نشأ علم النفس باعتباره مساقًا منفصلًا متخصصًا يدرس الظواهر السلوكية والعقلية عند البشر (والحيوان) في بدايات القرن التاسع عشر. وأقول منفصل لأنه بدأ يحظى باهتمام خاص، وبدأ الدارسون بتدوين علومه ونظرياته في تلك الفترة، بدفعة من التطور العلمي (التجريبي) الحديث الذي صنعه قادة عصر النهضة.

ولكن كثيرين يُرجعون «نشأة» علم النفس أي بداية الحديث عن الروح والعقل وصياغة نظريات التفكير إلى أرسطو وأفلاطون. وصحيح أن علم النفس باختلاف مسمياته ومباحثه المشمولة يعد قديمًا جدًا قدم الفلسفة والفكر البشري. إلا أن الحديث عنه بشكل علمي متعمق غير ساذج ولا عشوائي كان في وقت متأخر. (راجح، 1972، ص37-38 وأُخرى).

قدر علم النفس برأيي على تفسير الكثير من الظواهر العقلية والسلوكيات الإنسانية. كما أسهم الكثير في تفسير ما شذ من ظواهر. ولكن حاله كحال كثير من فروع العلم الحديث، لا يفسر كل شيء. ولا أريد أن يساء فهمي؛ فمن الصعب الخروج «بنظرية كل شيء» (Theory of Everything)، ولا يدعي الباحث الصادق ذلك في أي علم من العلوم. ولكن النفس البشرية عصية جدًا على أحد أن يفهمها من الداخل، فماذا إذا دُرسَت من خارج النفس؟

نجحت المدارس الكثيرة المتنوعة لعلم النفس والفلسفة بوضع أسس يقاس عليها حالات مرضى النفس أو من يشتكون من عقدة معينة. ولكن قد تفهم هذه الأسس على أنها عامة شاملة للحالات. فيساء فهم بعض النظريات والإجابات من قبل القارئ العطِش، فيصبح مرسًى لكل العقد النفسية! يحاول عالم النفس المصري أحمد عزت راجح في كتاب أصول علم النفس المنشور عام 1972 التصحيح للقراء في أكثر من موضع لألّا يختلط عليهم الأمر. (انظر مثالًا ص422 وص463) ولكن قد يؤدي الاعتماد الشديد على أبحاث ونظريات علم النفس إلى حكم منقوص وغير واقعي. ويذكر الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي في روايته الشهيرة الإخوة كارامازوف قصة على لسان أحد محامي الدفاع، في أحد آخر المشاهد في الرواية. ينتقد محامي الدفاع ذلك اعتماد المحامي في الجانب الآخر على التفسيرات النفسية كثيرًا وكأنها كل شيء. وأنه يجرد حادثة القتل من أي عوامل وأسباب أخرى قد تكون ذات تأثير كبير، عدا عن التفسيرات السيكولوجية الجامدة. ولذا ما هي قدرة علم النفس على تفسير الوقائع حقًا؟ وما مدى صلتها بالحوادث والحالات الفردية؟

ومن جانب آخر، يبحث الكاتب Ashutosh Jogalekar في موقع Scientific American السؤال: «هل يعد علم النفس علمًا؟ وهل هذا مهم حقًا؟» يقول الكاتب، الذي هو نفسه متخصص في الكيمياء، أنه ليس ما يهم حقًا في العلوم أن تكون قابلة للقياس كميًا quantifiable وعلى مقياس عشريّ. ويعطي على ذلك مثالًا أن علماء الكيمياء أطلقوا اسم druglike أو «مشابهة للدواء» على كثير من المركبات والمواد. قد أطلق العلماء الكثير من التعريفات لهذه المواد ولكن ما يزال تمييزها أمرًا عصيًّا جدًا.

من المعروف أنه لا يوجد مختبرات في أقسام العلوم الإنسانية في جامعات العالم، على عكس وفرتها في تخصص الفيزياء مثلًا، وذلك لأن الظواهر المعاينة ظواهر إنسانية، والإنسان دائم التغير. تمكن على سبيل المثال عالم الاقتصاد الشهير كينيز على حل كثير من المشاكل الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب الثانية. وظهر مفهوم دولة الرفاه، الدولة التي تحمل مسؤولية اجتماعية تجاه مواطنيها. ولكن نظرياته لم تتمكن من الصمود أمام المد النيوليبرالي مثلًا في الولايات المتحدة. ومن الصعب أن يصمد! فالظروف في أوروبا في ذلك الوقت غير الظروف التي في أمريكا في وقت مختلف. وقد يظهر لنا هذا المثال البسيط التباين بين الحالات الفردية في مجال العلاج النفسي. فكان لزامًا في كثير من الأحيان دراسة الحالات حالة بحالة، للإلمام بسيرة الفرد وتجاربه السابقة، أحكامه ومعتقداته، ثقافته، وبيئته والعوامل التي أثرت فيه فأصبح ما هو عليه. ومن هنا ظهر علم النفس التحليلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد