«لا يحتاج الدين إلى عبيد يستعملون الشعائر دونما فهم لمعناها؛ فى تملّق نسقى للإله» ـ إيمانويل كانط.

كل البشر سواء، المؤمن منهم أو الكافر، هم عباد الله قهرًا، يقول تعالي «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه»، فالله لا يحتاج إلى دعائنا وعبادتنا بقدر احتياجنا نحن إليها, ويقول الرسول «الدعاء مخ العبادة», وفي لفظ آخر للترمذي «الدعاء هو العبادة», أي أنه من فرط في الدعاء فرط في العبادة, وكأن العبادة جعلت من أجل إيجاد مناخ جيد للقيام بالدعاء.

لذلك أهمية الدعاء تفرض علينا الحديث عنه؛ لأهميتها في صميم العبادات, حيث الشهادتان هما أول ركن من أركان الإسلام, ولكي تنطق بالشهادتين يجب أن تعيهما جيدًا، وتسأل وتجيب, فهم ليسوا مجرد كلمات تُنطق بالشفاة, وإلا كان قد نطق بها الجميع, فالشهادتان هما مدخل الإنسان المسلم للتفكير، واستخدام العقل؛ ليعرف مهمته كمسلم، وواجبه وحقوقه ومعتقده جيدًا, لذلك كان المسلمون الأوائل يعرفون ذلك جيدًا، فكانوا دائمي السؤال والبحث عن ماهية الدين!

هذا التساؤل «سيكولوجية الدعاء» تكمن أهميته في أن الله أوضحه لنا، وكشف عما بداخلنا عندما نلجأ إليه، حيث يقول عز وجل «فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».

يُخبرنا الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى اللّه عزَّ وجلَّ، وينسب إليه ويدعوه، وإذا خوّله نعمة منه بغى وطغى، وقال «إنما أوتيته على علم عندي» لما يعلم اللّه تعالى من استحقاقي له، ولولا أني عند اللّه خصيص لما خولني هذا، قال قتادة «على علم عندي»، على خير عندي, جحودًا لفضل الله عز وجل.

لماذا ندعو 

أنا هنا لا أتكلم عن الله، فليس أنا، أو أنت، سوى عباد لله ـ عز وجل ـ وكل ما أمرنا الله به هو واجب النفاذ, ولكني سأتحدث عنا، ونحن مقبلون على الدعاء, ماذا يدور في خاطرنا حينها, لماذا ندعو الله؟ هل نستخدم الدعاء كمجرد وسيلة لذلك؟ هل ندعو الله حقيقة لأنها عبادة قائمة بذاتها؟ هل ندعو الله في كل الأوقات وكل الأماكن؟ هل دعاؤنا عبادة خالصة لوجه الله؟

تتعدد الأسباب الحقيقية خلف دعاء كل واحد منا, فأحدنا يدعو الله لأن الله هو المالك، فلنلجأ له عند وجود حاجة ومصلحة خاصة بنا. وآخر يدعو الله لأنه يعتقد أن الله لا يعرف ما يناسبه، تدعو الله لتخبره ما هو المناسب لك, وآخر يدعو الله  لأن الله أعطاه ما لا يحبه، فهو سيدعو الله ليخبره في دعائه ما يحبه ليعطه إياه, وتجد أحدنا يدعو الله لأن الله هو القادر، فيدعوه ليطلب منه العون والمساعدة, وآخر  يدعو الله حتى يضمن توفيق الله له في الأوقات الصعبة!

ألم تلاحظ عزيزي القارئ يومًا امتلاء المساجد قبل الامتحانات؛ باعتباره موسمًا للدعاء، وامتلاء المساجد أول يوم من رمضان، وليلة السابع والعشرين؛ اعتقادًا أنها ليلة القدر، وبذلك يتحول الأمر إلى موسم أيضًا، ويتبعه عدم وجود أحد ـ حرفيًا ـ في الليلة الثامنة والعشرين؛ لأن الموسم انتهي من وجهة نظر هؤلاء, وغير ذلك من مواسم صنعناها بأنفسنا!

«لأنكم تدعون من لا تعرفون»

سُئل الإمام جعفر الصادق «ما لنا ندعو ولا يستجاب لنا», فقال «لأنكم تدعون من لا تعرفون».

فالأمر ليس من قبيل «هات وخذ», أو  تبادل أعمال, أو مجرد هات طاعة وخذ نجاحًا, وليس «سوبر ماركت»: تدفع نقودًا؛ تأخذ سلعة غذائية، ولا نظامًا بنكي تعاملاته تبادلية.

ولكن الأمر في صورته الحقيقية «أن الله أعطاك قبل أن يأخذ منك، أو أن يطلب منك عبادته، أعطاك وخلقك وصورك في أحسن صورة، ولم يطلب منك سوى عبادته فقط، وإن لم تعبده فسيعطيك على قدر أخذك بالأسباب منها.

كثير منا يعمل خيرًا وأعمالًا صالحة هنا وهناك، وفعلًا تكون نية كثيرين منا خالصة لوجه الله، ولكن الواحد منا تقابله مصيبة، ويخرج منها سليمًا معافى، يبدأ بقول: ربنا أنقذني هنا؛ لأني عملت قديمًا خيرًا لفلان وفلان وفلان، متعللًا بمقولة «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، المقولة صحيحة، لكن ليس في العلاقة ما بين الرب وعبده؛ لأن العلاقة ما بين الرب وعبده لا تصح أن تكون علاقة «هات» وعلاقة «جمايل» أو علاقة «رصيد بنكي» أو علاقة «نقدم السبت علشان تلاقي الأحد»، هذه العلاقة قد تكون بين البشر وبعضهم البعض داخل المجتمع، لذلك الله تعالى يقول «ولا تنسوا الفضل بينكم» أي لا تنسَ الذي قدم لك السبت وفعل لك معروفًا  وهكذا، طيب، وإذا كان هذا الإنسان أنت لا تحبه، فالله تعالى يقول لك «ولا تبخسوا الناس أشياءهم»، أي حين تجد شخصًا لا تحبه لديه مصلحة عندك أعطه حقه ولا تظلمه، أي يخبرك بألا تخلط الأمور.

 

 

أما العلاقة ما بين العبد فليست كذلك؛ فرعون وهو يغرق استغاث بموسى 70  مرة، ولم يستجب له موسى، فخاطب الله موسى: قال الله فوعزتي وجلالي لو استغاث لي مرة لنجيته، فرعون مات كافرًا، وكان يدعي أنه إله، والله كان سينجيه لو استغاثه مرة. هناك فرق بين علاقة الله بعباده وبين علاقتنا ببعضنا البعض؛ فاعتقادك أن فعلك للخير واعتباره رصيدًا ومخزونًا استراتيجيًا، سيرده الله لك عند وقوع المصائب والنكبات، فيه عوار فكري وخلل في فهمنا للدين ككل، وكعلاقتنا بخالقنا.

أحد العباد الذين عبدوا الله لمدة 500 سنة يخيره الله بين دخوله الجنة بعمله أم برحمته، فإنه سيطلب أن يدخل الجنة بعمله، فوضع عمله في الميزان؛ فلم يوف عمله حق شكر لنعمة واحدة من نعم الله عز وجل.

إذن، لو تكلمنا بمفهومك، فلابد أن تسدد ديونك التي تعادل حق كل نعمة رزقت بها، والتي لن تستطيع مهما فعلت أن تؤدي حق نعمة واحدة،
فعلاقتنا مع الله ليست علاقة هات وخذ، ليست علاقة بناء رصيد، ليست علاقة جمايل نفعلها لأجل المستقبل.

علاقتنا مع الله تتلخص في كتابه الكريم: يقول الله «إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون», للناس أجمعين، وليس للمسلمين فقط، فهو رب العالمين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد