هناك بعض الكتب التي لا تكفي قراءتها مرةً واحدة، كتاب الأمير لنيكولو ميكافيللي من هذه النوعية، لؤلؤة من لآلئ الدنيا كلما قلَّبتها بين أصابعك؛ تكتشف لها جوانب جديدةً تظنُّ أنك لم تكن قد رأيتها من قبل.

في فقه السياسة؛ سياسة البشر والحجر، يُعد هذا الكتاب عَلمًا سامقًا، نارُه أشهر من أن نقدم عليها، إلا إنْ أردنا أن نقول أن الكنيسة الكاثوليكية حرمت قراءته في القرون الوسطى، وأنَّ نيكولو -المناصر للجمهورية- كتبه في مهربه من عائلة ميديشي -غير الجمهوريين- ليتقرب به إلى أمير ميديشي -يُدعى لورينزو دي بييرو – بعد أنَّ نكَّل به الميديشيون وأودعوه السجن وحكموا عليه بالإعدام قبل أن يهرب.

 علم النفس أساس قيام الممالك

في أحد فصولِه يتحدث نيكولو ميكافيللي عن: كيف يجب أن يتعامل الأمير مع المتملقين (المطبلاتية)؟

فبعد أن ذكرَ شيئًا من أخبارِهم وكيفية التعامل معهم: بتنحيتِهم وتقريب ثقات الرجال لحِجرِه، وحصر وقت سماعِه عليهم، استوقفني نهيه للأمير من أن يقول: «أنا أحبُّ سماع الحقيقة ؛فأخبرونيها!» لأنه -يقول ميكافيللي- إذا سمح لهم بقول الحقيقة؛ فقد احترامه لديهم!

هذه الجملة بهذه الدقة تبرز عبقرية نيكولو وكيف أنه كشف بذلك عن ركن «الحكم» الركين، وأساس «الحكومات» على مر التاريخ قديمًا وحديثًا، فقد توصل بهذه الملاحظة النفسية إلي مبدأ أساسي في فلسفة الحكم، وأسباب السيادة. نعم قد تبدو تلك التفاصيل ضئيلة بالمقارنة بغيرها ولكن كما يقولون: «في التفاصيل يكمن الشيطان».

فالتاريخ يشهد أنَّ قيام الممالك إنما يكون على قيمٍ مجرَّدة، وأنَّ هذه الممالك رسخَت؛ لما رسخت هذه القيم.

من يأتي أولًا: الاحترام أم الشرعية؟

ومن أهم هذه القيم قيمةُ الاحترام التي تترادف أحيانًا وقيمة الخوف -واقعيًا-، وبكلمات أخرى، من أين يستمد الحاكم سلطانه حقيقةً؟

بمعنى: لو قال قائل: «إنَّ الحاكم يستمد شرعيته من الدستور» فهذه مصادرة على المطلوب لأن الدستور لم يتم إثباته ابتداءً أو لِحاقًا، والدستور (الميثاق الاتفاقي) قد يأتي في مرحلة متقدمة أو متأخرة على الحاكم بلا ضرورة، وهو يحتاج إثباته منفردًا.

لذلك فسيجدرُ بنا السؤال عن شرعية الدستور كما سألنا عن شرعية الحاكم، وكذا شرعية الحكومة، وشرعية البرلمان، وشرعية القانون، وحتى مسألة شرعية قيام الـ«دولة» نفسها، فلماذا لا نكون قبائل؟

لا تسئ فهمي فتظن أني أدعو للقبلية. وإنما المنطق الذي أدور عليه هو أنَّ قيمة الاحترام (الخوف)، هذا الشعور هو الذي جعل لكل ذلك معنى. وبدون هذا الشعور النفسي لا يكون هناك «اجتماع رأي»

الاحترام بالوراثة

ومن الطريف أنَّ نقول أن الشعوب كما أنها ترث أمجاد أجدادهم، فإنهم يرثون -في الغالب- بعض مشاعرهم، بل تزداد بعض هذه المشاعر لدرجة مريبة حتى يتحول الاحترام إلى عبادة (قصة «ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا» مثلًا).

فحتى المشاعر قد تكون بالإرداة أو بالوراثة!

ما شرعية محاكمة سقراط؟ هذا فيلسوف يحاكمه عامة الشعب الجاهل؟ الاحترام. حيث اتفق هؤلاء القوم على شيء واحترموه.

وأخيرًا

وهذا يفتح الباب أمام قضية أكبر ألا وهي: ما شرعية الاحترام؟! وهل ما احترمه الناس في مكان أو زمن، يجب احترامه في سواه؟!

بل الأخطر من ذلك، ما مشروعية الخروج عن الاحترام المُحتَرَم؟ رجعية أم حداثة؟ إرهاب أم كباب؟ هدم أم بناء؟

مسائل عنقودية، تبدأ بسؤال؛ وتنتهي بسؤال، والإجابات بين الناس في تداول جدلي، وكونه جدليًا يعني؛ عدم الاتفاق على إجابة؛ ليتم احترامها، ومع ذلك يظن الناس، كل الناس أنهم يملكون إجابات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات