“كنت دائمًا أتساءل: كيف يجلدني وهو يغني؟!

كنت دائمًا أتساءل: هل هو بشر مثلنا؟! ما سر هذه العدوانية ألا يؤنبه ضميره؟!” أحد المعتقلين يتساءل.

يهتم علم النفس بالدوافع التي تقف وراء أفعالنا، لماذا نفعل الشرور؟!

وماذا يدفعنا للقيام بخير ربما لا تنفعنا نتائجه؟ هل تقف النوايا الحسنة حائلاً بيننا وبين القيام بأفعال الشر؟ وكيف نقوم بأعمال الشر في الوقت الذي لا نشعر فيه بما ينتقص من إنسانيتنا؟!

 

هل فكرت يومًا فيما كان يدور في عقل ذلك الجندي الأمريكي الذي ألقى بالقنبلة النووية على هيروشيما ونجازاكي وهو يدرك أنها سوف تقتل كل ما هو حي من أطفال ونساء وحتى الحيوانات والزروع بأبشع الطرق والوسائل التي عرفها الإنسان؟!

هل فكرت في الدوافع التي تجعل ذلك الضابط يأخذ في تعذيب معتقلين إلى الدرجة التي تجعل المعذَّب يعتبر الانتحار غاية؟!

في جامعة بيل الأمريكية قام الدكتور ستانلي ميلغرام بتجربة لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، تستقدم الجامعة متطوعين للتجربة بأجور محددة، وحين يدخل الشخص – التجربة– يُوهَم بأن التجربة هي لدراسة المؤثرات على الذاكرة، وهل العقوبة تساعد على تنشيط الذاكرة أم لا؟ ومن ثم فإن قرعة تتم بينه وبين شخص آخر حول من سيذكر ومن سيعاقب، ولكن القرعة وهمية، فالورقتان اللتان سيتم الاختيار منهما تحملان الكلمة ذاتها، ومن ثم فالشخص – التجربة سيكون دائمًا هو المعاقِب. بينما الشخص الآخر هو من الطاقم الجامعي وسيمثل دور الشخص الذي سيتذكر ويتلقى العقوبة.

يجلس الشخص الذي سيتذكر على كرسي موصول بأسلاك كهربية تربط بيديه (هي غير موصولة فعليًّا، ولكن الذي يجلس سوف يمثل تلقي الشحنات، والآخر “التجربة” لا يعرف إلا أنها موصولة وأن الشحنات ترسل إلى جسد الآخر بالفعل، وكل ما يفعله الآخر هو تمثيل وصول الشحنات إليه والتظاهر بالألم)، ويجلس الشخص التجربة أمام جهاز إرسال للشحنات مزودًا بأزرار، كل زر منها يزيد الشحنة التي سترسل كعقوبة إلى يدي الذي سيتذكر بمقدار (15) فولتًا.

تقال للشخص الأول مجموعة من الكلمات ومع كل كلمة قرينة لفظية ( سماء/زرقاء، ريح/عاتية…إلخ). ثم تبدأ التجربة، ويقول الشخص “التجربة” كلمة “سماء” ويجب أن يقول الآخر “زرقاء”، إلى أن يخفق في تذكر الكلمة القرينة، كأن يُقال له “ريح” ولا يتذكر كلمة “عاتية”، وهنا يجب أن يقوم الشخص “التجربة” بإرسال شحنة كهربية إلى جسد الآخر كعقوبة، على افتراض أن التجربة حول إمكانية تنشيط الذاكرة بالعقوبة، ومع كل غلطة تزيد الشحنة حتى تصل إلى أرقام مخيفة وقاتلة للطرف الآخر (الذي يمثل تلقيها).

وتبين نتائج التجربة أن (65%) من أبناء المجتمع الأمريكي يصلون إلى أية درجة تفرضها التجربة ولمجرد أنه يتلقى الأوامر بذلك من سلطة يحترمها حتى لو وصلت النتائج إلى القتل! ولا يخفى على أحد أنه لو تم إجراء استبيان في شوارع العاصمة واشنطن وكان السؤال: هل يمكن تحت أية ظروف أن تقتل إنسانـًا متعمدًا لا تربطك به أية صلة؟ فستكون نتيجة الاستبيان أن أكثر من 99% منهم سوف يرفضون هذه الفكرة قائلين أنهم لن يتورطوا في جريمة بحجم القتل، ولكن ما الفارق بين هكذا استبيان وبين تلك التجربة المذكورة؟

 

الفارق الواضح هنا هو سلطة الطاعة، تلك السلطة التي صنعتها المجتمعات تحت مسميات مختلفة للسلطة والتي تحتم على الفرد داخل المجتمع الإذعان لها تحت أية ظروف مهما كانت النتائج، تلك السلطة التي تحدث عنها هيرمن هسّه في (ذئب السهوب) قائلاً: “العالم الذي تبحثون عنه هو عالم أرواحكم ذاتها” فالشخصيات هي” السجن الذي وُضعتم فيه، والروح الذئبية الشيطانية التي تبقى حتى في نفوسنا المتحضرة هي ضمان الإذعان الاجتماعي”. ويعقب ممدوح عدوان في (حيونة الإنسان) بقوله: ” وهذا يعني أن الطاعة لم تغير المخلوقات الأخرى لتجعلها تحت سيطرة الإنسان واستخدامه، بل إنها غيرت في الإنسان نفسه بقواعد السلوك والتهذيب والبروتوكول إلى الطاعة في القطاعات العسكرية، إلى تملق المسئولين وأولي الأمر، هذا كله من مظاهر تغير الإنسان بفعل الطاعة، وهي طاعة أوامر مباشرة أو غير مباشرة”.

وبالطبع فإن المجتمعات والسلطة تتخذ كل المتاح في سبيل الوصول بإرادة الإنسان إلى هذا الحد الذي تتقيد فيه برغبات السلطة والمجتمع حتى تصل إلى درجة الانسحاق الكامل تحت وطأة الضغوط المختلفة، ومن أبرز تلك السبل طريقة “التجويع والترهيب” والتي تجدي مع كل من الإنسان والحيوان على السواء، ويوضح ذلك زكريا تامر في قصته (النمور في اليوم العاشر)، عن نمر وُضع أمامه التبن ليأكله، ويرفض النمر طبعـًا، ثم تمر عشرة أيام من التعذيب والإذلال والتجويع وقلع الأنياب وقص المخالب، وفي اليوم العاشر يتقدم النمر ويأكل تبنـًا بعد أن لم يبق فيه شيء من النمر!”.

هكذا بكلمات مختصرة تستطيع أن تصف الجلاد بأنه “إنسان مطيع”، وهو يفرض الطاعة على الآخرين، ولكنه يفقد بوصلة الشعور الإنساني فيتسبب أثناء فرض طاعته على الآخرين الأقل منه قوة وسلطة إلى حدود ينتهك فيها إنسانيته هو قبل أن ينتهك الطرف الآخر. ولمعرفة ما يمكن أن يصل إليه من أجل فرض الطاعة على الآخرين نستعين بما قاله الدكتور ملغرام في كتابه (طاعة السلطة، نظرة تجريبية)، وقد نقل عن سي بي سنو أن “الجرائم التي ارتكبت باسم طاعة الأوامر أكثر بكثير من الجرائم التي ارتكبت باسم التمرد على الأوامر”. وبتأمل حالة الحرب يرى ملجرام أن “الشخص الذي يأنف في أعماقه من السرقة والقتل والاعتداء قد يرى نفسه وهو ينفذ هذه الأفعال بشيء من اليسر حين يؤمر بفعلها من قبل سلطة معينة”.

هكذا تقضي الوقائع بأن أولئكم الذين يرفضون فعلاً معينـًا نتيجة علمهم وثقافتهم وإنسانيتهم يفاجئوننا دائمًا بأنهم “يفعلونه”!

هنا تظهر تلك الجوانب الخفية في أنفسنا عندما تتاح لها الظروف أن تظهر، فيحتاج الإنسان حين ظهورها إلي سلطة تقي بأوامرها ضميره الهش وتدافع عنه! وهذا ما يحيلنا إلى سؤال آخر حول ما يشعر به الإنسان “الجلاد” حين ينفذ مجازر أو يساعد في قصف مدن بسكانها، وحين يمارس التعذيب. يقوم الإنسان بتغفيل نفسه عندما ينحي ضميره جانبًا ويدّعي بأنه لا يتحمل المسئولية، فهو يتجنب كونه صاحب القرار ويحيل المسئولية إلى صاحب القرار، فيقول جملتنا الشهيرة: “أنا عبد المأمور”. وهو بالفعل قد أصبح ذلك العبد!

أيضًا من بين تلك الأسئلة التي تطرح باستمرار بعد اقتراف مجزرة أو ارتكاب حالات التعذيب الشنيعة: كيف يحتمل الناس أن يفعلوا ذلك أو يروه؟ والجواب هو أنهم يستطيعون احتمال ذلك بسهولة، يقول ممدوح عدوان: “فما أن يختاروا حل الإزاحة إلى السلطة التي تصدر الأوامر حتى يزيحوا إليها كل مسئولية عن كل فعل، يستطيعون أن يقتلوا طفلاً أو عددًا من الأطفال أو يمارسوا التعذيب أو يأمروا به أو يسكتوا عنه أو يسوغوه ثم يذهبوا بهدوء إلى بيوتهم لتناول الشاي!”.

وهنا يتسلل إلى شعور الجلاد وحواسه ذلك الشعور الذي يصفه فولتير بقوله: “وحين يريد الله إغراق سفينة فإنه لا يهتم كثيرًا لمصير الفئران التي تسللت إليها”. وقد يشعر الجلاد ببعض الشفقة حين يرى حجم الأذى الذي ألحقه بضحيته، ولكن يرفض البعض اعتبار الإحساس بالشفقة دافعًا إنسانيًّا حقيقيًّا، فقد تدفعك الشفقه إلى العطف على الإنسان ولكن من دون أن تصبح أكثر لطفـًا أو أن تساعده، إننا بالعكس نكره ما نشفق عليه لأننا نرى فيه الضعف الذي يكبل أنفسنا ولا نريد الاعتراف به، أو لأننا نكره مساواته بأنفسنا!

وقد يطرح بعضهم ذلك الافتراض القائل بأننا في الأصل أناس طيبون وأننا ما كنا لنفعل ما هو سيء لولا أننا نُجبر على ذلك، وللحكم على هذا الافتراض نورد تلك القصة التي أوردها كريستوفر براونينج في كتاب (رجال عاديون: كتيبة الاحتياط 101 والحل النهائي لبولونيا)، والتي حدثت في الساعات الأولى من صباح 13 يوليو 1942. كانت كتيبة الشرطة الاحتياطية الألمانية 101 والمؤلفة من (500) رجل متوسطي العمر، وهم أرباب أسر ولم يتلقوا إلا قليلاً من التدريب. وقد ذهبوا إلى بولونيا بقيادة (تراب)، وبصوت أجش يخبرهم تراب أن مهمتهم التالية هي البحث عن أهالي قرية جوزفو القريبة والبالغ عددهم (1800) شخص وقتلهم عن بكرة أبيهم. وما أثار دهشتهم هو أن تراب قال لهم إنه يعرف كم هي مهمة قاسية عليهم، ولذلك فإن من لا يريد أن ينفذ العملية يستطيع الاعتذار والتنحي جانبًا، ومن دون أية احتمالات للوم أو العقوبة.

 

وكانت المفاجأة أنه من الخمسمائة رجل تنحى جانبًا (12) رجلاً فقط!!

وردًا على من يقول إن الألمان قد قتلوا اليهود لأنهم مهيئون لقتلهم بالكراهية التي تريد إهلاكهم، يورد براوننج قصصًا عن “أساتذة يقتلون تلاميذهم في رواندا، وجيران يقتلون جيرانهم في البوسنة، ورجال ونساء في كمبوديا يقتلون كل من يلبس نظارات!”.
يبدو فعلاً أننا نجيد فن التظاهر بأننا أناس طيبون، ولو لم نعي ذلك. من هنا أيضًا لا ينبغي أبدًا أن نتعجب من ذلك الشخص الذي يرتكب كل تلك الأفعال وينسى كونه إنسانـًا، فلربما اعتقد نفسه سوطـًا أو بندقية!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد