الكوميديا السوداء هي التي تتسم بالضحك المؤدي إلى البكاء، وليس إلى الفرح أو السرور الحقيقي، هي حالة من «الجوكرية» – نسبة إلى فيلم الجوكر الصادر في 2019 – حين تبتسم ابتسامات متسارعة ومتلاحقة ومتكررة بشكل أو بآخر، تخفي خلفها هزيمة نفسية مروعة وارتدادًا مؤلمًا على الذات، حيث الفراغ الوجودي والهروب من الواقع ومرارته.

الإنسان المقهور هو ذاك الإنسان الذي لا يستطيع أن يغير واقعه أو يتكيف معه بصورة صحيحة وبناءة، فهو يحاول الخلاص ولا يستطيع، ولذلك فهو يعيش تارة محاولًا النسيان، وتارة أخرى متسلحًا بالهروب من مواجهة الواقع الحقيقي؛ لذلك يكتسب صفات نفسية وفكرية شعورية، تشكل ملامح شخصيته بداية من الانعزال، مرورًا بالتلميح غير المباشر لكل ما لا يعجبه أو يستحسنه (وأحد صور ذلك هو التعليق الكوميدي على المشاكل الكبرى)، وصولًا إلى التنمر على كل شيء يستشعر ضعفه، ويتأكد أنه لن يعاقبه أحد على فعله.

تعرضت الشخصية المصرية إلى عوامل ضغط كبيرة على فترات زمنية طويلة، وشكلت هذه العوامل عقلها الجمعي، وتتنوع ما بين عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية وغيرها.

ومن هذه العوامل:

– سياسة التجويع والإفقار، والاستماتة في طلب العيش.

– محو كل ما هو هادف أو بناء، من أجل خلق شخصية سطحية غير قادرة على التعامل أو التغيير.

– اعتماد استراتيجية الجهل، الفعالة في تغييب الوعي من أجل النجاح في السيطرة والتحكم.

– نشر الرذيلة وتضخيم صورتها في المجتمع، لمحاولة تغيير أخلاق وعادات المجتمع (صناعة الانحدار).

– غياب الشعور بالعدل والإنصاف والتمادي في البطش والظلم، وهي مسألة مهمة لخلق نفسية مهزومة تعلم جيدًا أن ليس لها أي قيمة.

كل هذه العوامل وغيرها ساعدت في خلق إنسان مقهور (كما جرى تعريف الإنسان المقهور في بداية المقال)، وهذا العرض السابق هو مقدمة هامة لتحليل الأسباب وراء الظاهرة المعني بها حديثنا، وهي ظاهرة الشعب «ابن النكتة».

نستنتج مما سبق أن شعور الإنسان بالعجز، مع كبت هذه المشاعر السلبية بصورة شبه دائمة خوفًا من العقاب، يولد نفسية مهزومة تميل إلى الهروب واللامبالاة تجاه مصيرها الجمعي.

والنكتة هي صورة من صور التكيف السلبي التي يستخدمها الإنسان المصري وسيلةً لتفريغ ما يشعر به من ألم نفسي ومعاناة، محاولًا استعادة توازنه النفسي (بالحيل النفسية) للسير قدمًا في حياته اليومية دون انهيار.

إذن فالنكتة، التي قد تأتي على هيئة «الكوميكس» و«القلش» وما على شاكلتها، تعد الملاذ الآمن للتفريغ النفسي للمواطن المصري، فمن ناحية تضمن له التعبير عن رفضه للواقع، ومن ناحية أخرى عدم العقاب والمحاسبة.

وهنا يجب ذكر بعض النقاط الهامة والضرورية لعلاج هذه الظاهرة ولو بشكل نسبي بصورة فردية:

– البداية من عندك، فاذا أردت أن تغير واقعًا سلبيًا فلا تشارك فيه.

– متابعة أهل التخصص والعلم، لدراسة أبعاد مشكلات المجتمع، وفهم وتحديد طبيعة هذه المشكلات وحجمها.

– فهم دورك الفردي في المجتمع في محاربة التفاهة والسطحية، بنشر القدوات والمراجع التي تساعد على الارتقاء بالآخرين.

– التركيز على دائرة تأثيرك من المعارف والأصدقاء سواء في الواقع المادي أو الافتراضي، ونشر الأفكار التي تساهم في الارتقاء بهم وتثقيفهم.

– الوعي لكل ما تقرأ أو تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، والتفريق بين المحتوى الذي يتناول قضايا المجتمع بصورة علمية والذي يتناولها بصورة سطحية تجعل الجهل بها مركبًّا، وحلها بعيد المنال.

– تذكر قانون الأثر (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

ونختم هذه المقالة بمقولة الكاتب الجزائري الطاهر وطار: «أفترض كل يوم أني غير موجود، وأتأمل جثتي المحنطة، وأنتظر زمن عودة الوعي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد