لطالما كنا دومًا بين فكي الرحى. كان الشتات والخوف دومًا قريبين منا ومن أرواحنا. مرضى هم البشر لطالما كانوا ضحايا لتلك الحروب النفسية التي لا ينطفئ لهيبها بداخلهم. لطالما اشتريت يا صديقي كتابًا ولم تقرأه. قررت بدء مشروع ثم تراجعت. جهزت أوراق السفر بكل نشاط وحماسة وبنفس ذلك النشاط والحماسة نفسها قررت عدم السفر. كم مرة فكرت يا صديقي في الزواج والارتباط ثم خذلتك نفسك وخافت روحك وتراجعت. آسف يا صديقي كذبت عليك لم يكن البشر مرضى أبدًا. لعلك تتعجب منى. إذًا ماذا تريد أن تقول؟ّ!

الحقيقة والواقع يا صديقي أن تلك الحرب النفسية التي تدور بداخلك، وأن ذلك الشتات المشتعلة جذوته بقرارة نفسك هو أمر طبيعي وفطري أنت لست مريضًا، ولكن ينقصك فقط أن تفهم ماهيتك! أن تفهم من أنت! عندما تذهب إلى شركة بحثًا عن وظيفة يكون دومًا مصاحبًا لك ملف السيرة الذاتية CV. يحتوي على اسمك ومؤهلاتك وخبراتك وتجاربك العملية والعلمية في الحياة ومرفق مع كل هذا شهادات علمية تثبت أن صاحبها كفء في مجال معين. هل فكرت يومًا يا صديقي في السيرة الذاتية لماهيتك! السيرة الذاتية لنفسيتك وتفكيرك! سمعتك يا قارئي العزيز تهمس بأنه من الواضح أن الأمر معقد أكثر مما يبدو عليه. كلمة السر يا صديقي في هذه المعضلة المعقدة هو المفهوم الذاتي لكل منا.

المفهوم الذاتي هو ملف السيرة الذاتية الذي يحتوي على كل مفاهيمنا وقيمنا في هذه الحياة. وجهات نظرك للأشياء. وآرائك، وطريقة تفكيرك، ودوافعك لفعل أي شيء. ما الذي يشعرك بالحزن والأسى؟! ما الذي يشعرك بالسعادة والنشوة؟! كل هذه التفاصيل بدقائقها التي قد تكون مخيفة أحيانًا تدخل تحت ما يسمى المفهوم الذاتي. هذا المفهوم الذاتي يحتوي على منطقة هامة جدًا تسمى منطقة الأمان وهي جزء من الجزء المنتظم في شخصية كل منا. هذه المنطقة الحساسة جدًا هي العائق والمانع لكل تغير ممكن حدوثه في هيكلية حياتك بشكل عام وفي دقائق تفاصيل ما تعيشه بشكل خاص.

هذه المنطقة هي مصدر الشتات والخوف من كل ما هو جديد من كل ما هو غريب. لذلك تجد من يأخذ قرار ترك التدخين ثم يعود. مرضى السمنة لطالما كان قرار الانتظام على نظام غذائي مؤرقًا لهم على الرغم من قوة الحافز نحو التغيير. البنت التي ترفض فكرة الزواج رغم حبها وتعلقها برجلٍ ما ورغم قوة الحب إلا أنه يظل قرار الزواج هو الأصعب. وإن شئت فقل يظل التغيير في نفسه هو الأصعب والمتحكم في كل الحالات السابقة هو منطقة الأمان التي تنكر دومًا رائحة التغير في حياتنا تبعث لنا بإشارات الخطر والخوف والرهبة عند اتخاذ قرارات من شأنها تغيير وضع مستقر في حياتنا. صديقي القارئ أسمع لسانك يهمس طلبًا للحل!

دعني أخبرك يا صديقي أن الحل يتمثل في كلمة وحيدة هي الإدراك. أن تدرك موضع قدمك. أن تدرك ما تريده حقًا من أعماق نفسك. لعلك تتفاجأ أن 70% من مشاكل البشر على وجه البسيطة أنهم لا يدركون موضع أقدمهم ولا يدركون ما يريدونه حقًا. الناس تعيش اليوم أسوأ أنواع الحياة اللاواعية بلا استراتيجيات وبلا خطط ولا حتى أدنى مراتب الإدراك، لذلك اجعل الحكيم الداخلي هو الرقيب والمتحكم والمسيطر دائمًا على أفعالك لا تستسلم أبدًا اجعل حافز الإصرار والشجاعة أقوى من صوت الشتات والخوف. اعمل على إخضاع كامل لروحك ونفسك لما يقرره عقلك. لا تستمع للنداء المقاوم للتغير. ابني مفهوم الإدراك بداخلك وتحمل آلام البناء والتغير. لطالما كانت تلك النقطة هي بيت القصيد في نجاح من نجح وفشل من فشل ولا عزاء أبدًا لمن فهم جذور المشكلة وعلاجها ثم استسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد