عند سماعنا لهذا المصطلح، نشعر ببعض الغرابة، هل هناك حرب تحمل هذا الاسم؟ فنحن لا نؤمن إلا بالحرب المؤثرة، التي تسفر عن ضحايا، وتفكك جغرافي لبعض الأراضي، ولكن ما هي الحرب النفسية؟

الحرب النفسية واحدة من أخطر الحروب، بل أخطرها على الإطلاق، وعلى الرغم من ذلك لا توجد مادة واحدة في القانون الدولي، أو أي قانون محلي تنص بتجريمها، ولا توجد هيئة إنسانية حقوقية تُدينها، والأغرب من كل ذلك، أن ضحاياها أنفسهم لا يعترفون بأنهم ضحايا حرب.

هي حرب ممنهجة، تستهدف العدو ببعض الحيل، والتي تؤثر نفسيًّا عليه، وتعمل على نقاط الضعف التي تؤثر في الفرد تأثيرًا كاملًا.

تاريخ الحرب النفسية

مصطلح «الحرب النفسية» ليس مستحدثًا، ولكن معناه مستخدم منذ أقدم العصور. «جنكيز خان» القائد المغولي، من أبرز الأمثلة في استخدام هذا النوع من الحروب، لم يكن «جنكيز خان» يتمتع بالقوة العسكرية التي تمكنه من السيطرة على المساحات الشاسعة، ولا الشعوب التي وقعت تحت قبضته، فسكان وسط آسيا الذين احتلّ «جنكيز خان» أراضيهم، كان لديهم الكثرة العددية، التي تفوق قوى «جنكيز خان» العسكرية التي كان من الممكن أن تردعه عن استباحة أراضيهم وتقتيلهم، ولكنه استخدم الحرب النفسية التي لعبت دورًا هامًا في تمكينه من فرض نفوذه؛ فبدلًا من ابتداء الحرب العسكرية على الفور، شرع في إرسال الرسل فكانوا مثل سرطان ينهش في جسد الدولة المرسلة إليها، ونجحوا في نشر الخوف والفزع من بطش «جنكيز خان» وجنوده. فقد قصوا قصص معاركه مع أعدائه، وهول ما فعله مع من عاداه، وعلى الجانب الآخر، رسخوا فكرة الاستسلام عند هذه الشعوب؛ عندما أخبروهم أنه لا يعاقب مَنْ يستسلم، ولكن يحرق مَنْ يتصدى له.

الحربان العالميتان من أبرز الحروب التي اعتمدت على الحرب النفسية، فعند قراءتك لكتاب تاريخ، ينص على كيفية خروج القوات الأوروبية للحرب، وعن كم السعادة التي كانت تغمرهم، وعن التأهب التام، والاقتناع الكامل بفكرة الحرب؛ ففي فرنسا تجمهر الشباب في الشوارع، ورمت النساء عليهم الزهور فرحًا وتشجيعًا لهم، وتواعد الأحباء وتعاهدوا على الانتظار، وفي ألمانيا غمرت سعادة عارمة الشعب، لاستقبال هذه الحرب التي طال انتظارها.

دعنا نفكر أي جندي هذا الذي يعرف أنه من المحتمل أن يلقى حتفه في هذه الحرب، ويذهب وهو سعيد للميدان؟!

أي زوجة؟ وأي حبيبة؟ وأي أم هذه التي ترسل بفلذة كبدها للحرب ليلقى مصيرًا حتميًّا؟!

إنها الحرب النفسية يا سادة، والتي سلاحها الأوحد الدعاية والإعلام؛ فتعمل هذه الدعاية على تسريب أفكار معينة للعامة، وتجعلهم يؤمنون بها، وغالبًا ما تكون هذه الأفكار لقادة سياسيين أمثال القادة «هتلر» و«لينين» الذين زرعوا أفكارهم في عقول شعوبهم؛ عن طريق وسائل الإعلام، ولم يرتضوا أن ينفذ الشعب الأوامر فقط، بل وأن يرتضوها ويقبلوها عن طيب خاطر، باعتبارها عقيدة من إله.

وحاليًا مع انتشار وسائل الإعلام، والتواصل الاجتماعي، ازداد تأثير هذه الحرب على العامة، أصبحنا نمارس نحن أنفسنا هذه الحرب على بعضنا البعض؛ فعند دخول موسم الامتحانات نرى الكثير من المنشورات التي تنشر طاقة سلبية على الطلاب الممتحنيّن، وتقص كم المعاناة التي تقع على عاتقهم، وأنهم سيفشلون في اجتياز هذه الاختبارات، وتكون الروح السلبية هي المسيطرة على هذه المرحلة، ويقع تحت هذا التأثير البعض، بل ويقتنع أنه سيفشل حتى إذا حاول؛ والنتيجة هي فشل البعض ليس لضعف مستواهم الدراسي؛ بل لأنهم آمنوا بفكرة الفشل في بادئ الأمر، ومع انتشار المواقع التي تخفي هوية من يرسل بعض الرسائل النصية، يزداد تأثير الحرب النفسية، فهناك من يرسل رسائل سلبية، والتي من شأنها تحطيم المرسل إليه، ولا نكترث لما نفعله، وفي بعض الأوقات نشعر بالمرح عند معرفة مثل هذه الأفعال، والتي من شأنها أن تجعل مجتمعنا منهارًا ومتفككًا، ولكنه يكون في الظاهر متماسكًا، فضحايا الحرب النفسية لا تظهر عليهم أي أعراض للجرائم التي تمارس عليهم، ونصبح جميعًا مرضى نفسيين، ولكن باختلاف المراحل.

إذا أردت أن تحطم شخصًا، حطمه نفسيًّا في بادئ الأمر، فإنك لن تبذل مجهودًا كبيرًا لفعل ذلك، ولكنك حتمًا ستنجح ويظل الضحية ميتًا حيًّا، حتى تُعلن وفاته. ولكن كن على اقتناع تام أنه سيأتي من يمارس هذه الحرب الرخيصة عليك، فإنها من أسهل ما يكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد