من طبيعة البشر أنهم يفضلون دائمًا أن يكونوا مع الطرف المنتصر، فإذا أيقنوا أنه لا أمل لهم في النصر؛ فإن عزيمتهم تخور، وحماستهم تفتر، ولا يقدرون على مواصلة القتال، أما إذا أيقنوا أنهم الطرف الأقوى، وأن لديهم فرصة كبيرة في النصر؛ فإنهم يقاتلون ببسالة لا حد لها.

لهذا يسعى كل القادة لإقناع أتباعهم بأنهم هم الطرف الأقوى، فهذه ضرورة من ضروريات النصر. وقد سعت إيران في السنوات الماضية إلى استغلال تجمعات الشيعة في عدة بلدان عربية ليكونوا ظهيرًا قويًّا لها، ومع إقرارنا بأن العقيدة لعبت الدور الرئيسي في تكوين تلك الألوية المتقدمة لإيران داخل العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، فإن يقين هؤلاء بقوة إيران وقدرتها على إلحاق الهزيمة بأعدائها، كان أحد أهم الأسباب التي دفعتهم لاتباعها ودعمها في كل صراعاتها.

وفي الأسابيع الأخيرة نجحت إيران في تعزيز تلك المكانة في نفوس كل أتباعها، بعد تراجع أمريكا عن مواجهتها، وصمودها في مواجهة بريطانيا، حتى أجبرتها على التراجع، وإطلاق سراح سفينتها المحتجزة في جبل طارق، بالإضافة طبعًا إلى انسحاب الإمارات من اليمن، ودخولها في مفاوضات مع إيران، وتمكن الحوثيين من تهديد السعودية تهديدًا خطيرًا لم يحدث من قبل.

كل ذلك عزز من قوة إيران، وكان كفيلًا بأن يجعل الشيعة ينظرون إليها على أنها القوة التي لا تقهر، وبالتالي يتبعونها في كل تحركاتها، ويقاتلون من أجلها في كل معاركها، وهم واثقون من النصر. لقد تحولت إيران إلى قوة عظمى إقليمية، بدا وكأن لا أحد يستطيع أن يتحداها أو يقف في مواجتها.

وفي أثناء هذا، شنت إسرائيل عدة غارات، استهدفت بعض المخازن التابعة لميليشيا الحشد الشعبي في العراق، وهي عملية ليس لها مردود عسكري يستحق هذا العناء، فتدمير بعض مخازن السلاح لن يؤثر في قدرات ميليشيات الحشد الشعبي، إذ إن تلك المخازن ليس فيها أسلحة متطورة، قد يمثل قصفها خسارة لتلك الميليشيا؛ فهم يعتمدون في حربهم على الأسلحة الخفيفة التي يسهل تعويضها، وبالتالي فإن تلك الضربة ليست لها قيمة كبيرة من الناحية العسكرية، ولكنها تبقى ذات قيمة كبيرة في إطار الحرب النفسية، فهي بمثابة تحد لإيران يضعها في موقف ضعيف أمام أعوانها، فعندما تقصفهم إسرائيل ولا تستطيع إيران أن تمنع تلك الضربات أو أن ترد عليها؛ فإنها تظهر بمظهر العاجز، وليس القوة العظمى كما سوقت إيران لنفسها في أوساط أتباعها، وهو ما يجعلهم يفقدون الثقة فيها وفي قدرتها على تحقيق النصر، مما يجعل حماستهم في القتال من أجلها تقل، بعد أن يدركوا أنها أضعف من أن تنتصر في صراعها مع إسرائيل. كان لا بد لإيران أن ترد على ذلك التحدي الإسرائيلي، ولكن بدون أن تبدأ حربًا مباشرة مع إسرائيل.

ليس بين إيران وإسرائيل خطوط تماس إلا من خلال سوريا أو لبنان، فكلتا الدولتين تشهدا نفوذًا إيرانيًّا كبيرًا، ولكن سوريا الواقعة تحت الاحتلال الروسي الفعلي، لا تستطيع إيران أن تتحرك من خلالها بسبب التفاهمات الإسرائيلية الروسية، وبذلك لا يكون أمام إيران إلا لبنان.

وفي لبنان يواجه حزب الله موقفًا صعبًا على الصعيد السياسي؛ فهو متهم بأنه يد إيران الباطشة، وأنه تابع لها، يخدم مصالحها على حساب مصالح لبنان، وهو أمر يضع حزب الله في موقف حرج، خاصة في دولة تتشكل فيها الحكومة من خلال الانتخابات، وبغض النظر عن التقسيم الطائفي في الانتخابات، فإن رأي الناس هناك له أهميته، وهو الأمر الذي يجعل حزب الله لا يستطيع أن يندفع في مواجهة مع إسرائيل ستلحق الضرر حتمًا بلبنان، لمجرد الرد على تحدي إسرائيل لإيران، بل يجب أن يبدو الأمر وكأنه يدافع عن لبنان، حتى وإن كان فعليًّا يحارب من أجل إيران.

حتى الآن كانت الأمور تسير بشكل لا يمنح حزب الله أي ذريعة لبدء مواجهة مع إسرائيل، فهي لم تفعل شيئًا ضد لبنان يبرر أي رد من حزب الله عليها، كل الضربات كانت ضد إيران في سوريا والعراق. ولكن العملية التي نفذت في الضاحية الجنوبية أعطت لحزب الله المبرر للرد على إسرائيل، هدفه المعلن حفظ كرامة لبنان في مواجهة إسرائيل، لكن هدفه الحقيقي هو توجيه رسالة من إيران إلى إسرائيل، بأن إيران قوة إقليمية لا يمكن أن يُضرب حلفاؤها في المنطقة وتصمت.

لم تكن عملية إسرائيل في الضاحية بالعملية الضخمة، ولكن حزب الله أحسن استغلالها لتكون مبررًا لأي عملية ضد إسرائيل قد ترى إيران ضرورة تنفيذها.

لقد أصبحت الكرة الآن في ملعب إيران، وهي التي ستحدد قواعد اللعبة، وقد اختارت إيران ردًّا محدودًا لا يشعل حربًا في المنطقة، فمن الواضح أن إيران تريد أن تحافظ على حزب الله ليكون مصدرًا للتهديد، ففي عالم السياسة التهديد باستخدام القوة له تأثير أكبر من استخدامها، فعندما تمتلك قوة وتسوق لها جيدًا حتى تصبح مثيرة للخوف في قلوب أعدائك، فإنه من الأفضل ألا تستخدمها وأن تكتفي بالتهديد بها، فهذا كفيل بأن يمنحك العديد من الانتصارات السياسية لمجرد خشية أعدائك من استخدام قوتك ضدهم، أما إذا استخدمتها، سواء انتصرت أو انهزمت، فإن تلك الخشية ستسقط، ولا يصبح لقوتك الأثر نفسه الذي كان لها من قبل، ففي حالة الهزيمة ستخسر كل شيء، وحتى في حالة النصر ستُدرس مصادر تلك القوة ويوضع رادع لها أو للتقليل من آثارها.

وبالتالي ففي كل الأحوال التهديد باستخدام القوة في عالم السياسة يكون مربحًا أكثر من استخدامها بالفعل، وهذا ما فعلته إيران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد