث ساعات نشعر خلالها بالاندماج الكامل في المباراة ولا ندرك خلالها سوى حركة الكرة من الحائط إلى أرض الملعب والعكس، في الحقيقة كنت أشعر بالتوحد التام مع اللعبة.

هل مررت بمثل هذه الحالة من قبل؟ هل وجدت لها تفسيرًا؟!

على الأرجح أنك قد مررت بهذا من قبل سواء حين كنت تمارس هوايتك المفضلة، أو في دراستك أو في العمل… إلخ بحيث تشعر بحالة من الاستغراق والتوحد فيما تقوم به، وشعور بمرور الوقت بسرعة أو ببطء.

ومثلك، لم أكن أعرف أن لهذه الحالة تفسيرًا إلا حين مررت على أهم إسهامات عالم النفس ميهاي سيكشن ميهاي (اسمه يعد غريبًا حتى بين زملائه!).

وهو مفهوم التدفق النفسي والذي طرحه في كتابه ذائع الصيت (Flow: The Psychology of Optimal Experience).

ما هو التدفق؟

يعرف التدفق بأنها حالة من الاستغراق التام في النشاط أو المهمة بحيث يشعر الفرد بالتوحد معها ويصاحب ذلك حالة من فقدان الوعي الاعتيادي بالذات وشعور بمرور الوقت بسرعة أو ببطء فربما تقضي ساعات وتظن أنك أمضيت وقتًا قصيرًا أو تشعر بمرور وقت طويل.

ولكي تمر بخبرة التدفق يجب أن تتوفر عدة شروط ضرورية:

  • ما تقوم بأدائه يمثل تحديًا ولكن تشعر بالثقة والقدرة على أدائه.
  • الهدف واضح وتحصل على نتيجة فورية للأداء.
  • تشعر بالاستغراق التام فيما تفعله.
  • الوقت بالنسبة لك يمر بسرعة أو ببطء.
  • تتوحد مع المهمة التي تؤديها وكأنكما أصبحتما واحدًا.
  • يقل وعيك بذاتك ويكون التركيز بالكامل على المهمة.
  • قد يكون هناك مكافأة خارجية لما تقوم بفعله ولكن مكافأتك الأساسية من الداخل، فأنت تشعر برغبة داخلية في إنجاز ما تقوم بأدائه.

 

وقد حدد ميهاي عاملين مؤثرين في حالة التدفق وهما:

  • مستوى كفاءة الفرد.
  • درجة صعوبة المهمة التي يؤديها.

حيث إن الفرد يدخل في حال التدفق the flow state حين تكون درجة صعوبة المهمة تتلاءم مع إمكانيات الفرد وتتطلب تمديد مهاراته واستخدامها إلى حدها الأقصى. ولا تحدث حالة التدفق حين تكون درجة صعوبة المهمة أعلى أو أقل بكثير من إمكانيات الفرد، فحين تكون المهمة صعبة يشعر الفرد بالقلق والتوتر، وحين تكون سهلة جدًا يؤدي ذلك إلى الملل.

انظر معي إلى هذة المعادلات:

تحدٍ عالٍ + مهارة متوسطة إلى عالية  = حالة التدفق.

تحد منخفض + مهارة متوسطة إلى عالية  = ملل.

تحدٍ عالٍ + مهارة منخفضة  = قلق وتوتر.

هل لحالة التدفق هذه فائدة؟

بالطبع، تنبع أهمية التدفق ليس فقط من أجل المشاعر الجيدة التي يشعر بها الفرد حين الانتهاء من المهمة ولكن لأنها تؤدي إلى النمو الشخصي. فالشعور بالتدفق يشجعك على أن تواجه المهمات الصعبة وبالتالي تعمل على الارتقاء بمهاراتك، كذلك يرتبط التدفق بالإنجاز والتفوق الأكاديمي، والصحة الجيدة، ويعمل على تحسين التقدير الذاتي self- esteem.

ولكن هل كل التدفق جيد؟

هذا خطأ شائع، فالتدفق في ذاته ليس جيدًا أو سيئًا. فقد تختبر التدفق في الأشياء والعادات السيئة مثل المقامرة، وهوس التسوق، والقيادة المتهورة للسيارة، كما أن الأنشطة التي تؤدي إلى التدفق قد تكون إدمانية فمعظم ألعاب الفيديو جيم وألعاب الهاتف المحمول صممت لاستثارة حالة التدفق في الفرد عن طريق إضافة صعوبة متدرجة ونقاط وجوائز (مكافأة فورية) كلما تقدمت في اللعبة بحيث تشعر بالاستغراق التام في اللعبة (ربما هذا يفسر لك قضاء البعض لساعات في مثل هذه الألعاب) فهي تشعرك بالإنجاز المستمر. لذا عليك أن تختار مهامك بعناية.

كيف يمكنني جلب التدفق إلى حياتي؟

هناك خيارات عديدة يمكن أن تتخذها لجلب حالة التدفق هذه إلى مهامك وأنشطتك المختلفة، نستعرضها سويًا:

-ضع أهدافك بطريقة SMART.

-محددة specific: فبدلًا من أن تضع هدفًا عامًا فليكن هدف محدد مثل «الانتهاء من كتابة تقرير الأداء اليوم».

-يمكن قياسه measurable: أي يمكن معرفة ما إذا كنت حققته أم لا مثلًا إذا أنهيت كتابة التقرير في الوقت المحدد تكون قد حققت المطلوب.

-يمكن تحقيقه achievable: فلا تضع أهدافًا صعبة جدًا حتى لا تصاب بالإحباط ولا سهلة لكي لا تشعر بالملل.

-واقعي realistic: بحيث يمكن تحقيقه عن طريق قدر محدد من الجهود فلا يمكن مثلًا أن يكون هدفك إنهاء هدف شهري في يوم واحد.

-محدد بوقت time-bounded: وميزة الأهداف المحددة بوقت أنها تمنع التسويف وتشجع على الإنجاز.

 

-حين تشعر بالملل من أداء مهمة ما فعلى الأرجح مهاراتك أعلى من تلك المهمة. فإذا أردت أن تختبر التدفق فعليك أن تضفي بعض الصعوبة على تلك المهمة مثل وضع توقيت معين لتنتهي من تلك المهمة بحيث يمثل تحديًا أو تضيف بعض المعايير العالية لأدائك بحيث ترفع من مستوى التركيز المطلوب.

-حين تشعر بالقلق والتوتر من مهمة ما فربما هي أعلى من مهاراتك الحالية. حينها يمكنك تقسيم المهمة إلى مهام صغيرة بحيث تركز على كل مهمة على حدة، أو تخفض من مستوى صعوبة المهمة أو تعمل على رفع مهاراتك في الجزء الذي تشعر بالتوتر من أدائه.

-انتقل من مهمة إلى أخرى بحيث تختبر التدفق أكثر ولا تشعر بالملل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد