هناك أشياء لم نكن نصدقها في الماضي واليوم نصدقها، إذن حجة الإلحاد اليوم لا تتوقف عند المعقولية واللامعقولية، بالعكس ما كانوا ينكروه صار معقولاً جدًا وما هو معقول في العلم اليوم كنا نرفضه في البداية، إذن المشكلة ليست معقولية وعدم معقولية، المشكلة التكبر والغرور.

هكذا تطرق د/مصطفى محمود إلى العوامل النفسية عند الكافر أو الملحد، إذ إنه لا يكفي الرد على الحجة بالحجة دون فهم نفسية الملحد، فكيف تنفع الحجة من لديه إرادة الإلحاد أصلاً؟

لقد تطرق د/ عبد الوهاب المسيري أيضًا وحكي تجربته الشخصية في هذا المنوال قائلاً: وكنت قد بدأت ألاحظ أن السلوك الشخصي للرفاق (الملاحدة)كان متناقضًا مع أي نوع من أنواع المثاليات الدينية أو الإنسانية، وأن كمية النرجسية عند بعضهم كانت ضخمة للغاية والحريات الخُلقية التي كانوا يسمحون بها لأنفسهم كانت بالفعل كاملة، أي في واقع الأمر كانوا شخصيات نيتشوية داروينية لا علاقة لها بأية منظومة أخلاقية، خاصة أن ماركسية بعضهم كانت تنبع من حقد طبقي أعمى وليس من إيمان بضرورة إقامة العدل في الأرض بل كثيرًا ما كنت أشعر أن بعضهم كان ماركسيًا بحكم وضعه الطبقي وحسب، وأنه لو سنحت الفرصة أمامه للفرار من طبقته والانضمام للطبقات المستغلة الظالمة لفعل دون تردد ولطلق ماركسيته طلاقـًا بائنـًا لكل هذا قدمت استقالتي وطلبت أن أُعد من أصدقاء الحزب لا من أعضائه.

 

 

بعد خروجي من الحزب اعتُقلت إحدى طالباتي بتهمة الشيوعية وكانت متزوجة من أحد الرفاق وبدأ زوجها يغازل أعز صديقاتها (وكانت هي الأخرى إحدى طالباتي) فنهرته وطلبت منه أن ينتظر على الأقل لحين الإفراج عن زوجته رفيقته في النضال فلم يستمع إلى النصيحة، ولكن حين خرجت زوجته من السجن طلقها وتزوج من صديقتها بطريقة داروينية لا علاقة لها باحترام الإنسان.

التخلص من القيود ومن الفروض

 

لقد ذكر د/ مصطفي محمود أن إلحاده كان صحيًا، كان مجرد شك في القضاء والقدر والجبر والاختيار وغير ذلك، لم يكن ضمن الجماعات الشمولية الكسالى التي تريد التخلص من الأعباء والمسئوليات تجاه الدين.

يسجل د/ لانغ تحليلاً نفسيًا لما يمنحه الإلحاد للملحد، فيقول: “لقد كنتُ من جيل تربى على عدم الثقة، فهناك خوف دائم من أن أحدًا ما سوف يؤذيك، وخوف من شيء ما لم نكن نعلمه، إن فكرة أن الله خلق الدنيا على هذه الحالة، وفوق ذلك سوف يعاقبنا في النهاية جميعًا ما عدا نفرًا قليلاً منا، كانت أكثر رعبًا وسيطرة على عقولنا من فكرة ألا نؤمن بالله على الإطلاق.

وهكذا فقد أصبحتُ ملحدًا في سن الثامنة عشرة من عمري، في البدء شعرت بالحرية؛ لأن رؤيتي الجديدة حررتني من الفوبيا (الرهاب، الهلع)، لقد كنتُ حرًا لأعيش حياتي الخاصة بي وحدي، ولم يكن لدي ما يدعو للقلق من أجل إرضاء قوة فوق بشرية، وكنتُ فخورًا إلى حد ما بأنني كنتُ أمتلك الجرأة لتحمل مسئولية وجودي وأملك زمام نفسي، شعرت بالأمان فيما يختص بمشاعري وبمداركي، وكانت رغباتي طوع إرادتي بعيدة عن سيطرة الكائن الأسمى أو مشاركته أو أي شخص آخر، لقد كنتُ مركز عالمي الخاص بي وخالقه ومغذيه ومنظمه، وأنا الذي كنت أقرر لنفسي ما كان خيرًا أو شرًا أو صوابًا أو خطأ، لقد أصبحت إله نفسي ومنقذها” [الصراع من أجل الإيمان ص: 24-25 ] ثم أضاف لانغ: ولكنه عالم صغير جدًا؛ فعالمه قد حددته إدراكاته، وهذه الحدود تكون دومًا في تناقص مستمر.

ومما يثبت الدوافع النفسية للإلحاد الدوافع النفسية للارتداد عنه عندما ارتد سارتر عن أفكاره قائلاً: “أنا لا أشعر بأني نتاج للصدفة، ذرة تراب في الكون، ولكني أشعر بأني شخصٌ كان مُنتَظَرًا، ويتم تحضيره، وموضوع مسبقًا، باختصار، كائن فقط الخالق من يستطيع وضعه هنا، وهذه الفكرة عن اليد الصانعة تشير إلى الله”.

أنتوني فلو من أكابر الملحدين تردد عن إلحاده في كتاب هناك إله، الحجج نفسها التي كان يهدم بها الأديان عاد النظر فيها ليقول أنها نفسها تشير إلى وجود إله عظيم، ويتحدث بلغة شعورية ضميرية مع تنظيراته الفلسفية والعلمية.

ذعرت سيمون ديفوار زوجة سارتر من انقلابه، وعندما ننظر لسيمون ديفوار وحياتها نجد أنها كانت تنوي الرهبنة ولكن دخولها في مشاكل عائلية عنيفة شوهت صورة التدين لديها وأزمات مالية جعلتها تلحد!

ويحكي لانغ المعاناة التي جعلته يلحد بالله: نشأتُ في مدينة صاخبة عنيفة، في بيت لا يقل عنها صخبًا وعنفـًا، كان والدي على الدوام متوحشًا مدمرًا، يحاول أن يكبت غضبه كل ليلة بشرب مفرط للخمر، وإدمانه على الخمر، جعله أكثر تقلبًا وأسرع إثارة. وقد عبر لانغ عن قدومه للإلحاد عندما رأى والده يهين أمه الطيبة بأنه بات يتساءل بخوف ويكتب بغضب.

ويحكي إيلي فيزل عن تجربته الصعبة مع محرقة الهولكوست واقتياد الأبرياء للحرق والإعدام وكان يتسائل عن العدالة والحق وعن الله، وأوصلته معاناته النفسية الصعبة إلى فقدان تماسكه وإلحاده.

وهذه الأسئلة في خضم معاناة قاسية تطيح بتماسك الإنسان النفسي هي أسئلة ليست استفهامية، بل أسئلة احتجاجية واستنكارية ليصير الإلحاد والكفر نوعًا من الاحتجاج وعدم الفهم والقدرة على التفسير.

رواج الإلحاد بالغرب أصلاً كحركة احتجاجية ضد الكنيسة وسلطتها من ناحية وعلى الرب المسيحي العاجز العاري المصلوب وفكرة الاستسلام البشع للقبح والمرض والحياة أصلاً، وكان شعار الثورة الفرنسية وهتافها لا سيد لا رب.

وعندما هاجم نيتشه في كتابه المسيحية كانت نبرة الاحتجاج والنضال السياسي أعلى من الفكري وقد كان يمدح الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي بمنطقه عن الكنيسة وما فعلته بالبشرية.

شملت الثورة إزالة الأشياء الدينية وتدميرها من أماكن العبادة، وتحويل الكنائس إلى “معابد للعقل”، وبلغت ذروتها في احتفال العقل في كاتدرائية نوتردام. فتم استبدال العقل بالمسيحية والإله المصلوب، وتم استبدال الشعب بسلطة الكنيسة، ووضعوا نموذج العقل مكان الصليب وأذن للناس بنهب كنوز الكنائس، وتحول الإلحاد بسلطة الكنيسة وبالرب العاجز المسيح إلى ثورة تم تصديرها حيث المكسيك.

قد تميزت المكسيك في فترة حكم كاليس على أنها دولة ملحدة، إذ كانت واحدة من برامجه هو القضاء على الدين (الكنيسة) في المكسيك. تمت مصادرة ممتلكات أتباع الأديان، وأصبحت جزءًا من هذه الثروة الحكومية، وتم الطرد القسري لرجال الدين الأجانب والاستيلاء على ممتلكات الكنيسة.

وقد تجد ألا تخلو مناظرة مع ملحدين لا يتطرقون للحروب والشرور والأمراض والأذى والمعاناة والموت والاحتجاج على قانون الوجود نفسه، وأنا لا أرى هذا الكلام إلا مشكلة نفسية ومعنوية أكثر منها من عقلية.

يكرر د/ عدنان إبراهيم ما قاله مصطفى محمود عن الغرور والتكبر العقدة النفسية للملحد بأنه لا يريد أن يعترف بمن هو أكمل منه ومن هو أعلم منه، لا يريد التسليم بالكمال، بل يعتبر أن كل شىء عداه ناقص.

“إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ(59)”

ويكرر عدنان أيضًا كلام مصطفى محمود بأن الموضوع خارج تمامًا عن الإشكاليات الفلسفية والمعقولية وعدم اللامعقولية، إما هو كبر وغرور وعقد نفسية وعطش لإرضاء الذاتية. ولقد عبر توماس هكسلي عن هذه العقدة عندما تساءل إذا كان هناك أنبياء فلماذا نحن لم نكن أنبياء؟!

كأنه يكرر ما كان يقوله كفار قريش لماذا لم ينزل هذا الدين على رجل عظيم من إحدى القريتين مكة والطائف، وكما قالوا أيضًا إن بني هاشم يريدون التفوق بهذا الأمر عليهم وقد كانوا يتنافسون معهم واحدة بواحدة، ومع اعتراف حكماء كفار قريش بعظمة القرآن وبصدق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يسلموا ولم يؤمنوا ولم يكفوا عن محمد، حتى أحكمهم عتبة بن ربيعة عندما قال لهم كفوا عن محمد فلو ظهر على العرب فعزه عزكم وملكه ملككم، لم يقبلوا، لعلها هذه الكلمات أشعلت نار صدورهم وكبرياءهم أكثر.

“وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيرًا”، وقد عبر لانغ في حكايته لسبب إلحاده بأنه كان بسبب إشكاليات وجود الله في المسيحية، فكرة الإله الضعيف العاجز المصلوب مما أدى إلى ظهور اللاأدريين والربوبيين من أصحاب المنطقة الرمادية بين الإيمان والكفر.

فاللاأدريون هم أناس لا ينكرون وجود الله ولكنهم يقولون  بأن وجود الله أو الذات الإلهية بالنسبة لهم موضوع غامض كلية ولا يمكن تحديده في الحياة الطبيعية للإنسان. والربوبيون هم أناس ينكرون الأديان ولكن يؤمنون بالله، وطائفة منهم يؤمنون بالله ربًا، ولكن ليس كإله أي أنه موجود ولكن لا يتدخل في الحياة ومجرياتها؛ أي أنه ناقص.

ومن هؤلاء الذين رفضوا الديانة اليهودية والرب الإبراهيمي والإله المصلوب ووقفوا في منطقة لا أدرية أو ربوبية وهي منطقة رمادية لا هي إيمان ولا هي إلحاد وكفر كامل بوجود الله، وهذا يستدعينا للقول بأنه ارتباك نفسي ووجداني لا مادي وفلسفي؛ لأنه لم يثبت أحد حتى الآن بأي شكل بأن وجود الله سبحانه وتعالى  مستحيل، بل العلم يتجه ليثبت العكس.

دارون وراسل وجون ويلر وأينشتاين وبل جيتس وستيفن هوكنج وهيوم وفولتير وأنجلينا جولي
توماس أديسون مثالاً لهذا الارتباك النفسي وعدم الحسم في قضية هامة، وهي قضية الوجود والإله فمثلاً توماس أديسون يرفض الأناجيل قائلاً إنها مجرد صناعة بشرية، إنهم الحمقى هكذا علق توماس أديسون على مشهد يجمع الآلاف ممن يحجون طوافـًا إلى قبر كاهن غامض في ولاية ماساشوستس  على أمل العلاج من الأمراض بمعجزة، مما جعل توماس أديسون لا أدريًا في منطقة رمادية لم يحسمها، ولا أري أن هذا الارتباك بناء على موقف عقلي بل على موقف نفسي متريب مرتبك ضال تائه.

قد يكون الهروب من القلق الذي صار طبعًا أصيلاً في شخصية الغرب منذ الثورة الصناعية جعلهم يهربون من المسألة كلية بلا أدري وفقط، والهروب من القلق والمسئولية وتبني الحرية المطلقة من أحد دوافع الإلحاد النفسية وتعطشه لإثبات ذاته بعيدًا عن القيود يجعله يغامر، كما قال “لانغ” الملحد يعيش مخادعًا نفسه، يكذب عليها يقول: لا يهمني الناس ولكنه يهتم لأبعد حد بنظرتهم إليه، إن معضلة الملحد في استناده بإفراط على منهجية “الإنكار” التي يغرق فيها فتطبع كل سلوكيات حياته، فيمسي مُنكرًا مكذبًا معاندًا لكل ما لا يتفق مع رغباته وميوله، ويصبح هذا ديدنه يُنكر وينكر حتى يقع في أخطر فخ وهو أنه ينكر الحقائق ويزيفها بينه ونفسه، ولعل في هذا ما يوضح معنى أن يُنسي الخالق سبحانه الإنسان نفسه.

وآخر الدوافع النفسية وخاصة لدى الملحدين العرب التقليد والتبعية الحضارية والاستناد بحضارة استعمارية مادية لترويج سلعة فكرية إلحادية وتبنيها من خلال مقلدين معرضين لدوافع نفسية وأزمة ذات ومعنى ووجدان، واختصارًا هو مبدأ ذكره ابن خلدون وهو المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، إن الإلحاد العربي يشكل نموذجًا صارخـًا ومأساويًا لهذا الولع وهذه الانهزامية.

وقد نتساءل لماذا لم ينتشر الإسلام بديلاً عن الإلحاد مثلاً وهذه الأفكار في الغرب؟ سنفرد مقالاً لهذا الموضوع بإذن الله.

د/ لانغ: في الثامن من نوفمبر من عام 1982م نحو الساعة الثالثة ظهرًا ذهبت إلى المسجد في سان فرانسيسكو، قلت لنفسي: سأذهب لأطرح بعض الأسئلة؛ لأن اعتناقي للإسلام كان مستحيلاً، وبعد نصف ساعة خرجت من المسجد مسلمًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد