في الوقت الذي كانت فيه الدول غارقة في أحضان الاشتراكية والشيوعية وما تنطوي عليه من مساواة بين جميع الأفراد في جميع المجتمعات آنذاك، كان الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون يشير في كتاباته – والتي لم تكن بوقتها منظر اهتمام – إلى أن البشرية تسير إلى التفاوت بين الشعوب والأفراد في ظل التقدم نحو الحضارة، وبالفعل أثبت القرن التاسع عشر هذه الفكرة بعد إحلال النظام الرأسمالي وتفوقه وبروزه، واجتماع كل المجتمعات وانصياعها له، بغض النظر عن العيوب الكثيرة التي تشوب النظام الرأسمالي. يركز جوستاف لوبون على عدة نقاط رئيسية تشكل محور كتابه السنن النفسية لتطور الأمم، وهنا أود أن أشير إلى نقطتين منها. أولًا يلخص الكتاب فكرة أن الأمم مسيَرة بأخلاق عرقها، والعرق هو حجر الزاوية الذي يقوم عليه توازن الأمم، وهذه العروق النفسية متباينة من عرق لآخر، وأن هذا التباين سيظل مصدر صراع بين الأمم ناقصة التمدن، وأيضًا لا تكفي البيئات والفتوحات لتغيير روح الشعوب وتكوينها النفسي العرقي. أيضًا يشير لوبون إلى أن قوة الأمم بأخلاقها لا بذكائها، والخلق هو ركام خفي موروث يشكل للأمة روحًا قومية ومنها تتشكل المشاعر والتقاليد والمعتقدات للأجيال. أيضًا لكل حضارة مبادئ أساسية تنشق منها النظم والأدب والفنون. إذًا المبادئ والأخلاق هي ما تشكل المزاج النفسي للأمم، والتي يمكن أن تحصل عليها الأمم من خلال التأثر بالآباء القريبين والأجداد والبيئات، والأخيرة لها تأثير بسيط ومحصور في الصفات الثانوية للمزاج النفسي للعرق. بالتالي إن تحويل نظم ومعتقدات أمة يتطلب تحويل وتغيير مزاجها النفسي، والذي هو قائم أساسًا على أخلاقها ومبادئها.

نحن المسلمين مصدر أخلاقنا هو روح الدين، وهذه الأخلاق شكلت الروح القومية على مدى عدة قرون لمسنا فيها النجاح وقمة الحضارة بفعل روح الإسلام بوصفه مصدرًا أساسيًّا ومتينًا للأخلاق والمبادئ، حيث تشبعت هذه الأخلاق والمبادئ في اللاشعور لدى تلك الأجيال، وأصبح من الصعب جدًّا تغييرها، وبالتالي شكلت مشاعر الأمم ومعتقداتها وحققت أوج النجاح في مختلف المجالات، ونالت الصدارة في التحضر وتبعية الأمم لها، ولكن مع تقدم الأمم بدأ فهم الدين يضمحل؛ مما أدى إلى أن هذا الركام الخفي الذي أشار اليه لوبون بدأ يشكل أخلاقًا ومبادئ هشة وغير متشبعة في العقل الباطن المسلم؛ وبالتالي أصبحت سهلة الزوال والتغيير على مر العصور، وأصبحت البدائل كثيرة وجذابة ويسهل التبعية لها؛ لأن الموروث أصبح ضعيفًا مما دفع الأمة الإسلامية إلى البدء بالتشبع بما هو جديد، ومع مرور الأجيال زالت الأخلاق ببطء شديد، وأصبحت روح الأمة خاوية وتحتاج للبديل، حتى وصلنا إلى عصرنا الحاضر الذي انعدمت فيه الأخلاق، وامتلأت روح الأمة بمقتضيات الحضارة الغربية لأسباب نفسية واجتماعية وسياسة لا مجال لتفصيلها.

أود أن أشيرأيضًا إلى أن خلق الأمة لا ذكاءها هو من يعين تطور هذه الأمة وينظم مصيرها وعرقها النفسي، والذي يشتق منه تصورها للعلم والحياة، وهنا نستطيع بكل سهولة أن نفسر سبب تخلف الدول أو الأمم التي تعيش في الدول النامية علميًّا، وعدم قدرتها على مجاراة الغرب في العلم والبحث والنظرة للحياة، فالهوة في المزاج النفسي بين تلك الأمم يفسر لنا سبب أن التعلم وحده غير كافٍ لسد تلك الهوة، وهو مجرد طلاء سطحي غير مؤثر في المزاج النفسي الذي هو أساسًا مصدر حضارة الأمة في رأي لوبون، فالتعليم يعجز عن تغيير المزاج النفسي؛ لأن المزاج النفسي موروث عرقي قائم على الأخلاق على مر العصور. هذا التفسير النفسي قد يكون صحيحًا في عصرنا الحاضر، فآلاف من طلابنا يلجؤون إلى الغرب لإكمال دراساتهم العلمية فيها، معتقدين أن الحصول على شهادة علمية من دولة متقدمة حضاريًّا وعلميًّا سيشكل لديهم الموروث المعرفي نفسه الذي لدى الغرب، غافلين عن أنه مهما بذل الغرب من وسائل تأثير لتغيير حال الأمم المتأخرة علميًّا فهي غير كافية دون تغيير المزاج النفسي العرقي القائم على قوة الأخلاق والمبادئ المنطوية في اللاشعور، بدليل أن آلافًا من خريجي جامعات أوروبا وأمريكا وغيرها من الدول المتقدمة، لم يستطيعوا إحداث تغيير في مجتمعاتهم أو حتى رفع هوة التفاوت بين الدول غير المتقدمة علميًّا والدول التي يطلق عليها أنها متقدمة علميًّا. لذلك علينا أن نركز على موروثنا العرقي وخصوصًا من العصور الأولى والانشغال بالعمل على روح الأمة من خلال العودة إلى أساس متين للأخلاق والمبادئ، على الأقل لتكون البداية من هنا، وبالتالي ستبدأ الأجيال القادمة بالتشبع بهذه العناصر، وربما بعد قرون نصدر العلم للعالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد