منذ مدة ليست بالقصيرة وأنا أنتوي التطرق لموضوع المعركة الإعلامية والحرب النفسية للمقاومة الفلسطينية في مواجهتها مع العدو الإسرائيلي، خصوصًا أنني دونت عددًا كبيرًا من الملاحظات في هذا الشأن، لكنني كنت أؤجل الموضوع في كل مرة بسبب ظروف المعركة، خصوصًا في الأيام الأخيرة من “اللا حرب” عندما كانت المناوشات المتقطعة تجعل المشهد ضبابيًّا بعض الشيء.

 

اليوم بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الجانبين، وصمود المقاومين وكل أبناء قطاع غزة في وجه آلة عسكرية مسعورة اختارت الانتقام من الأطفال والعزل بعدما عجزت عن مجابهة رجال المقاومة، يمكنني الحديث عن هذا الشأن بشكل موضوعي وشامل :

 

نقاط القوة :

– بدا واضحًا في هذه الحرب أن كتائب القسام وباقي الفصائل قد استعدت بالشكل الكافي للمواجهة على جميع الأصعدة، وعلى الصعيد الإعلامي، عرفت كيف توجه رسائلها إلى داخل العمق الإسرائيلي، سواء تعلق الأمر بالتهديدات باللغة العبرية بقصف مختلف مناطق الأراضي المحتلة، أو تدمير الدبابات المتوغلة في قطاع غزة، وكذلك جديد هذه الحرب والمتمثل في اختراق بث القنوات الثانية والعاشرة الصهيونيتين، وبث رسائل محذرة للمستوطنين، ويمكن أن نتخيل وقع ذلك على أناس يموت بعضهم فقط بسكتة قلبية بعد سماعه صوت صاروخ فلسطيني، وفعلاً كان المقاومون في الموعد والتزموا بوعودهم ونفذوا تهديداتهم.

 

– عندما تجد الجميع ينتظرون خطاب الأخ “أبو عبيدة” الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، الأقرب من الوضع على الأرض، أكثر من خطابات أو مؤتمرات صحفية يتم إجراؤها في “بلدان أخرى”، فهذا دليل على أن الثقة كبيرة بهذا المجاهد التي يتمتع بكاريزما عالية، رغم أننا لم نتشرف بعد بمعرفة وجهه، ومؤشر أيضًا على أن القول الفصل هو للمجاهدين على الأرض، قبل أن يأتي دور الساسة فيما بعد.

 

– ما أثار انتباهي في الحرب الأخيرة هو تغير ولو طفيف في موقف الرأي العام الغربي مما يجري في قطاع غزة، لا أتحدث طبعًا عن تغير كامل، لكن الرواية الإسرائيلية عن المظلومية لم تعد مسيطرة على المشهد هناك 100% (بالعكس أصبحنا نجد من يدافع عن الرواية الإسرائيلية بين بني جلدتنا لكن هذا موضوع آخر)، مما يعني أن اختراقًا مهمًا قد حصل لتعريف العالم بمجازر العدو بحق الأطفال ودحض أكاذيبه حول الدفاع عن النفس.

 

– كان للمقاطع والفيديوهات التي بثتها المقاومة لعملياتها النوعية ضد العدو أثرها الكبير في الحرب النفسية، سواء تعلق الأمر بمشاهد قصف المستوطنات، أو استهداف الدبابات والجرافات المتوغلة في قطاع غزة، لكن أفضل مقطع في نظري، والذي فاجأ العدو بشكل كبير هو مقطع العملية النوعية لكتائب القسام خلف خطوط العدو في موقع ناحال عوز، والذي أثبت أن كلام قادة الاحتلال عن تدميرهم للأنفاق بشكل كامل هو مجرد رفع للمعنويات المنهارة للمستوطنين في الداخل.

 

– أحدثت كلمة القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف هزة في كيان العدو، بعدما أكد فيها القائد المتخفي صمود المقاومة، ومواصلتها التصدي للعدوان، وعدم رضوخها لشروط العدو لوقف إطلاق النار وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة، كلمة من قلب مدينة غزة وتحت نيران القصف الإسرائيلي، وجاء الرد عليها سريعًا من هناك في طهران، على لسان قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني، الذي التقط الرسالة وأكد بأن نزع السلاح مجرد هرطقات وأوهام، وأن إيران مستمرة في دعم المقاومة بالمال والسلاح والتدريب، وتعدى ذلك إلى الإعلان عن البدء فعليًّا في تسليح الضفة الغربية (قد تجاهل البعض هذه النقطة لأنها لا توافق توجهاتهم، وكما أقول دائمًا، هذا موضوع آخر).

 

نقاط الضعف :

ولأننا شعوب عاطفية، تصدق كل ما تسمعه، خصوصًا إن كان يتماشى مع ما تريده، فقد شاهدنا وسمعنا في هذه الحرب تجاوزات أجبرتنا على الحديث عنها وعدم تجاهلها؛ لأنها تتعدى أحيانًا مجال الحرب النفسية لتتحول إلى ما يشبه التهريج والضحك على الذقون، أتحدث بطبيعة الحال عن عبارة “محلي الصنع” التي سمعناها مرارًا طيلة مدة الحرب، وجعلت البعض، خصوصًا ممن لا يملكون الخبرة أو الإلمام بالميدان العسكري، يصدقونها ويعملون بها رغم أنها غالبًا ما تدخل في إطار مزايدات سياسية مع أطراف معينة، ولا علاقة لها بالواقع تمامًا، وسأحاول هنا تلخيص وتوضيح بعض النقاط المهمة والتفاصيل التي شرحها الزميل والخبير العسكري محمد منصور؛ حتى نتلمس جميعًا معالم الصورة الحقيقية :

 

– أولاً: فيما يخص الترسانة الصاروخية:
إذا تحدثنا عن متوسطة المدى، فلا يمكننا الحديث بشكل واضح عن صاروخ “محلي الصنع”؛ فصاروخ (إم – 75) الذي قصفت به تل أبيب والقدس هو نفسه استنساخ الصاروخ الإيراني (فجر- 5)، أما (جي – 80) فلا يعدو كونه استنساخًا لنفس الصاروخ مع تقليل كمية المادة المتفجرة، مما يسمح بإطالة المسافة التي يقطعها الصاروخ لضرب أهدافه، أما فيما يخص طويلة المدى، فيقول الخبير أن الصاروخ المستعمل والذي ضرب حيفا في شمال الأراضي المحتلة وسمته كتائب القسام صاروخ (آر-160) فهي فقط إعادة تسمية للصاروخ السوري (إم – 302)، ويصل مداه لحوالي 150 كم، هذا دون الحديث طبعًا عن صواريخ غراد قصيرة المدى ما بين 10 و20 كم.

 

– ثانيًا: طائرة الاستطلاع أبابيل:
إنجاز كبير للمقاومة تسيير طائرات استطلاع في العمق الاستراتيجي للعدو، لكن الكلام عن تصنيعها بواسطة مهندسي القسام مضخم بعض الشيء، نحن هنا أمام نسخ من طائرة أبابيل الإيرانية الصنع، والتي سبق إسقاطها في العراق، وجرى استخدام نفس الطائرة أيضًا من قبل حزب الله اللبناني عندما نفذت بعض المهام الاستطلاعية في شمال الأراضي المحتلة.

 

– ثالثًا: التصدي للطائرات والمروحيات الإسرائيلية:
امتلاك فصائل المقاومة لصواريخ سام إستريلا وإيغلا الحرارية المحمولة على الكتف جعل سلاح الجو الإسرائيلي – حسب الخبير محمد منصور- يتبنى سياسة أكثر حذرًا في تحليقه فوق أجواء غزة، خوفًا من الإصابة بأحد هذه الصواريخ، وشخصيًّا أتمنى أن أسمع يومًا ما خبر تمكن المقاومين من إسقاط مقاتلة (إف-16) رأس الحربة في التفوق العسكري الإسرائيلي أكثر من خبر أسر جندي صهيوني.

 

وسمعنا عن تمكن كتائب القسام من إصابة مقاتلة من هذا النوع، لكن لم يتم إعطاء دليل واحد على ذلك، بل الأكثر من ذلك، تم نشر صورة لطائرة انفجرت إطاراتها أثناء الإقلاع في حرب 2006 في لبنان على أنها صورة للطائرة المستهدفة في غزة، وهذا للأسف ضحك على ذقوننا نحن، وليس حربًا نفسية على العدو.

 

– رابعًا: صواريخ الكورنيت المضادة للدروع:
سأعتبر أن الخبر الذي سمعته صباح أحد أيام الحرب عن استهداف دبابة صهيونية بصاروخ كورنيت موجه “محلي الصنع” مجرد خطأ عابر ولن أعلق أكثر من ذلك.

 

– خامسًا: بندقية القنص محلية الصنع “غول”:
يشير نفس الخبير المصري إلى أنها ليست سوى بندقية القنص الإيرانية الصنع من نوع “صياد”، والتي تتواجد بكثافة أيضًا في العراق وسوريا مع جنود الجيش السوري، ورغم قول كتائب القسام أنها ذات عيار 14.5 ملم ومدى 2 كم، إلا أنه لم يتم التحقق من مصداقية هذه المعلومات.

إذن، يتضح هنا أن الحرب النفسية شيء، والتهريج ونكران الجميل لأغراض سياسية شيء آخر، فكيف يجد القيادي في حماس أسامة حمدان الجرأة للقول على قناة الجزيرة أن كل الأسلحة والصواريخ الموجودة في قطاع غزة هي محلية الصنع باستثناء صواريخ غراد المهربة من مخازن ليبيا؟ هل تناسى حقيقة أن معامل الدفاع السورية قد فتحت أبوابها أمام المقاومة الفلسطينية، وجرى اختبار جاهزية هذه الصواريخ بمساعدة خبراء سوريين وإيرانيين في ريف دمشق والصحراء السورية؟ أم أن ما حدث في سوريا جعل حماس تنسى تمامًا من مدها بالسلاح والعتاد والتدريب، وتتجاهل فضله تمامًا، وتقف إلى جانب الطرف الآخر، قبل أن تتراجع متأخرة، وتعترف ضمنيًّا بخطأ رهانها؟

بطبيعة الحال نحن لا ننتقص من قدرات المقاومين وتضحياتهم العظيمة، لكن إدخال بعض المزايدات السياسية من هذا النوع في عمل المقاتلين البواسل يضر بصورتهم، يا أخي لا داعٍ للكلام، مثلما فعلت ذلك الفصائل الأخرى، اضرب بصاروخك فقط، ولن يهمنا أمره حتى لو كان مدغشقري الصنع، فإذا كانت الجماهير ستصدق هذا الكلام فلن يصدقه أبدًا خبراء الميدان العسكري.

 

 

يجب أن يفهم من يرفض الاعتراف ببعض الأمور أن نظرية اعتماد ترسانة المقاومة على قدرات ذاتية هي نظرية ساذجة لا معنى لها، فهؤلاء لا يقدّرون كمّ الجهد والوقت المبذولين لبناء خطّ إمداد، يمتدّ من الخليج، عبر مضيق باب المندب، إلى إريتريا، فالسّودان، فسيناء، وصولاً إلى مقاتلي غزّة. يكفي المقارنة بين مستوى التسليح الّذي كان متوافرًا للمقاومة عام 2005 وترسانتها اليوم.

نعم، الإرادة والشّجاعة هما الأساس، ولكنّهما لا تكفيان لخلق نظرةٌ واعية وواقعيّة إلى العالم الّذي نعيش فيه.

 

هذا الكلام قد يعجب البعض، أو لا يعجبه، ولكن الأكيد أن الدّبابات الإسرائيلية لن تدمّرها خُطب أردوغان الرنانة وكلامه العاطفي المعسول، واللبيب بالإشارة يفهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد